مجتمع مدني: فلسفة المجتمع المدني و صور التحقق الفاعلة في المستقبل العراقي

 

سيف الدين كاطع

 

 

تثيرموضوعة المجتمع المدني جدلا واسعا في الاوساط الاجتماعية والثقافية والنخبوية ويكاد يمتد الحديث عنها الى حدود آفاق يحاول الناشطون والعاملون في هذا المجال اطلاقها والعمل على نحو جاد بنشر ثقافتها وبرامجها وعلى الرغم من ان جهودا تبذل في هذا المجال لكن للاسف لم يعد الامر كما كان متوقعا من ان المجتمع المدني وخلال هذه المرحلة سيحقق نتائج مؤثرة في المشهد الاجتماعي العراقي، فثمة الكثير من الاشكاليات والقضايا التي تقف بوجه هذا المسار، ولعل في مقدمتها حداثة تجربة منظمات المجتمع المدني وهي تعمل في ظل ظروف غير مستقرة نسبيا ويشوبها نوع من الارباك وعدم توظيف الجهود والمناخات التي وفرتها مرحلة ما بعد التغيير في العراق، فضلا عن الانعكاسات السلبية التي سببها الوضع الامني المتردي طوال السنوات الاربع الماضية والتي القت بظلالها على طبيعة حركة ونشاط هذا النوع من العمل الاجتماعي المرتبط ايضا بتنفيذ الخطط والبرامج والاجراءات الحياتية والعملية التي تدفع به الى الامام، نحو اقامة الصلة وتفعيلها مع المؤسسات الحكومية والشعبية لخلق القاعدة الحقيقية للعمل الديمقراطي، وهذا من شأنه ان يوفر حياة تبدأ من العائلة والمجتمع والسلطة في اطار مناخ اوسع لعمل آليات الدولة الحديثة.وهذا بالتأكيد ما يجعلنا ان نعي بجدية طبيعة المجتمع المدني ومعرفة مقوماته وشروطه منطلقين في ادراكنا وتصوراتنا الى اهمية السير في تدعيم اتجاهاته ومراميه الهادفة الى توسيع رقعة الوعي والثقافة الاجتماعية المعاصرة وتعميق اسسها وسماتها وانساقها.

المجتمع المدني: المفهوم والتشكل

ولكي ندرك اهمية الوعي بثقافة المجتمع المدني وايضاح دوره لابد من الاشارة اليه تاريخيا فقد ارتبط المجتمع المدني بعصر التنوير حيث ناقش عدد من المفكرين الاوروبيين، هوبز، ديدرو، لوك، روسو، هيجل، ماركس، آدم سميث، دوتوكفيل، وغرامشي، مفاهيم عدة مثل”الوطن، المجتمع، الدولة “ لتبرز بعد ذلك مدرستان”الماركسية والليبرالية “ واختلف المفهوم في الساحة السياسية والفكرية في مطلع القرن الحالي، ليبرز من جديد ويعاد له الاعتبار في الفترة الاخيرة بعد ان انكشفت مساوئ الدولة الشمولية، وكان من الطبيعي ان تقوم مقارنة بين المجتمع المدني والدولة، فهناك من جعله مقابلا للدولة، ومن رأى بانه ملازم للدولة، ومهما كانت الاراء لا يمكن تجاهل دور الدولة في تطور المجتمع المدني او تدهوره وقد تطور هذا المفهوم بعد انجازات الثورة الصناعية فاقترن تطوره بتطور الرأسمالية لاسيما بعد تطور الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعد”هذه الحقوق “ اسسا من اسس الليبرالية، فبينما تضمن المجتمع المدني”بحسب هيجل “ منظومة الحاجات، وتنظيم العدالة، والادارة، والهيئات الحرفية، فقد ذهب هيجل الى ضرورة توفر دولة قوية تتموضع فوق المجتمع المدني، حيث كان متأثرا بظروف المانيا الضعيفة في اواخر القرن الثامن عشر والتي ادت الى ان يعطي هيجل للدولة دورا كبيرا لتحل اشكاليات مواطن الضعف والوهن في المجتمع . اما”ماركس “ فكان يفهم المجتمع المدني على انه فضاء للصراع الطبقي، وبعيد عن المنهج المعرفي فقد اعطى ماركس للمجتمع المدني معنى”ثوريا “ ليتحول في العمل اليومي الى سلاح سياسي ضد السلطة البرجوازية”المستبدة “ وفق مفهومه، اما”غرامشي “ الماركسي التقليدي فقد غاير المفهومين تماما واعتبر المجتمع المدني فضاء للصراع الثقافي، فالمجتمع المدني لديه مجموعة من البنى الفوقية مثل النقابات والاحزاب والصحافة والمدارس والكنيسة فهو لا يذهب اي غرامشي الى ان المجتمع المدني افراز للحالة المادية”الانتاجية “ او بنية فوقية لقاعدة اقتصادية بل هو في نظره حالة وسط بين القاعدة الاقتصادية والدولة، بقوانينها وجهازها القمعي، وهو يتمتع باستقلال كبير عن الدولة حينها يصبح قادرا على مقاومة الاجهزة القمعية للدولة. ويتضح مما سبق بان مفهوم”المجتمع المدني “ قد اقترن بامرين اساسيين هما الوضع الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة ونوع النظام السياسي، اي بمعنى ان الامر الاول قد اعان الاقطاعية التي حملت في رحمها جنين البرجوازية، والامر الثاني هو ان المجتمع المدني تارة يكون قابلا للدولة او متعايشا معها، ومرة متناقضا وبروز شعار”دولة اقل .. مجتمع مدني اكثر “ ولكن عندما برزت ظاهرة الارهاب وحركات التطرف والصراعات الطائفية والعرقية حالت دون اللجوء الى المجتمع المدني والاحتماء بالدولة. في حين يمكن تأشير حالة العودة الى المجتمع المدني بعد تسعينيات القرن الماضي لاسيما في اوروبا الشرقية. ويبدو ان هناك محاولة لاعادة التوازن بين الدولة والمجتمع المدني والوقوف امام محاولات ابتلاع المجتمع المدني في جوف الدولة. ان التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في اوروبا افضت الى القول بان مفهوم المجتمع المدني والدولة متلازمان متقابلان فلا يمكن النهوض بمجتمع مدني من دون دولة قوية، تقوم على مؤسسات دستورية ممثلة وتعمل على فرض القانون، كما انه من الصعب التحدث عن دولة من دون التفاف المواطنين حولها ومساندتها ودعمها، عند ذاك تتحول الى دولة معزولة من قبل الشعب تؤدي وظيفتها من خلال اجهزتها القمعية فعندما تنهار هذه الدولة ينهار المجتمع المدني وفي تاريخ المانيا النازية مثال، وانهيار النظام السياسي السابق في 9/ 4/ 2003 مثال آخر. ويبدو ان المعيار في العلاقة بين المجتمع المدني والدولة هو طبيعة ونوع النظام السياسي هل هو شمولي ام ديمقراطي؟ ويمكن استخلاص ذلك من ان مفهوم المجتمع المدني هو”ثمرة جهود مختلفة ومتعددة لنشاطات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عبر تأسيس منظمات واتحادات ونقابات وروابط ونواد، وجمعيات تعبر عن رأي وتدافع عن مصالح اعضائها، وهي منظمات مستقلة الى حد كبير عن اشراف الدولة المباشر، ولا تسعى للوصول الى السلطة وهي طوعية تتمثل بروح المبادرة الفردية والجماعية فهي ليست مجتمع”الفردانية “ بل هي مجتمع”التضامن “ مجتمع الحوار، والاعتراف بالاخر، واحترام الرأي الاخر، والعلاقات المختلفة فيه”افقية “ وليست”رأسية “.

المجتمع المدني: المقومات والشروط

كنا قد ذهبنا فيما تقدم الى تحديد بدايات التشكل لمفهوم المجتمع المدني الذي يعني في تقدير موجز ودقيق هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الاسرة والدولة والتي تنشأ لتحقيق مصالح افرادها كذلك لهذا المجتمع النوعي مجموعة من المقومات لعل من ابرزها الفعل الارادي الحر والتطوعي، اذ من المعروف ان يتم الانتماء الى منظمات المجتمع المدني طوعيا لان الغاية هي تحقيق مصالحهم وحماية حقوقهم، اضافة الى حضور وتواجد هذه المنظمات”المؤسسات “ في شكل اطار قانوني لكي تكتسب صفة اعتبارية وتعبر عن برنامج واضح وعلني، فضلا عن عدم السعي للسلطة السياسية لان وظيفة مؤسسات المجتمع المدني وان كانت في طبيعتها سياسية لا تسعى للوصول الى السلطة السياسية، بل وظيفتها عامل ضغط وتأثير على القرار السياسي، بمعنى انها تشارك في صنع القرار السياسي، على عكس الاحزاب السياسية التي تخوض الانتخابات سعيا منها للوصول الى السلطة السياسية. كما تتميز منظمات المجتمع المدني بالاستقلالية اذ تتمتع هذه المؤسسات بالاستقلال عن اشراف الدولة ولكن من الممكن ان تقوم الدولة بدعم هذه المؤسسات تعزيزا لدورها. ولكي يحقق المجتمع المدني غايته لابد من توفر جملة من الشروط اولها شيوع الثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع والسلطة وثانيها، توفير فضاء الحرية على الصعيد السياسي والاجتماعي وهذا يتطلب وجود قوانين ضامنة لهــذه الحريات وضوابط لها، وثالثها توافر مبدأ احترام حقوق الجماعات الاثنية والقومية من قبل المجتمع.

المجتمع المدني: الماهية والمواصفات

لكن ثمة تساؤلات تطرح ماهو المجتمع المدني وما مكوناته ومواصفاته واهميته ومشكلاته وهل الاحزاب السياسية تدخل في منظماته، وهل هو مجرد مجموعة منظمات ام رسالة اجتماعية وهل المجتمع المدني آلية محصورة في الانظمة الليبرالية الغربية ام متاحة لكل الانظمة الاجتماعية، وما علاقته بالمجتمع البرجوازي وما علاقة المجتمع المدني بالديمقراطية، وهل هما مترادفان ومتنافسان وهل يحل احدهما محل الاخر، ام انهما متكاملان ويتواجدان معا، وما هي خلفيات المجتمع المدني وتجاربه الدولية وكيف حال المجتمع المدني في العالم العربي وما هي تطوراته في العراق، مجموعة من هذه التساؤلات وغيرها يمكنها ان تمثل مربع الجدل الدائر عن المجتمع المدني واهميته، بل تكاد هذه الاسئلة ان تحتل عادة مساحة واسعة في الحوارات التي تدور في هذا المجال سواء منها ما يظهر في الندوات والمؤتمرات او في الورش الثقافية والكتابات التي تتناثر هنا وهناك، ويمكن الاعتقاد ان اتساع انماط الحوار والجدل في هذا الاتجاه من شأنه ان يسهم في نشر الثقافة السياسية الحضارية بين الجمهور، وبما يعزز المعلومة والحوار، ويساهم في تحسين ثمارها ويدعم القدرة على فهم وتفهم الاشكاليات الكثيرة التي ترافق هموم الانظمة السياسية الحكومية وقضية الديمقراطية والمجتمع المدني علاوة على اشكاليات الاحزاب السياسية. من هنا يمكن القول ان تواجد اشكال عديدة للعمل الديمقراطي سيسهم في نشر واتساع رقعة الثقافة الديمقراطية ومسمياتها الامر الذي يعني بوجوب الاحساس بان الديمقراطية ليست محصورة في الانظمة الليبرالية او مجتمع معين بل ان قيما ومبادئ ديمقراطية يمكنها ان تتواجد في مجتمعات اخرى، ولكل مجتمع بامكانه تكييف هذه القيم وتطوريها لبناء مسيرة التحول الديمقراطي ارتباطا بمرحلة تطورها وبيئتها الاجتماعية في الوقت الذي تتطلب العملية الديمقراطية فيه بدءا تواجد احزاب سياسية وان تكون هذه الاحزاب ديمقراطية. وعلى الرغم من ان فكرة المجتمع المدني تبدو حديثة نسبيا اذ ظهرت في حدود منتصف القرن التاسع عشر كما اسلفنا على خلاف الديمقراطية التي وجدت افكارها وتطبيقاتها المحدوة في الحضارة الاغريقية، وبعد غياب امتد لغاية نهاية الحرب العالمية الثانية برزت فكرة المجتمع المدني بشكل اقوى واكثر نشاطا من قبل مختلف المفكرين والمعنيين وكانت اسهامة المفكر اللايطالي غرامشي كبيرة وواضحة في تعميقها من خلال طرح افكار نظرية يسارية جديدة تتعلق بماهية المجتمع المدني وايضاح دوره الريادي في بناء المجتمع المعاصر كما ذكرنا.

المجتمع المدني: صور من العمل الديمقراطي الحر

وتشير ادبيات الفكر الاجتماعي المعاصر الى ان المجتمع المدني بات يشكل مدرسة لتدريب المواطنين على القيم الديمقراطية والتي تتسم بالمحبة والخيرية والتعاضد المتبادل ونشر ثقافة المبادرات وتعظيم اهمية الفرد في اطار التعاون الجماعي والرقابة على الحكومة، والتوفيق بين المصالح المتضاربة والتأكيد على بناء ارادة المواطنة والتغذية المستمرة لمؤسسات المجتمع بالقيادات المدربة، وعلى العموم فيمكن النظر الى المجتمع المدني في مفهومه المعاصر ومواصفاته واهدافه بانه يعبر عن رسالة اجتماعية من القيم والافكار والممارسات التطوعية والخيرية الموجهة نحو بناء الاسس التحتية للمسيرة الديمقراطية كما عرفت الادبيات الاجتماعية الجديدة، ان المجتمع المدني اضافة الى انه يقوم بالتطوعية والاستقلال الذاتي فانه يسعى الى تثبيت اركان المواطنة الفعالة والمشاركة العاملة وكذلك على مبدأ التوفيق بين المصالح المتباينة من اجل الصالح العام وقبول الاختلاف والتنوع. وفي ظل دولة عصرية ديمقراطية لا مركزية يمكن للمجتمع المدني ان يلعب دورا متميزا في بناء وتحسين رأس المال الاجتماعي باتجاه اعادة هيكلة البيئة الاجتماعية لصالح التعددية والعلنية والنسبية والتعامل السلمي، كما يضم المجتمع المدني منظمات النفع العام التي تقوم العفوية فيها افقيا وهذا يعني على وفق هذا المنظور بان افراد المجتمع من العناصر المدنية، بل ينحصر في العناصر الواعية الفعالة المنظمة من المواطنين”مجتمع منظمات تطوعية “ ولا تدخل في منظمات المجتمع المدني تلك التي تقوم العفوية فيها على وفق اسس تقليدية عمودية مثل العشيرة، القبيلة، الطائفية، المذهب، والمنظمة الدينية، رغم ان هذا لا يعني اهمالها او محاربتها طالما تشكل الاغلبية في المجتمعات التقليدية بل الاعتراف بها وتطويرها تدريجيا من منظمات طاردة للقيم والافكار الحضارية الى حاضنة لها او متعايشة ومتكيفة معها في الاقل. ولكن ايضا للمجتمع المدني تشكيلات تتقدمها ضعف الوعي انتشار قيم الانانية، النفور، السخرية، واليأس، قلة الادبيات وضعف الثقافة الموجهة لدعم هذا الحقل، اضافة الى الصعوبات الكبيرة التي تتجسد في ضعف التمويل وموقف مؤسسات الدولة في المنظمات التي تتبنى اهداف المجتمع المدني والسير بآلياته، فضلا عن الانحسار المستمر بالعمل التطوعي الخاص بخدمة وتوصيل برامج منظمات المجتمع المدني الى الجمهور.

المجتمع المدني في العراق: الفاعلية المطلوبة

وفي اطار السياق ذاته لابد من القاء الضوء على”برنامج المجتمع المدني العراقي “ وذلك من خلال الدعم الذي بدأت به مؤسسة التنمية الاميركية ADF بتنفيذ البرامج والممول منذ عام 2004 وهذا البرنامج يعمل من اجل تطوير الحكم الديمقراطي التشاركي في العراق، من خلال تعزيزه لدور المجتمع المدني في مجالات التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويتضح ان هناك تعاونا مباشرا بين هذه البرامج ومنظمات المجتمع المدني العراقي يهدف الى تعزيز وبناء قدرات هذه المنظمات من اجل ممارسة دورها بفاعلية اكثر لخدمة المواطن العراقي والحفاظ على مصالحه وكذلك دعمها من اجل ان تتبوأ دورا رياديا في تعزيز قدرات الحكومات المحلية والاسهام المباشر في عمليات رسم السياسات الوطنية. وقد وصل عدد منظمات المجتمع المدني المشاركة في هذا البرنامج الى ما يقارب 1900 منظمة تقوم بالعمل مع آلاف العراقيين والمنظمات والمؤسسات الحكومية الاخرى، ويشكل هذا البرنامج الذي تديره منظمة اميركية غير حكومية عنصرا اساسيا ومهما في دعم الجهود الرامية الى بناء مجتمع اكثر ديمقراطية والسعي لاحداق اصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية وزيادة مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار على مستوى الاقاليم والمحافظات وكذلك على المستوى الوطني. كما يولي برنامج المجتمع المدني اهتماما خاصا بالمنظمات الناشطة في مجال حشد الدعم والتأييد للنساء وفي مجال حقوق الانسان والتربية المدنية ومحاربة الفساد الاداري وذلك من خلال التدريب والدعم الفني والمنح التي يقدمها البرنامج. اضافة الى قيام البرنامج بتعزيز دور الاعلام العام وتأكيده على امكانيات الكتابة في مجال الاخبار المستقلة والشؤون العامة فضلا عن قيامه واسهاماته في بناء القدرات الاعلامية في ارجاء العراق لتوفير معلومات مناسبة ومتوازنة في الاستجابة لحاجات عموم الناس، فيما يحاول البرنامج ايضا توفير البيئة القانونية والتنظيمية والسياسية الملائمة للاعلام المستقل، في الوقت الذي يسعى فيه البرنامج الى التركيز عند تقديم المساعدة على الجوانب المتعلقة بتنمية المهارات الاعلامية وتطوير العمل الاعلامي وكسب الدعم وحشد التأييد لاصدار قانون خاص بالاعلام وتأسيس جمعية اعلامية لتقوية موقع هذا القطاع في البلاد.

مراكز ومنظمات مجتمع مدني:عمل دؤوب متواصل

وفي اطار توسيع رقعة عمل المجتمع المدني فقد تم انشاء اربعة مراكز اقليمية من اجل توفير الخدمات اللازمة لبناء قدرات المنظمات المعنية وتطويرها في جميع ارجاء البلاد، ويعمل برنامج المجتمع المدني العراقي على تسهيل تطوير عدد من المراكز كي تتخذ شكل مؤسسات عراقية مستقلة، هذه المراكز تتوزع في كل من اربيل”اقليم الشمال “ وفي بغداد”اقليم الوسط وفي الحلة”اقليم جنوب الوسط “ وفي البصرة”اقليم الجنوب “ اضافة الى منظمات المجتمع المدني التي تعمل معها والمنتشرة في جميع المحافظات. وتتلقى هذه المنظمات تدريبات على اساليب بناء القدرة المؤسساتية وكيفية تقديم الدعم الفني والمنح في الاستجابة للاحتياجات التي تحدد مؤسساتيا وفرديا، كما تعمل هذه المراكز كمقرات رئيسة لنشاطات وموارد منظمات المجتمع المدني وللمعلومات والخدمات المتعلقة بالمجتمع المدني، اذ نفذت هذه المراكز 717 ورشة تدريب في بناء القدرات الاساسية”الادارة المالية، الادارة الداخلية كسب الدعم وحشد التأييد “ و 1182 ورشة تدريب في المجالات المعنية بالبرامج”دعم المرأة، حقوق الانسان، التربية المدنية، محاربة الفساد، والاعلام المستقل “ وقد تم تعزيز التدريب من خلال المساعدات الفنية التي تم تقديمها الى 1082 منظمة مجتمع مدني. كذلك قامت هذه المراكز بتقديم المساعدات الفنية الى 1772 منظمة وبشكل غير مباشر الى آلاف المنظمات الاخرى من خلال الدعم الذي قدمته الى شبكات وائتلافات منظمات المجتمع المدني كما تم التعرف على امكانيات وقدرات ما يزيد على 1200 منظمة باستخدام اداة التقديم المؤسسي التابعة للمركز، كما قامت تلك المراكز بتسهيل ائتلاف منظمات المجتمع المدني باعتماد النشاطات المشتركة وحملات كسب الدعم والتأييد من خلال 395 مؤتمرا ومنتدى اقليمياً ووطنياً. وفي اطار الخدمات العامة التي وفرها برنامج المجتمع المدني فقد استفادت اكثر من 850 منظمة مجتمع مدني من التدريبات والمساعدات المالية باتجاه بناء مهاراتها المعرفية في العمل على محاربة الفساد الاداري اذ قامت الحملة الوطنية بتسخير الاعلام المطبوع”الملصقات الجدارية، الاعلانات، اليافطات، الكراريس، والكتيبات “ ووسائل الاعلام وبرامج واعلانات راديو وتلفزيون ومقالات صحفية اضافة الى نشاطات الفنانين العراقيين سواء مسارح متنقلة ومعارض فنية وعروض ورسوم متحركة، بغية ايصال رسالة الحملة الى ما يزيد على مليون شخص، ثم الاسهام في اكثر من 350 ورشة عمل لايصال التدريبات الى ما يقارب من 5000 مسؤول حكومي وموظف مدني، كذلك القيام بنشاطات مشتركة مع اعضاء البرلمان في كردستان تهدف الى زيادة الوعي ازاء الحاجة لاجراء تعديلات تشريعية لمواجهة الفساد الاداري وصياغة مقترحات اصلاحية عامة. في الوقت الذي شاركت فيه 846 منظمة مجتمع مدني في الجهود التي تم بذلها في مجال التدريب على حشد التأييد للمرأة وتقديم الدعم الفني لها، والقيام بتنفيذ 418 فعالية لنشر وبناء الوعي العام وتعزيز المشاركة الفاعلة والعادلة للمرأة في الشؤون العامة، وقد تم التركيز على المناطق التي تشهد اعمال عنف وصراعات مثل ديالى والانبار وصلاح الدين او في المحافظات التي يغلب عليها الطابع الريفي واقامة اللقاءات التي تتوافر على قدر من المناقشات والجدل في قضايا لها صلة بالمرأة ودورها في المصالحة الوطنية والمشاركة في الحياة المدنية والسياسية اضافة للنتائج التي تمخض عنها المؤتمر الوطني الذي عقد برعاية برنامج المجتمع المدني في مجال حقوق الانسان واستمر ثلاثة ايام واسفر عن ادراج 11 بندا من البنود التي اقترحتها منظمات المجتمع المدني ضمن البنود الاخرى لتعديل الدستور.

المجتمع المدني العراقي: التطلع إلى المستقبل

ومع هذا الاستمرار في النشاطات والفعاليات التي تقيمها منظمات المجتمع المدني في العراق، فالضرورة تستدعي دعمها بقوة من قبل الجهات الحكومية وغيرها وتشجيعها على توسيع برامجها ووضع الآليات التي يمكن من خلالها تحقيق التعاون بينها وبين المؤسسات الحكومية العراقية ومثيلاتها من المنظمات والاتحادات الدولية والاقليمية لاسيما في هذه المرحلة التي تعد مرحلة انتقال الى الديمقراطية والعمل المدني وكذلك لما تتميز به من ظروف اعادة البناء والتأهيل لكثير من مناحي الحياة ومؤسسات الدولة الخدمية والترفيهية والسياحية والثقافية والعلمية وهذا ما يتطلب تعاونا وتنسيقا جديا صادقا بين منظمات المجتمع المدني وبين مجلس النواب والحكومة على قاعدة اقامة علاقات وثيقة وصحية وكفوءة يمكنها ان تؤدي الى ارساء مساحة تعاون بناء وشراكة محتملة، وهذا بحسبي يشكل عملية حيوية لتنمية فهم قوي ومتماسك لتحديث عملية البناء التي يمر بها العراق، كذلك الادراك الواعي لمجمل هذه العملية التي لابد ان تكون شاملة فلا يمكن الفصل بين الاصلاحات السياسية وعملية الاصلاح الاقتصادي - الاجتماعي كما لا يمكن فصل هذه الاصلاحات عن العملية الديمقراطية.ان العلاقة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني يفترض ان تستند الى شرعية تأسيس منظمات المجتمع المدني وضمان استمرار عملها، اضافة الى حريتها واستقلالية عملها، وهذه الشرعية والاستقلالية هي عناصر اساسية ومهمة للمجتمع المدني العراقي ويجب النظر اليها باعتبارها حقوقا طبيعية بينما يجب النظر الى المساءلة والشفافية باعتبارها مسؤولية اساسية يجب الاضطلاع بها من قبل منظمات المجتمع المدني وهي حق طبيعي للدولة في اطار سيادة القانون، كما لمنظمات المجتمع المدني الحق في تملك الاموال المنقولة وغير المنقولة وفي تنمية مواردها المتأتية من الرسوم والتبرعات التي يقدمها اعضاء والجهات المانحة كذلك قبول الهبات والمنح والمساعدات غير المشروطة من اي شخص طبيعي او معنوي، محلي او خارجي، مع ضرورة الاعلان عن مصادر هذا التمويل واوجه انفاقه، فضلا عن شمول المنظمات التي تعمل لصالح المجتمع المدني وتتبنى برامجه ونشر افكاره بالاعفاء الضريبي ومن الرسوم الكمركية وتشجيع المانحين والمتبرعين لها، عبر خصم قيمة ما يتبرعون به من وعائهم الضريبي بنسب مقبولة، اضافة الى حرية العمل والاقرار بحرية تكوين شبكاتها التنظيمية التي تستهدف العمل والبرامج المشتركة بينها وكذلك حرية الانضمام الى الاتحادات النوعية الوطنية والاقليمية والدولية ولا يجوز تقييدها الا لدواعي المصلحة العامة وبحكم قضائي.واخيرا فان الحديث عن استغلال هذه المنظمات كغطاء للنشاطات الارهابية والفساد المالي والارباح الوهمية لا يستثنى من مجمل الواقع العراقي، سواء على صعيد الاجهزة الحكومية او القطاعات المجتمعية الاخرى، وتحجيم هذه الظواهر السلبية يحتاج الى سياسة متوازنة طويلة الامد، تتجه نحو ارساء قواعد القانون واصلاح المؤسسات تلك التي تضطلع بتنفيذ القانون، وتأهيل السلطة القضائية ومؤسسات الرقابة الادارية والمالية، كما يحتاج الامر الى اعادة النظر بمفهوم دور الدولة ومهامها، بعيدا عن مفاهيم الانظمة الشمولية في مصادرة الحريات العامة وانتهاك حقوق الانسان.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabaah