محور موسكو - بكين في طور النشوء

 

تييري وولتون

 

 

تعود بداية الحكاية الى مطلع الثمانينات من القرن الماضي، فيومها، أقر القادة السوفيات والصينيون، كل على حدة، بإفلاس النظام الاشتراكي. ويمّموا شطر الخارج في سبيل انقاذ النظام، وانقاذ أنفسهم معه. وعولت موسكو على مساعدة البلدان العربية، بينما عولت بكين على رساميل الشركات الرأسمالية. واختار الاتحاد السوفياتي الانفتاح السياسي مع «الغلاسنوست» (الجهرية) و «البيريسترويكا» (الهيكلة الاصلاحية)، لعل ذلك يستدرج العواصم الأجنبية الى تقديم دعمها ومساعداتها. وقدمت الصين الشعبية، تحت لواء دينغ هسيار بينغ، الانفتاح الاقتصادي. فأنشأت المناطق الحرة، ودعت المستثمرين الأجانب الى التوظيف فيها. والبقية معروفة فانهار الاتحاد السوفياتي حال تراخي القالب الايديولوجي، بينما ازدهر النظام الشيوعي الصيني، وأوكل البلد الى رأسمالية من غير كابح من غير النزول عن شيء على الصعيد السياسي. وغداة ربع قرن، تبعث ملاحظة التقاء روسيا والصين على نموذجي حكم متقاربين على الدهشة والاستغراب فموسكو لا تزعم انها شيوعية، بينما لم ترجع بكين عن زعمها. والحق أن الأمر ثانوي. فالديانات الزمنية والعلمانية خسرت ألقها. والفرق بين من يزعم ومن ينفي، طفيف.

فما خلا الثوب الايديولوجي، يرعى النظامان السياسيان الاقتصاديان، في عهدة دولة استبدادية (أو كليانية توتاليتارية في حال الصين)، اقتصاداً رأسمالياً يستفيد منه أهل السلطة في البلدين. والنظام الهجين هذا هو، على هذا القدر أو ذاك، ثمرة الخروج من الشيوعية على المنهجين اللذين انتجهما البلدان في نهاية القرن الماضي. ويزعم سفير الصين الشيوعية الى الاتحاد الأوروبي أن الديموقراطية الاشتراكية التي ينتهجها بلده مثالية في بابها: فالحزب الشيوعي يحكم من غير خلاف مع سبع منظمات أخرى يقتسم معها الجمعية الوطنية الشعبية، والتعبير عن ميول الشعب ونزعاته، في ختام انتخابات منصفة يرغب فلاديمير بوتين في الاحتذاء على المثال السياسي هذا. ونتائج الانتخابات التشريعية الروسية الأخيرة قريبة من المثال الصيني: فحزب الرئيس «روسيا الموحدة» فاز بثلثي المقاعد، ويسيطر على السلطة التشريعية، بينما الاحزاب الأخرى تؤدي دور الزينة، ما خلا الحزب الشيوعي، وهو المعارضة المشروعة الأخيرة وعلى هذا، فلا موسكو ولا بكين تحترم التعدد السياسي، وتعمل بموجبه. ويرهص انتخاب ديميتري ميدفيديف، المرشح الرسمي، الى الرئاسة بانتخابات لا تقل اقفالاً عن انتخابات مؤتمر شيوعي صيني الى القيادة العليا وبوتين عازم على استلهام دينغ هسياو بينغ، وحكمه الصين «من وراء الستارة»، على قول الصينيين، من غير تصدر الدولة. وبلغت الحكمة بالزعيم الصيني المسن (والراحل) مبلغ استباق خلافته الى الجيل الخامس من الحكام، وهو الجيل الذي يقدر أن يتولى الحكم في 2012 ولا شك في أن الكرملين يتطلع الى استقرار الحكم والخلافة على هذه الشاكلة. وليس الشبه على الصعيد الاقتصادي أقل وضوحاً وغالباً ما يغفل المراقبون عن أن الدينامية الصينية انما تدين بإنجازاتها الى لجنة الإدارة والإشراف على ممتلكات الدولة («سازاك»). وتسوس هذه 185 شركة تبلغ قيمتها في البورصة 1000 بليون دولار من الاسهم. وهي، على هذا، أضخم «هولدينغ» في العالم. ويتولى لي رونغرونغ، ورتبته رتبة وزير، ادارة اللجنة هذه. ويتولى الكرملين، مباشرة، ادارة عدد من الشركات الروسية الكبيرة: فأحد عشر موظفاً من كبار موظفي الادارة الرئاسية هم على رأس 6 شركات، و12 موظفاً آخر يسهمون في تدبير الشركات هذه، و 15 عضواً في الحكومة يترأسون 6 شركات أخرى، بينما 24 وزيراً، أو في رتبة وزير، هم أعضاء في مجالس ادارة الشركات هذه. وتبلغ حصة الشركات هذه 35 في المئة من الناتج الداخلي الاجمالي الروسي، وقيمتها 350 بليون دولار.

ولا موجب للقول إن من يثري الثراء الفاحش، إن بموسكو أو ببكين، هم أعضاء طبقة كبار الحزبين (والفقاعة العقارية الصينية هي من مظاهر الأمر، فالأرض هي ملكية الحزب - الدولة)، أو متحدرون من أجهزة الاستخبارات الروسية فثروة «الهولدينغ الرئاسي» الروسي، وهو جملة أصدقاء فلاديمير بوتين وزملائه وصنائعه، لا تقل عن 60 بليون دولار، أي نحو 10 في المئة من الناتج الداخلي الاجمالي. فلا عجب ولا غرو اذا سعت العاصمتان في دوام نظامهما المشترك أو الشبيه. ففي كلتا الحالين ينتفع القادة الحكام من رأسمالية ريع، مصدرها في الحال الأولى يد عاملة رخيصة، وفي الأخرى احتياطي مواد أولية كبير وهذا التلاقي بين أكثر البلدان سكاناً في العالم، وأوسع بلدان الكوكب مساحة، يدعو الى الاهتمام واليقظة. ويشفع تكامل الحاجات، الصينية الى المواد الأولية والروسية الى اليد العاملة، بتقاربهما السياسي، ويضمر حكام الكرملين ثأراً من البلدان الغربية التي يحملونها المسؤولية عن سقوط الشيوعية، وتردي مكانة بلدهم الذي تبع السقوط هذا ويخشى قادة المدينة المحظورة (ببكين) أضعف نسمة ديموقراطية تلفح سلطانهم، وعلى هذا، فمحور موسكو - بكين اذا لم يصر بعد حقيقة ثابتة وراسخة، فلا شك في أن العاصمتين تنزعان الى ارسائه في أقرب وقت.