«خريطة طريق» لمواقف المرشحين لدخول البيت الابيض

 

راغدة درغام

 

 

إذا كان الأمن القومي سيسيّر الانتخابات الرئاسية الأميركية، كما يُعتقد، فإن هذه الانتخابات ستكون موضع اهتمام وقلق وترقب بقية العالم، لأن إجراءات ضمان الأمن الوطني الأميركي لن تكون محلية حصراً، بل ستكون عالمية، نظراً إلى نوعية التهديد للأمن الأميركي .في هذه المرحلة من العملية الانتخابية تنصّب الأنظار على عنصر اللون والجنس، لأن مزاحمة السناتور الأميركي - الافريقي باراك أوباما (ايلينوي) للسناتور هيلاري كلينتون (نيويورك)، السيدة الأميركية الأولى سابقاً، إنما تشكل تطوراً تاريخياً رائعاً للولايات المتحدة وللعالم. يزداد الحماس والتشوق لسابقة امرأة أو أسود في البيت الأبيض.

يتكاثر الاندفاع إلى «التغيير» بمعنى إزالة الجمهوريين من الرئاسة للمجيء بالديموقراطيين الى الحكم في السلطة التنفيذية أيضاً، سوية مع حكم الأكثرية الديموقراطية في السلطة التشريعية في الكونغرس. تتعالى أصوات الغضب من تورط الولايات المتحدة في حرب العراق، ويحتقن معها الامتعاض من جورج دبليو بوش وعهده، إنما كل هذا يحدث في فترة لعب السياسة من أجل الفوز بالانتخابات وما يزال بعيداً جداً عن التدقيق في صلب السياسة الاستراتيجية. ولذلك وبعدما تهدأ عاصفة الانتخابات التمهيدية الأولية لا بد أن يتحول الحديث الأميركي من المطالبة بـ «التغيير» الى التدقيق في نوعية التغيير في زمن التحديات الكبرى للأمن القومي الأميركي عندئذ قد يغلب، مثلاً، الارتياح إلى الخبرة والتجربة على التحمس لقيادة جديدة لم تُختبر، لا سيما إذا طرأت أحداث مهمة في أماكن مثل باكستان وأفغانستان أو العراق وإيران، أو إذا وقع إرهاب كبير جديد داخل الولايات المتحدة أو خارجها، إنما قد تأتي، بدلاً، مفاجأة الجيل الجديد والرغبة بقيادة حيوية ومنعشة، لا سيما إذا تدهور الوضع الاقتصادي وبات الاقتصاد هو محرك الانتخابات وليس الأمن القومي الأميركي في كل الأحوال، أن الرئيس الأميركي المقبل لن يكون رئيساً يفرزه الاقتراع داخل الحدود الأميركية فقط، وإنما سيكون رئيساً تساهم في صنعه أحداث تُملى من خارج الولايات المتحدة، ليس فقط على أيدي القوى التقليدية والدول، وإنما أيضاً على أيدي اللاعبين غير الحكوميين من ميليشيات وكذلك حركات الإرهاب الاقليمية والعالمية.

يمكن القول اليوم إن جورج دبليو بوش نجح حقاً في تنفيذ أساس سياسته الاستراتيجية لضمان حماية الأمن القومي الأميركي، أي إبعاد أي هجمات إرهابية عن المدن الأميركية، بحسب تعبيره. فهو برّر حرب العراق على أنها من أجل نقل المعركة على الإرهاب بعيداً عن الأرض الأميركية. وبما أن الولايات المتحدة لم تتعرض لأي هجمات إرهابية منذ حرب العراق، في إمكان بوش أن يزعم صحة سياسته.

هذا لن يؤدي تلقائياً بالناخب الأميركي الغاضب من حرب العراق إلى احتضان مفاجئ لـ «انجازات» الرئيس المكروه لدى نصف الأميركيين لمجرد أنه قادر على أن يزعم أن هذه انجازاته. فالنقاش يحتد في هذا الصدد، ولن يتمكن أي من الطرفين من الاثبات، ببراهين، أن حماية الأراضي الأميركية من الإرهاب جاءت نتيجة الدعوة التي وجهها بوش إلى «القاعدة» وأمثالها بالتفضل إلى المعركة في العراق، ففعلت. إنما منطقياً، وبغض النظر عن «أخلاقية» استخدام العراق وشعبه كساحة حرب بديلة عن المدن الأميركية من أجل خوض الحرب الأميركية على الإرهاب، لم تقع هجمات إرهابية على المدن الأميركية منذ حرب العراق. ومن هذه الناحية المحصورة، يمكن لبوش القول إنه نجح في ضمان الأمن القومي الأميركي داخل الحدود الأميركية. وهذا يشكل أرضية مفيدة لمن هو أقرب إلى سياسة بوش في العراق، أي السناتور جون مكاين (اريزونا).جون مكاين (71 سنة) حارب خدمة لبلاده في فيتنام وعانى التعذيب وخاض أكثر من معركة من اجل البيت الأبيض ضد جورج دبليو بوش نفسه. صوّت عام 2002 مع قرار غزو العراق، ودعم تعزيز أعداد القوات الأميركية أخيراً، معارضاً التقهقر استسلاماً أو انهزاماً من العراق، وهو يعارض فكرة وضع برنامج زمني للانسحاب من العراق وبالنسبة إلى إيران، مكاين يؤيد التحالف مع أوروبا لفرض عقوبات اقتصادية وديبلوماسية على ايران. وهو يقول إنه ليست هناك ديبلوماسية غير مشروطة، وإن الخيار العسكري يجب أن يبقى على الطاولة مع إيران. إنه يصر على النجاح في العراق وعلى عدم الخضوع لإيران، وهو يشير إلى حروب إيران، بالنيابة، مع الولايات المتحدة في العراق، ويصر على أن الملالي في إيران لم يدفعوا ثمن احباط المساعي والجهود الأميركية.

مكاين يرفض اعفاء إيران وسورية من مسؤولية تقويض السيادة اللبنانية وتسليح «حزب الله» وغيره من الميليشيات ضد الدولة اللبنانية. إنه ينطلق من ضرورة عدم الافلات من العقاب لمن يتبنى الاغتيالات السياسية وسيلة للتدخل في شؤون الدول الأخرى. وهو يحمّل ايران مسؤولية تمويل حركة «حماس» الفلسطينية و «حزب الله» اللبناني وتوفير السلاح إليه عن طريق سورية، ويطالب كلاً من طهران ودمشق بالتوقف الفوري عن التدخل في الشأنين اللبناني والفلسطيني. يدعم قيام دولة فلسطينية، ويؤكد على أن لا حل سوى «الحل السياسي». وهو حازم جداً في تعهده بمحاربة الإرهاب بكل اشكاله من أينما أتى وفي اي وقت.

كل هذه المواقف تجعله أقرب إلى «الاستمرارية» لسياسة جورج دبليو بوش وعهده. فإذا استمرت سياسة تعزيز أعداد القوات الأميركية في العراق بحصد النجاح، وإذا استمرت المدن الأميركية تنعم بالهدوء وعدم التعرض للإرهاب، وإذا نجحت سياسة بوش نحو إيران في اقناعها بالالتفاف على سياساتها الاستفزازية أو إذا تصدى لها، كل هذا سيعزّز حظوظ جون مكاين كـ «مرشح الأمن القومي» الأميركي الجدي.جميع المرشحين الديموقراطيين يعارضون جذرياً سياسات جورج دبليو بوش، إذ أنهم يتبنون أساساً رئيسياً «تقرير كل من جيمس بيكر ولي هاملتون اللذين دعيا إلى الانخراط في الحديث والتحاور والتفاوض بلا شروط مسبقة مع إيران وسورية من أجل تسهيل الخروج الأميركي من العراق. معظم هؤلاء المرشحين يريد برنامجاً زمنياً للانسحاب وبأسرع ما يمكن، ومعظمهم يود إزالة الخيار العسكري عن الطاولة في التعاطي مع إيران. وبعضهم، مثل باراك أوباما، يريد اليوم العودة إلى استكمال الحرب ضد «القاعدة» في أفغانستان ويأخذ ذلك كهدف ووسيلة من أجل الخروج من مستنقع العراق.هيلاري كلينتون تختلف عن باراك أوباما، لكنها تبقى في الإطار وتحت تأثير مبادئ بيكر - هاملتون التي تعجب الديموقراطيين كثيراً. صوّتت مع غزو العراق عام 2002، وهي الآن تعارض الحرب، وتقول إنها لو كانت تعرف حينذاك ما تعرفه الآن لما صوّتت مع حرب العراق. تريد الآن انسحاباً تدريجياً يبدأ في غضون 60 يوماً من دخولها البيت الأبيض، وترمي إلى الانسحاب التام عام 2013.أوباما، من جهته، عارض الحرب على العراق منذ البداية، وعارض استمرارية تعزيز أعداد القوات التي أثبتت النجاح، ويريد سحب كتيبة أو اثنتين شهرياً بهدف اتمام الانسحاب في غضون 16 شهراً من توليه الرئاسة.

بالنسبة إلى إيران، هيلاري تريد الديبلوماسية المباشرة وغير المشروطة مع إيران، لكنها غير مستعدة للاجتماع مع الرئيس محمود أحمدي نجاد. تدعم استراتيجية العقوبات الاقتصادية. تريد للخيار العسكري أن يبقى على الطاولة، لكنها لن تلجأ إليه من دون موافقة الكونغرس أما أوباما، فإنه يريد الديبلوماسية المباشرة ويدعم تعزيز العقوبات. إنه على استعداد للاجتماع بالرئيس الإيراني من دون أي شروط مسبقة، وهو يريد ازالة الخيار العسكري عن الطاولة.

البعض يعتبر أوباما «يسارياً جداً»، لكن «ذكاءه وصدقه» يجعلانه محبوباً إلى جانب «نظافته» مقارنة مع «الكلينتونيين»، بحسب أحد الذين يعرفون عن كثب هيلاري كلينتون وزوجها الرئيس السابق بيل كلينتون. هذا البعض يريد «التغيير» ليس فقط عن حكم الجمهوريين، وبالذات عائلة بوش، وإنما يريد أيضاً «التغيير» عن حكم الديموقراطيين، كما مارسته عائلة كلينتون.يقول أحد هؤلاء إن التحدي الأكبر للأمن القومي الأميركي سيكون في مزاحمة الصين للولايات المتحدة على الاستفراد بمرتبة الدولة العظمى في القرن الواحد والعشرين، شرط أن تتمكن الصين من انشاء طبقة وسطى حقيقية وبسرعة.أما إيران فإنها ستصبح صديقاً للولايات المتحدة في السنتين المقبلتين، بعدما يتخلص الملالي من أحمدي نجاد، بحسب هذا الرأي. وبالتالي، إن نوعية التحدي للأمن القومي ستكون جديدة نوعياً وتتطلب قيادة شابة ومختلفة عن المعتاد. الذين يدعمون باراك أوباما، عامة، يدعمونه لأنه مختلف عن جورج دبليو بوش، لكن هناك من يدعمه، لأنه يجده مشابهاً لبوش من حيث تفكيره بمكان ومكانة الولايات المتحدة عالمياً. هناك مَن يعتبر أوباما وسيلة خلاص الحزب الديموقراطي من المعهود ويشجع على القبول بجيل القيادة الجديدة بدلاً من النظر إلى المرشح الديموقراطي من زاوية أنه أسود اللون أو امرأة.

المرشح الديموقراطي عام 1984 للرئاسة غاري هارت كتب في «هافنغتون بوست» أن «هذا ليس وقع وضع الجنس أو العرق قبل البلد»، مشيراً إلى التحديات الكبرى أمام الولايات المتحدة: الديون الضخمة والعجز في الموازنة وانحطاط الجهاز التعليمي والفساد في العناية الصحية وانحسار التقدير العالمي للدولة العظمى الوحيدة في العالم. وهو يقول: «فقط إن الجيل الجديد من القادة وحده يمكنه مواجهة هذه التحديات الجديدة، ذلك لأن القيادة الجديدة وحدها هي المتحررة من السياسات القديمة والالتزامات القديمة والترتيبات والصفقات القديمة والصداقات القديمة».الكلام موجه إلى «الكلينتونيين» بقدر ما هو موجه الى «البوشيين»، إنما واضح أن هناك داخل المؤسسة الديموقراطية مَن لا يوافق ولذلك يدعم هيلاري. جزء من هذا المعسكر يحلم بعودة الرخاء الاقتصادي في التسعينات، وجزء منه هن النساء اللواتي أفقن صباح الثلثاء في نيوهامبشير وقررن أنهن غير راغبات بقطع الطريق على امرأة في البيت الأبيض. أقله ليس في مطلع الطريق. ثم هناك المؤسسة العسكرية التي تثق بهيلاري وتحترمها وتجدها واعية ومتفهمة وجاهزة لمتطلبات الأمن القومي، ترافقها خبرة رئيس سابق إلى جانبها.

من المبكر جداً التنبؤ بمَن سيحصل على الترشيح الديموقراطي أو الترشيح الجمهوري. ومن المبكر الاستبعاد التام لكثير من المرشحين، بالذات من الجمهوريين. منطقياً، وفي هذا المنعطف، تبدو المعركة الديموقراطية محسومة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما.يبدو المرشح الجمهوري رودي جولياني أكثر الجمهوريين تطرفاً وخطورة وخطراً، إذ أنه جاهز للغزو والعمل العسكري، ويكن الكراهية الشديدة للفلسطينيين بسبب تطرفه الأعمى لإسرائيل.يبدو ميت رومني رجل أعمال بلا تجربة وخبرة في السياسات الكبرى ومتقلباً في مواقفه من القضايا الاجتماعية. ويبدو مايكل هاكابي «طابة التدمير» التي ستدمر المرشحين الآخرين، بحسب تعبير أحد كبار الحزب الجمهوري. ففي رأيه أن هاكابي دمر رومني في التقوقع في أيوا، وسيدمر فرد تومبسون في ساوث كارولينا، وسيدمر جولياني في فلوريدا وهذا تماماً ما يتمناه مكاين.

هاكابي «الرجل المدمِّر»، معروف أيضاً لدى أوساط في الحزب الجمهوري بأنه «مجنون اليمين». إنما إذا تمكن من التحرر حقاً وفعلاً من هذا الانطباع، قد يكون هاكابي المرشح لمنصب نائب الرئيس الى جانب مكاين. بين ما يراهن عليه بعض الجمهوريين في سعيهم وراء البيت الأبيض، أمران: أخطاء الديموقرطيين في الكونغرس، وخوف الأميركيين من وضع الولايات المتحدة في أيدي حزب واحد في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

أحد كبار الحزب الجمهوري يقول إن «هذه انتخابات الأمن القومي» الأولى منذ عام 1988، أي منذ انتهاء الحرب الباردة. وفي رأيه أن الناخب الأميركي سيتجه إلى الاقتراع وفي ذهنه الأمن الوطني ولذلك، ما سيحدث في العراق وسورية وإيران ولبنان وأفغانستان وباكستان سيساهم في انتخاب الرئيس الأميركي المقبل أما الرهان على السياسة الاستراتيجية للمرشحين، فإنه سابق لأوانه، إذ أن هذه مرحلة صنع الرئاسة وليست مرحلة صنع السياسات فالتفاصيل قد تختلف اختلافاً كبيراً الآن. أما إذا تعلق الأمر بتهديد الأمن القومي الأميركي، فالأرجح أن تزول الخلافات بما يدهش المراقبين والمساهمين في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-11-1-2008