خلافات علمية في مواقف المرشحين للرئاسة الأميركية أبرزها الاحتباس الحراري والطاقة والتطوّر وخلايا المنشأ

 

 

كلينتون: البيئة أولاً ثم الاستثمار في الصحة 

يصلح الموقفان المتعاكسان للحزبين الديموقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة من ظاهرة الاحتباس الحراري الناجمة عن تراكم غازات التلوّث التي تنبعث من حرق الوقود الاحفوري (النفط والغاز والفحم الحجري)، نموذجاً للتداخل بين العلم والسياسة في بلاد «العم سام». ولعل اللحظة التي كثّفته بقوة تمثّلت في مسارعة الرئيس جورج بوش، المنتخب حديثاً في عام 2001، الى سحب توقيع بلاده عن معاهدة «كيوتو» (1997)، التي لم تر النور أصلاً إلا بفضل جهود هائلة بذلها سلفه الرئيس الديموقراطي بيل كلينتون ونائبه آل غور ويرجح بعض الخبراء في الولايات المتحدة، خصوصاً أولئك الذين استكتبتهم «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم» أخيراً، أن تستمر البيئة في تصدر قائمة الخلاف في المجال العلمي بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري. ووضعت الجمعية آراء أولئك الخبراء على موقعها الالكترونية، وجمعتها في قسم خصّصته لسبر غور التفاوت في الموقف من العلم بين المرشحين للانتخابات الأميركية، التي انطلقت حملاتها أخيراً، وخصوصاً بعد الانتخابات الحزبية التمهيدية في ولايتي «أيوا» و «نيوهامبشاير». واشار هؤلاء عموماً إلى الدور المهم الذي يضطلع به آل غور في تحفيز اهتمام الحزب الديموقراطي بالبيئة وشؤونها، والتي تتصل مباشرة بعناوين مثل الطاقة وبدائلها، واعتماد أميركا على النفط المستورد، وأسعار البترول واثرها في قيمة العملة الأميركية ومستوى فائدتها والنمو الاقتصادي وغيرها. وتعزّز دور آل غور بعد منحه جائزة نوبل للسلام في خريف العام 2007 بسبب جهوده المستمرة في حماية البيئة وفي موقف نموذجي، حضر آل غور أعمال مؤتمر «بالي» الدولي (بين 3 و15 كانون الأول- ديسمبر الفائت)، الذي خصّصته الأمم المتحدة للتوصل الى اتفاق دولي حول ظاهرة الاحتباس الحراري المرتبطة بتلوث البيئة. وقبل اختتام أعمال المؤتمر، تشدّد الوفد الأميركي الرسمي في الدفاع عن موقف إدارة بوش، التي دأبت على الانفراد بموقف يرفض الاعتراف بظاهرة الاحتباس الحراري وبعلاقتها بغازات التلوّث. وانبرى آل غور ليساهم في الجهود الدولية التي بذلت لتليين ذلك الموقف. ولم يتردد في قول أشياء مثل: «أشعر بالخجل لأن بلادي هي الملوّث الأول للغلاف الجوي». وفي اللحظة الأخيرة، أظهر الوفد الرسمي الأميركي بعض الليونة، ما حفظ المؤتمر من الفشل. وأقرّ الوفد، ومن ورائه الإدارة الجمهورية، بظاهرة الاحتباس الحراري، خصوصاً أن علماء أميركا (ونظراءهم عالمياً) ساهموا في صوغ تقرير «اللجنة الدولية الحكومية لتقويم المناخ» التي حسمت علمياً في شأن تلك الظاهرة وعلاقاتها بمستويات الغازات المنبعثة من إحراق الوقود الاحفوري. ووصف كثير من خبراء «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم» ذلك التراجع بأنه محدود وغير كاف، وبدا أقرب الى المناورة السياسية التي ترمي الى تخفيف الضغوط على الحزب الجمهوري في موضوع البيئة، الذي باتت نقطة ضعف أساسية في سياساته. ويزيد في حدّة الأمر أن رفض إدارة جورج بوش الاقرار بترابط ظاهرتي التلوث والاحتباس الحراري، هو صدى لموقف شركات النفط في هذا المجال. ويفتح ذلك باباً لربط الأمر بمسائل أكثر حساسية في السياسة، خصوصاً مع تزايد الأصوات الأميركية التي تربط حرب أميركا في العراق بالنفط وشركاته، مع إشارة خاصة إلى العلاقة المميزة المعروفة لنائب الرئيس ديك تشيني مع شركة «هاليبرتون» النفطية العملاقة التي تهيمن على كثير من مشاريع نفط العراق راهناً.

مواقف المرشحين

ماكين يؤيد التمويل الحكومي لبحوث البيولوجيا المتطورة 

تعطي البيئة نموذجاً قوياً من التداخل بين العلم والاقتصاد والسياسة. والحق أن المواجهة في المواضيع العلمية بين الحزبين الرئيسيين في أميركا تمتد عبر أكثر من جبهة. ويدافع الديموقراطيون عموماً عن حق المرأة في الاجهاض رافعين شعار «الحق في الاختيار»، في ما يعارض الجمهوريون الأمر عينه تحت شعار «الحق في الحياة». ويتوقع أن ترتفع حدّة هذه المسألة مع صعود المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون في مواجهة أشخاص شديدي التزمت في مسألة الاجهاض مثل جون ماكين والقس المسيحي المحافظ مايك هوكابي. ويؤيد الحزب الديموقراطي تمويلاً حكومياً واسعاً لأبحاث خلايا المنشأ، ويعرف عن الجمهوريين معارضتهم هذا الأمر كما ظهر في المعارضة المستمرة للرئيس جورج بوش لمثل هذا التمويل خلال ولايتيه المتصلتين وفي عهد سابقه الديموقراطي بيل كلينتون، أُغدق الدعم على «وكالة الفضاء والطيران» («ناسا») ما مكّنها من المضي في مجموعة من المشاريع العلمية الأساسية في مجالات مثل «بيولوجيا الفضاء» ومشروع «الأصول» («أوريجنز») لسبر ماضي التشكّل الكوني وتوسيع المشاركة في «محطة الفضاء الدولية» وغيرها. وشهدت الوكالة تقلصاً في موازنتها في عهدي الرئيس جورج بوش، مع توجيهها للعمل على مشاريع ذات فائدة مباشرة أو شبه مباشرة، بما فيها العسكرية والاستراتيجية. ولم تنفع خطة بوش للفضاء، التي أعلنت قبل 3 سنوات، في إحداث تغيير جذري في هذه الصورة. وأخيراً، أطلق الحزب الجمهوري حملة قوية، منذ دخول بوش الى البيت الأبيض، ضد نظرية التطور وسعوا إلى وقف تعليمها أميركياً في المراحل الاعدادية والثانوية. ويعاكس هذا الموقف الميل المعروف للحزب الديموقراطي في تأييد تلك النظرية، باعتبارها تفسيراً غير مكتمل يستند الى العلم ومعطياته. وزاد التوتر بين الفريقين مع تأييد الإدارة الجمهورية، وخصوصاً حلفاءها من «المسيحيين المحافظين» لتدريس نظرية «الخلقية» التي تتبنى كلياً رواية النص التوراتي عن الكون والانسان وإضافة الى تلك الخطوط العامة التي تفصل علمياً بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري، يمتلك المرشحون للرئاسة مواقف خاصة في مواضيع علمية شتى.

وتلخص الكلمة التي ألقتها المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون لمناسبة مرور نصف قرن على إطلاق القمر الاصطناعي الأول «سبوتنك» مواقفها علمياً. وتدعو فيها الى التوظيف بكثافة في المجالات العلمية، على غرار ما حدث في أميركا لمواجهة التحدي الذي مثّله «سبوتنك» وتدعو، مثلاً، الى ضخّ خمسين بليون دولار للبحوث في مجال الطاقة النظيفة، إضافة الى إنشاء مجلس متخصص بها، وذلك لدعم البيئة ولانهاء الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للطاقة وترى فيهما محاولة لخفض انبعاث غازات التلوث أميركياً بنسبة 80 في المئة مع حلول عام 2050، كما يضمنان توليد 5 ملايين وظيفة جديدة في مجال الطاقة النظيفة. وتصف ذلك بأنه «رد على هجوم جورج بوش على العلم»، في الاشارة الى موقف إدارته من مواضيع البيئة والتلوث. وفي خطابها في جامعة «كارنجي ميلون» أخيراً، وعدت أيضاً بـ «وقف التدخل السياسي في نشر استنتاجات اللجان العلمية للبيت الأبيض... والحدّ من التعيينات المستندة الى السياسة في المراكز العلمية». كما تدعو الى مضاعفة موازنة «معاهد الصحة الأميركية» (30 بليون دولار)، وتعتقد بوجوب ضخ أموال تكفل استمرار وكالة «ناسا» في بناء مكوكات الفضاء، مع الاستمرار في مشاريع بناء أنواع جديدة من المركبات وإضافة الى ما يندرج في الإطار العام للحزب الديموقراطي، يؤثر عن المرشح باراك أوباما تكراره القول بضرورة جعل العلم ومعطياته أساساً في القرارات السياسية. وشارك في لجان الكونغرس العلمية وترأسها غير مرة. ويعتقد بوجوب مضاعفة الموازنة المخصصة للأبحاث الأساسية، وتلك المخصصة أيضاً لنشر الانترنت بين فئات الشعب الأميركي كافة. ويدعو الى إنفاق 18 بليون دولار على التعليم في مراحل ما قبل الجامعة، ولجذب شباب الأقليات لدخول كليات الهندسة والعلوم. والمفارقة أنه يدعو الى إبطاء برامج استكشاف المريخ وارسال البشر مُجدداً الى القمر، وهي المشاريع الكفيلة بتشغيل آلاف المهندسين والعلماء! ويؤيد سعي كلينتون الى خفض نسبة انبعاث غازات التلوث أميركياً بنسبة 80 في المئة مع حلول عام 2050، كما يدعو الى استثمار 150 بليون دولار في مجال الوقود الحيوي. وبعد انتخابه في الكونغرس عام 2004، أيّد أوباما مشروعاً لتحويل الفحم الحجري الى وقود سائل، وسرعان ما غيّر مواقفه بعد أن نصحه اختصاصيو البيئة بعدم جدوى هذه الطريقة في حماية البيئة. ويرى فرانك أودونل، وهو اختصاصي في البيئة يعمل في «مجموعة مراقبة نظافة الهواء» أن التقلّب في مواقف أوباما ناجم عن قلّة خبرته سياسياً ويشتهر القس المعمداني مايك هوكابي بمعارضته القوية لتدريس نظرية التطور التي ظهرت منذ القرن التاسع عشر مع تشارلز داروين، ثم طوّرها العلماء تدريجياً. ويدعو بقوة الى وقف تدريس كل ما يتصل بها في المدارس والثانويات الأميركية. ويعارض بحوث خلايا المنشأ بشدّة، ويدعو الى توزيع ملصقات كبيرة تحمل الوصايا العشر على مدارس الولايات المتحدة. ويُظهر اهتماماً كبيراً بتدعيم البنى التحتية للتعليم، ولاعطاء فرص أكبر لأبناء الاقليات والمهاجرين الجدد، ويميل الى تأييد نشر فكرة «الحياة الصحية» كوسيلة لتحسين الوضع الصحي للمواطنين. وتتطابق مواقفه في البيئة مع تلك التي تبناها جورج بوش الأب ثم الابن، ما يتناقض بقوة مع مواقف أنداده في الحزب الديموقراطي ويتميّز المرشح الجمهوري البارز جون ماكين بموقفه حيال البيئة. ويرى الطيّار السابق في الاسطول «ان ظاهرة الاحتباس الحراري تمثّل التحدي الأكبر للانسانية». ويضعها على قدم المساواة مع الحرب على العراق والموقف من المهاجرين، باعتبارها «ثالوثاً أساسياً» في حملته للفوز بالرئاسة الأميركية. ويصفه الاختصاصي البيئي تيموثي بروفيتا بأنه «عضو الكونغرس الأكثر دراية بشؤون البيئة».

ولم يتردّد في التصادم مع مواقف إدارة بوش في هذا الخصوص. ووجه نقداً صارماً إلى مستشار البيت الأبيض في شؤون البيئة ولإدارة «معهد بحوث المحيطات والغلاف الجوي»؛ متهماً أياهما بالتقصير في بذل الجهود العلمية الكافية في مسألة البيئة ويعارض التجارب التي قد تتضمن عمليات تؤدي الى استنتساخ بشر، لكنه يؤيد التوسّع في البحوث المتصلة بخلايا المنشأ الى حدّ أنه وقع عريضة طالبت بوش بتغيير موقفه حيال التمويل الحكومي لتلك البحوث. ويؤيد خفض تكاليف استعمال الانترنت، ويدعو الى دعم الجهود الرامية لتحويل الفضاء الافتراضي للشبكة العنكبوتية الى مساحة لدعم حرية التعبير عن الرأي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-11-1-2008