انتصار الأسواق على الديمقراطية في روسيا

 

كوانتين بيل

 

مقدمة

22 عاماً من رحلة روسيا من أفكار جورباتشوف الغامضة إلى ديكتاتورية بوتين ما بعد الثورة

امتطى سكان روسيا على مدار عقدين من الزمان اللعبة الأفعوانية الثورية. وبدت الرحلة غير مريحة، متأرجحةً بين الأمل والفزع، ولكنها أقامت جسراً بين نهاية الشيوعية، وبزوغ شكل فج من أشكال الرأسمالية لم تنته الرحلة بعد، حتى وإن بدا أن فلاديمير بوتين، الجاسوس السابق والبيروقراطي الماكر أعاد فرض النظام بأمر من الكرملين مؤقتاً. فعقب فوضى حكم ميخائيل جورباتشوف الذي تسبب في انهيار الاتحاد السوفياتي بصورة محتومة من خلال محاولته إصلاحه، وفوضى بوريس يلتسين، الذي حمل سوط الجلاد دون أن يأخذ العواقب في الحسبان، أصبح نظام حكم الرئيس بوتين ملاذ راحة للعديد من الروس وهو يمثل بالنسبة للعالم الخارجي مزيجاً خطراً من حكم الفرد والقومية. ويعود الثناء في قدرته على تحقيق استقرار الاقتصاد إلى الثروة التي جلبها سعر النفط المحلّق في الأفق، والحس بالحفاظ على السيطرة المحكمة على الإنفاق. وأعاد فرض السيطرة المركزية، وأحيا الملكية العامة من جديد للنفط والغاز، ووظف عشرات من رفقائه من لجنة أمن الدولة والمخابرات، الخدمات الأمنية الفيدرالية السابقة وخليفته كقوة للأمن الحكومي، في مناصب عمل مجدية. وعلى الرغم من ذلك، يجد أنديرس أسلوند، وهو الخبير الاقتصادي السويدي، والمؤلف الذي انخرط بصورة وطيدة في تحوّل روسيا منذ أوائل 1980، توتراً في قلب نظام بوتين: أصبحت روسيا اقتصاد سوق، ولكن ليست ديمقراطية

بشكلٍ ما أو بآخر، فإن أسلوند متفائل عنيد. وكان عليه أن يكون كذلك ليبقى منخرطاً بالأمر حتى فترة طويلة، حيث كان دبلوماسياً في موسكو في منتصف الثمانينيات، حين تسلّم جورباتشوف السلطة. وعاد مجدداً كمستشار اقتصادي مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 لحكومة يلتسين المكونة من الإصلاحيين. وأخيراً أشار على حكومات أوكرانيا، وقيرغيزستان بالتحوّل من الشيوعية إلى الرأسمالية منذ شهر كانون الأول (ديسمبر) عام 1991، عمل في مقر الحزب الشيوعي القديم مع جيفري زاكس، الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد، على الإصلاح الاقتصادي الراديكالي. وكانت اللحظة المحورية فيما يصفه بالثورة الرأسمالية الروسية، حين استقال جورباتشوف، وانهار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وكذلك الهيكل المؤسسي للنظام الشيوعي. وكما يقول: "كان جورباتشوف مصلحاً ليبرالياً، حيث أطلق العنان للثورة دون قصد". "كان يلتسين البطل الثوري الذي لم يكن يعلم ماذا عليه أن يفعل عقب الثورة، وأصبح بوتين ديكتاتور ما بعد الثورة، كنابليون أو ستالين، حيث دمج قوته بالحكم الفاشستي في الوقت الذي تعب فيه الناس من السياسة".

بتحليل 22 عاماً منذ ارتقاء جورباتشوف كزعيم للحزب الشيوعي إلى إعادة فرض بوتين للقوة المركزية، يسعى أسلوند إلى توضيح دواعي نجاح الإصلاح الاقتصادي، وفشل الديمقراطية يشير أسلوند إلى أن نظام الانفتاح الاقتصادي والسياسي في روسيا لجورباتشوف، ومحاولته الفاشلة في الإصلاح الاقتصادي التدريجي، أديا به للتوصل إلى النتيجة بأن التغيّر السياسي فقط يمكن أن ينقذ الاتحاد السوفيتي. "كان جورباتشوف رجلاً حسناً، وأراد أن يفعل خيراً"، كما يقول، "ولكن أفكاره كانت غامضة إلى حدٍ بعيد" على خلاف جورباتشوف، فإن يلتسين كان "مستعداً للتفكير والقيام بما لا يخطر على البال". وفاز بالشرعية الديمقراطية بفوزه بالانتخابات. وعلى الرغم من ذلك، فحين حاز السلطة، قام بتأجيل الإصلاح السياسي لصالح الثورة الاقتصادية، وكان ذلك تردداً مصيرياً. ووضع علاج الصدمة الاقتصادية، الليبرالية السعرية والتخفيضات الوحشية في أذرع الإنفاق، ومن ثم الخصخصة الضخمة، كأسس اقتصاد السوق الحالية. ولكن الديمقراطية لم تتعاف قط.

مثل جورباتشوف، لم يكن يلتسين يعلم ماذا كان يفعل، كما يقول أسلوند. حيث كان ممزقاً بين المصلحين اليافعين، إيجور جايدار، وأناتولي شوبايس، مخطط مشروع الخصخصة، وشركائه في الشرب الأكثر تحفظاً، مثل ألكسندر كورزهاكوف، حارسه الشخصي، وميخائيل بارسوكوف، رئيس الخدمات الأمنية الفيدرالية الروسية ويقول أسلوند إن الديمقراطية فشلت لأنه "لم يتم طرح أفكار واضحة حول كيفية تشكيلها" وكان الروس متشككين في الأيديولوجية والأحزاب السياسية عقب 70 عاماً من الشيوعية. ولم يكن يوجد لدى العالم الخارجي نموذج يبيّن كيفية التحوّل.

يلوم أسلوند الغرب في عدم مساعدة روسيا عام 1992 حين انهار الاقتصاد، ولكنه فشل في التأكيد على غلطة يلتسين الخطرة بتفويته فرصة القضاء على هيئة أمن الدولة والمخابرات عقب الانقلاب المخفق على جورباتشوف في شهر آب (أغسطس) عام 1991 ويُعتبر بوتين أحد مخلوقات هيئة أمن الدولة والمخابرات من حيث لغته، فكره وأساليبه وطالما أنها قائمة، كما تُدعى اليوم الخدمات الأمنية الفيدرالية الروسية، فستظل الديمقراطية خدعة زائفة ولكن رأسمالية النهب مقبولة بالكامل بالنسبة للـ "سيلوفيكيين"، رفقاء بوتين القدماء من هيئة أمن الدولة والمخابرات الذين دفعوا بمرافقهم أعضاء حكم القلة في عهد يلتسين ليثروا أنفسهم ويُعد أسلوند متشائماً فيما يتعلق بنظام حكم بوتين، ولكنه أكثر إيجابية حيال الاقتصاد، بشرط ألا يعمل الكرملين على سحق القطاع الخاص المولّد للثروة. وهو يؤمن بأن "روسيا مع مرور الوقت ستتخلص من نيرها الفاشستي، وستنضج كدولة ديمقراطية" إنه فعلاً متفائل للغاية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-6-1-2008