الأساطير الانتخابية في الولايات المتحدة

 

برايان كابلان

 

 

نحن لم نصل بعد إلى انتخابات ولاية ''نيوهامبشاير''، غير أن ملايين الأميركيين قد ملوا سلفاً مجرد السماع عن سباق 2008 الانتخابي؛ ولعل الأكثر سوءاً من الأخبار التي ترد عن هذا السباق، تكرار مجموعــة من الأساطير حــول الناخبين وعمليــة الاقتراع هنــا في أميركا.

أولى هذه الأساطير، أن الناخبين يصوتون وفقاً لمصالحهم، وفي واقع الحال، فلا تكاد أدنى شعرة من العلاقة تربط بين الانتماء للحزب ودخل الأفراد، والحقيقة أيضاً أن أميركا ليست دولة تنقسم إلى فقراء يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي، وأغنياء يصوتون لصالح الحزب الجمهوري.

ثانيتها: يكمن الحل لمشكلاتنا في التصويت غير القائم على الدوافع الذاتية الأنانية؛ ومصدر هذه الأسطورة أننا كثيراً ما نُرجع المشكلات السياسية التي تواجهها بلادنا، إلى أنانية مواطنينا وقادتنا وعليه فإن كل المطلوب هو أن يضحي الأفراد بمصالحهم الذاتية، حتى تختفي كل المشكلات، أما الحقيقة فهي أنه لا يمكن تحميل الأنانية وحدها وزر كل المشكلات السياسية هذه؛ فالناخبون الأميركيون تفرق بينهم الانتماءات الدينية والأيديولوجية، وهذا ما يجعل من الصعب جداً تقصي خلافاتنا السياسية المريرة؛ وحتى في حال وضع الناخبين الأميركيين لخلافاتهم الدينية والأيديولوجية جانباً، فإن من شأن الاقتراع غير الأناني، أن يكون خطراً كبيراً بحد ذاته. وما يؤيد هذا أنه وعند عجز المجتمعات عن تحسين أحوالها، فإن على الأرجح أن تثمر نواياهم عن عواقب أكثر سوءاً.

ثالثة تلك الأساطير، هي تحقيق التوازن المطلوب بين أخطاء الناخبين. والفكرة هنا أنه ليس للناخب البسيط العادي، ما يكفي من المعرفة بالسياسات الاقتصادية والخارجية، كما يفتقر البعض إلى الثقافة التي تمكنه من إدراك مدى الفوائد التي تعود بها سياسات ضريبة الكربون أو المضار الواقعة عليه من حرب العراق... إلى آخره لكن وفي المقابل، فإن هناك من الناخبين من لهم القدرة على موازنة هذه الأخطاء بوعيهم ومعرفتهم. أما الحقيقة فهي أن غالبية الناخبين يرتكبون ذات الأخطاء تقريباً عند إدلائهم بأصواتهم في الانتخابات العامة ويصدق هذا على المجال الاقتصادي بصفة خاصة فما لم يكن أحد الناخبين دارساً للاقتصاد، فإن على الأرجح أن يكون أكثر ميلاً لحماية الاقتصاد القومي، خلافاً للدارس الذي يرجح تحبيذه لحرية التجارة ودفاعه عنها أما الأسطورة الرابعة، فتتلخص في القول إن كل الخلاف السياسي الأميركي يدور حول القيم ولا شيء غيرها، ومن دون إنكار ما للقيم من أهمية كبيرة في حياة المجتمعاتِ، فإنه لا بد من تأكيد أهمية الحقائق في ذات الوقت؛ والحقيقة أن لكلا الحزبين، وجهات نظر جد متعارضة في كل قضية من القضايا السياسية المثارة. فعلى سبيل المثال، أظهر استطلاع عام للرأي أجرته مؤسسة ''هاريس'' قبل انتخابات عام ،2004 أن نسبة 58 بالمائة كانت تؤيد اتهامات بوش للعراق بتطوير أسلحة الدمار الشامل قبل الغزو، في حين لم تؤيد مواقف منافسه الديمقراطي ''جون كيري''، سوى نسبة 16 في المائة فحسب، ودعمته في معارضته للغزو!

بهذا نصل إلى الأسطورة الخامسة القائلة إن الناخبين يريدون تغييراً حقيقياً، وهذه هي الأسطورة التي يعشق الترويج لها الخبراء والمحللون بصفة خاصة؛. أما الحقيقة، فهي أن غالبية الناخبين يفضلون أن تبقى الأشياء كما هي، وفق ما تؤكده العديد من استطلاعات الرأي العام. فعلى سبيل المثال، يرغب معظم الأميركيين في حدوث تغيير في السياسات العراقية المطبقة حالياً، خاصة وأن نسبة 60 في المائة منهم تعتقد أن حرب العراق كانت خطأً منذ البداية ولكن الذي يحدث عملياً في نهاية الأمر، هو تفضيلهم لبقاء هذه السياسات كما هي وإن كنت من المتشككين في هذا، فلننظر إلى تزايد رغبة الأميركيين في تحديد جدول زمني لبدء انسحاب قواتنا من هناك. ولكن من يستطيع منهم الإصرار على تحديد هذا الجدول فعلاً والبدء في تنفيذه، إن كان الغزو سينتهي إلى تسليم العراق للمتطرفين والمهووسين؟ وفي مثل هذه الحالات، فإن الخيار المنطقي والوحيد هو أن تبقى السياسات المطبقة كما هي، إلى حين تلوح فرصة حقيقية للسلام والانسحاب.

أستاذ مشارك للاقتصاد بجامعة جورج ماسون

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست