يجب عدم تأخير الديمقراطية في باكستان

 

جو جونسون

 

 

من الخطأ التقليل من مرونة باكستان وقدرتها على التكيف فمع أن حزب الشعب فقد أميرته، وفقدت واشنطن أفضل أمل لها في مظهر مدني خادع للحكم العسكري، فان التكهنات بانهيار الدولة وتشرذم البلاد وفق توجهات عرقية واستيلاء الجهاديين على الترسانة النووية فيها شيء من المغالاة. ربما تكون هذه أخطر أزمة سياسية خلال جيل، لكن الحياة أخذت تعود إلى ما يعتبر عاديا. مثلا، في برنامجها الرئيسي لفترة الغداء، يوم الثلاثاء، بعد خمسة أيام من مقتل بيناظير بوتو، أمكن للمحطة التلفزيونية الرئيسية في البلاد، الناطقة بالإنجليزية، دون نيوز، أن تقدم ما هو ليس أكثر إثارة للمشاهدين، متمثلا في برنامج كئيب مخصصا لنظام النقل العام في كراتشي وحتى حزب الشعب الباكستاني الذي قُضي عليه إلى حد كبير في الأسبوع الماضي، يحتمل أن يصمد بعد فقدان المرأة التي قادته طول السنوات الـ 30 الماضية ومع أنه تعرض للنقد بشكل كبير في الغرب على تفويت فرصة لوضع عضو من خارج العائلة على قمته، فإن الترتيب الذي يتولى زوج بوتو، عاصف علي زرداري، بموجبه مقاليد الأمور إلى أن يكمل ابنها البالغ من العمر 19 عاما، بيلاوال بوتو زرداري، دراساته كان الحل الوحيد الذي يحتمل أن يرضي قاعدة الحزب وكان يمكن أن يكون من الأفضل لو أن اعتزاز إحسان، وهو شخصية مركزية في حركة المحامين، سمح له بتحديث الحزب الذي يستند إلى منطقة السند، وتحويله من الملكية الاقطاعية للعائلة إلى قوة متماسكة أيديولوجيا لكن باعتباره بنجابيا ومن خارج عائلة بوتو، فإنه يعرف أنه لا فرصة له. وفي ضوء كون المراهق لن يكون مخولاً خوض الانتخابات للبرلمان حتى يبلغ 25 عاما، فإن خطة الوراثة تظل أبعد من أن تكون مثالية. وقد عاد بوتو زرداري إلى دبي يوم الثلاثاء، تاركا أكبر حزب سياسي باكستاني في اليدين الملوثتين لوالده، وهو رجل مترف متحايل، تغيرت سمعته التي اتصفت بالفساد، جزئيا فقط، بإحساس بأنه دفع ما يترتب عليه خلال فترة سجنه التي استمرت ثماني سنوات. وبينما يمكن أن يكون التساهل إزاء الفساد السياسي في باكستان أكبر من البلدان الأخرى، من منظور الرئيس برويز مشرف وآخرين ممن يتمنون إضعاف حزب الشعب الباكستاني بوصفه قوة وطنية ومنافسا للرابطة الإسلامية الباكستانية الحاكمة، الموالية لمشرف (قائد عزّام)، فإن القيادة الجديدة يجب أن تكون فريق أحلام.

يقول بالواشا بهرام خان، وهو زعيم شاب في حزب الشعب الباكستاني: "ربما لا تصفه بأنه عصري، لكن لدينا حقا على عواطفنا ومشاعرنا. العائلة وحدها هي التي توفر التماسك الذي نحتاج إليه في هذا الوقت. فقبل أسبوع اعتقدنا أن الحزب انتهى، لكن الشعب الباكستاني تقبل الخلافة وهو يدرك أن بيلاوال يستطيع ملء تلك الفجوة، مع أنه صغير. فهو يملك سجلا نظيفا لدى الشعب الباكستاني، ويمكن أن يكون عامل ربط يستطيع أن ينقذ الاتحاد الباكستاني ويخرج الناس من حزنهم ويستطيع أن يهيئهم للخطوة التالية، وهي الثأر لكل نقطة دم أريقت من دم بيناظير بوتو، سواء كانت تلك الخطوة انتخابات أو اهتياجاً".

لقد أضر الجنرال مشرف بنفسه من خلال محاولاته الخرقاء منع حزب الشعب الباكستاني من استغلال "استشهاد" بوتو. فمنذ آذار (مارس) الماضي، عندما أثار الأزمة بتنحية افتخار شودري، رئيس القضاة الذي هدد استقلاله مخطط مشرف لإعادة انتخابه، كانت قدرته على احتمال الجروح التي أحدثها لنفسه محدودة. كما أن جهود حكومته الحثيثة لتحويل الانتباه عن فشلها الجلي في توفير الأمن الكافي لبوتو ـ الحكومة تصر على أنها ماتت بعد أن ارتطم رأسها بالزجاج الأمامي لسيارتها وتنفي أنها عانت من جراح سببها طلقات نارية - أدت فقط إلى دعم النظريات التي تقول إنها متورطة في العملية. فهو ورعاته الأمريكيون هدف للغضب الشعبي إلى حدّ أكبر من أي وقت مضى. إن قرار واشنطن الرضوخ لخطوة مشرف بتأجيل انتخابات الثامن من كانون الثاني (يناير) سيكون ضربة أخرى لصدقيتها. فالولايات المتحدة، بعد استعراض طالبت فيه بانتخابات "حرة ونزيهة"، أخطأت الآن في إظهار أن التأجيل يمكن أن يكون "مقبولا"، شريطة الإعلان عن موعد جديد في الوقت ذاته. وستعقد الانتخابات في 18 شباط (فبراير). وهنا يقول دبلوماسي غربي رفيع المستوى: "الأمريكيون يسمحون لمشرف بما هو أكثر من المعقول. تأخير الانتخابات يمكن أن يكون استفزازا غير لازم لحزب الشعب الباكستاني. أن تكون مصرّا على إجراء انتخابات مبكرة، ثم تغير موقفك لخدمة الرابطة الإسلامية الباكستانية، يعزز التصور لدى كثير من الباكستانيين بأن السياسة الأمريكية لا يُحركها مبدأ".

ومع أن من الممكن تبرير التأخير على أساس أن دزينة من مكاتب الانتخابات دمرت في منطقة السند، إلا أن المصاعب اللوجستية يمكن التغلب عليها بالإرادة السياسية فالحقيقة أن أكبر مخاطرة تهدد صدقية التصويت تجيء ليس من الخلل الفني الذي سببته أربعة أيام من الاضطرابات، بل من المحاولات المحتملة لتزوير النتائج. وفي سباق نزيه، وبوجود قضاء مستقل، ولجنة انتخابات غير منحازة ومسؤولين محايدين في الميدان، فإن الاستطلاعات توحي بأن أنصار الجنرال مشرف يمكن إلغاء وجودهم. وإذا كان التأخير ذريعة لإفشال حزب الشعب الباكستاني وتقسيم باكستان إلى مناطق انتخابية تهيئ لعودة برلمان طيع موال لمشرف، فإن على الدول التي تريد فعلا، باكستانا ديمقراطية، أن تشجب ذلك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aleqt-6-1-2008