باكستان وبوتو...بين التوريث والديمقراطية

 

روزا بروكس

 

 

في الوقت الذي تنتقل فيه الانتخابات الأميركية إلى السرعة القصوى بعد انتخابات ولاية ''أياوا'' الأخيرة، لم يتأخر المسؤولون السياسيون في تمجيد السياسية الباكستانية المغدورة ''بينظير بوتو''؛ فقد صرحت ''هيلاري كلينتون'' قائلة بشأن رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة ''إنها عادت إلى بلادها للنضال من أجل الديمقراطية''؛ كما أكد ''رودي جولياني'' من جانبه أن ''اغتيال بوتو حدث مأساوي بالنسبة للديمقراطية في باكستان''، فيما دعا الرئيس ''بوش'' الباكستانيين إلى ''تخليد ذكرى بوتو من خلال استكمال مسيرتها نحو الديمقراطية التي من أجلها ضحت بحياتها''. لكن مهلا! لقد كانت ''بوتو'' فعلا شخصية شجاعة ومتميزة، لكنها بالكاد يمكن اعتبارها شهيدة الديمقراطية؛ فقد ورثت ''بوتو''، التي كانت ابنة رئيس وزراء سابق، قيادة حزب الشعب الباكستاني من أمها التي بدورها ورثت الحزب من زوجها، كما أن ولايتي ''بوتو'' كرئيسة وزراء باكستان تخللتها العديد من فضائح الفساد ومزاعم بتورطها في أنشطة أكثر سوءا، بما في ذلك حادث اغتيال شقيقها وغريمها في الحزب عام 1996.هذا ولم تكن سياسات ''بوتو'' دائما تقف في صف الديمقراطية، حيث عملت على دعم ''طالبان'' عسكريا وضمان صعودها إلى الحكم في أفغانستان، فقد كانت مستعدة لمساعدة أحد أكثر الأنظمة تطرفاً في العالم بسبب المكاسب الاستراتيجية المتخيلة التي ستجنيها باكستان في صراعها المديد مع الهند، وبخاصة إذا ما حصنت عمقها الاستراتيجي بوصول ''طالبان'' إلى الحكم.؛لكن بعد سنوات من المنفى، عادت ''بوتو'' إلى باكستان في خريف 2007 واضعة لنفسها هدفاً نبيلا تمثل في إنقاذ البلاد من الفوضى، ومطالبة بأعلى صوتها بعودة الديمقراطية إلى باكستان. بيد أن ''بوتو'' كانت بالكاد الشخصية المناسبة لإعادة الديمقراطية إلى باكستان، بصرف النظر عن الآمال العريضة لإدارة الرئيس بوش. فالاختفاء المأساوي لـ''بوتو'' يثبت بوضوح مدى محدودية التزامها الحقيقي بالديمقراطية، لا سيما بعدما نصبت في وصيتها ابنها البالغ من العمر 19 عاما، ''بيلوال بوتو زارداري''، خليفة لها على رأس حزب الشعب، بالإضافة إلى زوجها ''آصف علي زارداري''.

يبدو أن السلطة بالنسبة الى ''بينظير بوتو'' تركة يمكن توريثها، أو نقلها من الزوج إلى زوجته ومن الأم إلى ابنها تماماً مثل المجوهرات التي تورث من الجدة إلى حفيدتها، أو مثل الحسابات المالية المودعة في البنوك السويسرية والتي على أساسها وجهت لها تهم الفساد، واللافت حقا بشأن كل ذلك أن العديد من المسؤولين وكتاب الرأي في الولايات المتحدة لم ينتبهوا إلى ذلك، ولم يدركوا غرابة أن تقوم ''بوتو'' بتوريث زعامة الحزب إلى زوجها وابنها والإصرار على نعتها بالديمقراطية. أليس ما قامت به ''بوتو'' أقرب إلى سياسة السلالات الحاكمة أكثر منه إلى سياسة الديمقراطيين؟ فالمعروف أن الملوك والأسر الحاكمة هم من يقومون بنقل العرش، أو الحكم إلى أبنائهم وليس الحكام الديمقراطيون؛ لكن ورغم بساطة هذه الحقائق وبداهتها لن تجد أحدا بين مرشحي الانتخابات الرئاسية في أميركا، أو من البيت الأبيض، بل حتى من وسائل الإعلام من يلتفت إلى ذلك. وهناك بالطبع سبب مؤسف يفسر لنا لماذا لم يسجل هذه النقطة سوى عدد قليل من الأميركيين، ذلك أننا أصبحنا بأنفسنا قريبين من دولة السلالة الحاكمة. فالرئيس الحالي ''جورج بوش'' هو ابن رئيس سابق، كما أن المرشحة الديمقراطية ''هيلاري كلينتون'' هي زوجة رئيس سابق ورغم ما يمكن أن يقال عن دور الصدفة في هذا المجال، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث لا أحد يستطيع أن يقول بأن ''هيلاري'' اختارت أن يسبقها زوجها إلى الرئاسة، ولا اختار ''بوش'' أن يكون والده رئيسا، إلا أن هناك ما هو أسوأ في الولايات المتحدة. فإذا انتخبت ''هيلاري كلينتون'' رئيسا لأميركا في العام ،2008 فإنه بحلول 2012 ستكون الرئاسة الأميركية قد خضعت طيلة الأربع والعشرين سنة الماضية إلى حكم أسرتين في حين اقتسم باكستان، وعلى امتداد الفترة ذاتها، عدد أكبر من الأسر!

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-6-1-2008