غياب الديمقراطية ساهم في إعادة الإرهاب

 

 

 

عقد بالقاهرة يومي 5 و6 ديسمبر الجاري، مؤتمر أكاديمي انكب على دراسة معضلة "التنمية والإرهاب والأمن في الشرق الأوسط" وناقش عدد من الخبراء والمختصين على مدار يومين، أربعة محاور رئيسية تتعلّـق بالتطور الفكري والتنظيمي للتطرف و"الإرهاب" والتنمية والاقتصاد السياسي للإرهاب والجهود الإقليمية والدولية لمكافحته. أوضح خبراء وأكاديميون مصريون متخصِّـصون في دراسة ظاهرة الإرهاب في الشرق الأوسط، أن مَـن يدرسون ظاهرة الإرهاب يقَـعون في شَرَكِ اختزال الإرهاب في الحركات الإسلامية ، واشاروا إلى أن 10% فقط من العمليات الإرهابية التي تقع، يكون وراءها "تطرف إسلامي"، منوهين إلى أن تقارير الخارجية الأمريكية للعام الماضي أكّـدت أن 675 عملية من العمليات الإرهابية قد حدثت في أمريكا اللاتينية .

وأرجع الخبراء المشاركون في المؤتمر أسباب انتشار الإرهاب والتطرف في الشرق الأوسط إلى عوامل داخلية، أهمها غياب الحرية والفقر وسوء توزيع الثروة وتفاوت المستويات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء واستبداد الدولة والممارسات القمعية والاحتكارية للثروة، فضلا عن هشاشة التكامل الاجتماعي والقومي، وعوامل خارجية أهمها، طبيعة السياسات الغربية، وتحديدًا الأوروبية والأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي، والتدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للدول.

خبراء وورقات بحثية

وكان المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط قد عقد بالقاهرة يومي الأربعاء والخميس 5- 6 ديسمبر الجاري، مؤتمرًا عِـلميًا تحت عنوان: "التنمية والإرهاب والأمن في الشرق الأوسط"، بالتعاون مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ومنظمة كونراد الألمانية، حضره لفيف من الإعلاميين والباحثين المهتمين بدراسة ظاهرة الإرهاب وأثرها على عملية التنمية في الشرق الأوسط ونوقشت في المؤتمر عدّة أوراق بحثية، تناولت الظاهرة من مختلف زواياها، وشارك فيه عدد كبير من الخبراء والأكاديميين والمتخصّصين في دراسة الحركات الإسلامية، حيث شارك من المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط عدد من الخبراء والباحثين، يتقدمهم الدكتور محمد شفيق رئيس المركز، واللواء دكتور محمد مجاهد الزيات، نائب رئيس المركز، واللواء دكتور محمود خلف، مستشار المركز.

وشارك من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عدد من الأساتذة والمدرّسين والباحثين المتخصّصين، يتقدمهم الدكتورة منى البرادعي (شقيقة الدكتور محمد البرادعي)، العميدة الحالية للكلية والدكتور كمال المنوفي، العميد السابق للكلية والدكتور على الدين هلال، العميد الأسبق للكلية وأمين الإعلام بلجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي "الحاكم في مصر"، والذي شغل – سابقًا - منصب وزير الشباب والرياضة بالحكومة المصرية فيما شارك مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام بعدد من الخبراء والباحثين المختصين في دراسة الظواهر والحركات الإسلامية، يتقدمهم الدكتور عمرو الشوبكي والدكتور محمد السعيد إدريس، رئيس وحدة دراسات الخليج بالمركز وضياء رشوان، الخبير بالمركز وأحد أبرز المتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية، إضافة إلى الدكتور بسيوني حمادة، الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة.

مولدات الإرهاب

ورغم إرجاع د. المنوفي بروز ظاهرة الإرهاب إلى العامل المادي، وهو "الفقر"، إذ يقول: "أرى عن قناعة، واستنادا إلى دراسات ميدانية، أن أعمال الإرهاب تعود جُـزئيا إلى الفقر. فالأقاليم الأشدّ فَـقرا في مصر، كانت الأكثر تفريخا للإرهابيين، كما أن المناطق العشوائية كانت بيئة حاضنة للإرهابيين"، إلا أنه استدرك قائلا: "هذا بالطبع لا ينطبق على جميع الحالات، فلا يمكننا أن نقول إن متطرفي السعودية فقراء، فزعماء القاعدة، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، من أحد الأثرياء العرب" ويستطرد المنوفي: "يضاف إلى ما سبق من أسباب للظاهرة، طبيعة السياسات الغربية، وتحديدًا الأوروبية والأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي، والتي تنطوي على مُـسلسل مستمر من الاستعمار في شكله الجديد، الذي هو إرهابي بكل ما تحمِـله الكلمة من معنى، فتولّـد لدى الآخر شعور بالكراهية، خاصة في دعم الغرب لإسرائيل على حساب الفلسطينيين والعرب"، معتبرًا أن "التفسير المتزمّـت للنصوص، هو أحد الأسباب الرئيسية للإرهاب والعنف".

ويتفق رشوان مع المنوفي فيما ذهب إليه من الحديث عن أسباب الظاهرة، مرجعا "التطرف في الحالة المصرية، وتحديدا لدى جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية، إلى استنادهم إلى كُـتب غير المتخصّـصين، وأن جميعهم، باستثناء الشيخ عمر عبد الرحمن وقلة تُـعدّ على أصابع اليد الواحدة، لم يتلق عِـلما شرعيًا في الكليات المتخصصة أو في جامعة الأزهر".

ويلفت الدكتور ضياء رشوان الانتباه إلى أن "الوثائق الأساسية للجِـهاد والجماعة الإسلامية ألفت بالكامل داخل السجون والمعتقلات، فلم تكن لدى أي من الجماعتين وثائق تمّ تأليفها خارج السجون، إلا القليل النادر، إضافة إلى بعض الخُـطب المنبرية"، معتبرًا أنهم "أنتجوا معظم أفكارهم وهم في السجون في ظروف نفسية قاسية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار الاستضافة غير الكريمة التي استقبلتهم بها الأجهزة الأمنية" ويضيف رشوان: "فخرجت مؤلفاتهم من السجون وبدأت تغذّي فكر العنف، فتولّـدت فكرة الخروج على الحاكم، واعتمدوا في ذلك على أدلة منقولة عن غير المتخصصين، كما أن قلة الصّـنعة وعدم الخبرة في المجال الدِّيني، أدّت إلى الافتراء على بعض التفسيرات والوقوع في أخطاء فادحة أدّت إلى مزيد من العنف".

الطائفية والإرهاب

ومن جهته، يربط د.إدريس بين انتشار الطائفية وظهور الإرهاب، فيقول: "إن صعود الخطاب المذهب والطائفي وتحوّله إلى حالة من التعصّـب، ثم تحوَّل التعصّـب إلى تطرّف، واقتران هذه العملية بانتشار ظاهرة الإرهاب، أدّى إلى خلق حالة من عدم اليقين بين السبب والنتيجة"، مشيرًا إلى أن "السؤال الذي يفرض نفسه على طاولة البحث هو: هل الإرهاب هو نتيجة حتمِـية للتطرّف والتعصّب المذهبي أم أن هذه الحالة من التعصّب المذهبي هي نتيجة الإرهاب ذاته؟!

ويخلص د. إدريس إلى نتيجة مُـؤداها أن الإرهاب - وخاصة في العالم العربي - يعود إلى أسباب متعدّدة، من بينها التطرف الدِّيني والطائفي والمذهبي، فضلا عن التطرّف السياسي والعقائدي المقترن بالعُـنف، ولذلك، فإن المذهبية والتعدّديات العِـرقية والسياسية، ليست مسؤولة في ذاتها عن الإرهاب، لكن التطرّف في أي منها هو المسؤول عن الإرهاب ويحدّد د. إدريس أسباب التطرّف في عدة نقاط، منها سوء التّـوزيع العادل للثروة وتفاوت المستويات الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن استبداد الدولة والممارسات القمعية والاحتكارية للثروة، ثم شيوع الدولة الفاشلة العاجِـزة عن القيام بوظائفها الأساسية في تحقيق الإشباع السياسي والاقتصادي والثقافي للمواطنين، فضلا عن هشاشة التكامل الاجتماعي والقومي.

إضافة إلى كل هذه الأسباب الداخلية، يوضّـح د. إدريس أن "هناك عوامل خارجية، مثل الحروب العدوانية، التي تمارسها بعض الدول ضدّ الشعوب والتدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للدول"، مشيرًا إلى أن "نسبة ما يمارسه العالم الإسلامي من إرهاب في العالم، لا يتعدى 10% من إرهاب العالم، وبالتالي، لا يمكن أن نقول إن الإرهاب ظاهرة إسلامية، وإنما صناعة دولية".

وسائل مقترحة

وحول الوسائل المُـقترحة للقضاء على الإرهاب، اقترح الشوبكي إدماج الحركات الإسلامية المُـعتدلة في العملية السياسية، مثلما حدَث مع حزبي العدالة والتنمية في تركيا والمغرب، معتبِـرا أن الضمانة لذلك، أن تكون هناك مؤسسات قوية ودستور تحترمه هذه القوى، مثلما حدث في تركيا وأوضح الشوبكي أن النظام الديمقراطي الحقيقي قادر على تهميش الإرهاب ومحاصرته، إنْ لم يقضِ عليه نهائيًا، وأن العكس أيضًا صحيح؛ فللإرهاب دور لا يُـنكر في تعطيل العمل الديمقراطي، مشيرا إلى أن غياب التحوّل الديمقراطي قادِر على إعادة الإرهاب للمجتمع مرة أخرى.

ويتفق د. حمادة مع الشوبكي فيما ذهب إليه ويضيف، "إذا كان غِـياب الحرية عن المجتمع بصفة عامة، وحرية الإعلام والتعبير على وجه الخصوص، هو الذي يفسِّـر نمو الإرهاب والفكر المتطرف، فلا شك أن الحرية الإعلامية ستلعب دورا مهمًّـا في القضاء على الإرهاب"، مشيرا إلى أن "الجماعات الإرهابية سينعدم وجودها مع توفر حرية التعبير وحرية الإعلام، وأنه من الخطأ أن نفهم أن الحرية الإعلامية سبب من أسباب انتشار الإرهاب".

إستراتجية المواجهة

وحول إستراتجية التصدّي للإرهاب، يتفق لواء د. خلف مع د. هلال على ضرورة إعادة قراءة مفهوم الإرهاب العالمي على ضوء ما تحقّـق وما لم يتِـم تحقيقه، حتى يُـمكن تطوير خُـطط تعاون ناجحة مستقبليا، مشيرًا إلى أن خطر الإرهاب سوف يزداد في المستقبل، ما لم يتم التعامل معه بأفكار جديدة دون التّـركيز على استخدام القوة العسكرية فقط ويضيف د. هلال أن "الظاهرة تطوّرت وأن ما نتحدّث عنه اليوم في عام 2007، ليس هو الذي كُـنّـا نتحدّث عنه في السبعينيات"، مشيرًا إلى أنه "على مدى الثلاثين عامًا الأخيرة، ركّـزت الأجهزة الأمنية والباحثون على 4 موضوعات هامة لا زالت تستحق البحث والدراسة، ولكن في إطار مُـعطيات جديدة، هي بيئة الإرهاب والفاعل وآثار الظاهرة وكيفية المكافحة"، مشيرا إلى أن "لدينا سياسات قصيرة الأجل، وهي عادة ما تكون أمنية، ولدينا أخرى طويلة، وهي التحليل والبحث بعد تقليل أخطار الواقع بالتّـعامل الأمني".

وتطرّق د. هلال إلى الحديث عن المُـعطيات الجديدة، التي رأى أنها تحتاج إلى تغيير كامل في التعاطي معها، ودلّـل على رأيه من خلال عرضه لخمسة قضايا، وهي العولمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأشكال الجديدة المتوقّـعة للإرهاب ومؤسسة الإرهاب وتطور إستراتيجية مكافحته وتوقع د. هلال أن تشهد "المنطقة العربية مزيدًا من العمليات الإرهابية"، مستشهدا بالأوضاع المتردّية، التي "تزداد سوءً يوما بعد يوم في العراق وفلسطين وأفغانستان والصومال، والتعامل الأمريكي غير العادل مع إسرائيل"، معتبِـرا أنه "ليس من المتوقّـع أن تُـحَـل هذه القضايا بشكل عادل، كما أنه ليس من المتوقّـع أن تتخلّـى الولايات المتحدة عن ازدواجيتها في التعامل مع هذه القضايا".

القاعدة بعد 11 سبتمبر

وحول البِـنية التنظيمية الحالية للقاعدة، أوضح لواء د. الزيات أن "التنظيم تعرّض منذ 11 سبتمبر لضربات مُـوجعة أثّـرت بصورة كبيرة على تماسكه وهيكلته، ولم يعُـد بالقوة التي كان عليها نهاية التسعينيات"، مشيرًا إلى أن "بعض التقارير الاستخباراتية أفادت بأن التنظيم لم يعُـد له هيكل، إلا أنه رغم ذلك، زادت عمليات الإرهاب" واستشهد لواء د. الزيات بما ذكره مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكي من أن "الإحصاءات الخاصة بالعمليات الإرهابية، التي أسنِـدت إلى القاعدة، أظهرت خلال العام الماضي مؤشِّـرات مقلقة، فقد تضاعفت هذه العمليات مرّتين عن العام الذي سبقها"، كما تُـشير دراسة لوزارة الدفاع الأمريكي إلى ظهور ثلاثين جماعة إرهابية جديدة تربط نفسها بالقاعدة منذ 11 سبتمبر وحتى الآن وأرجع لواء د. الزيات ضُـعف تنظيم القاعدة إلى عدّة أمور، من بينها هزيمة طالبان، التي ألحقت الكثير من الأذى بتنظيم القاعدة، كما أن القبض على بعض القيادات العسكرية للتنظيم، التي كانت تتولّـى مسؤوليات تمويلية، أضعف الهيكل القِـيادي الأعلى وساهم في اختباء باقي القيادات، وعلى رأسها بن لادن والظواهري في المناطق الجبلية، فتقلّـصت قُـدرة التنظيم على التواصل مع المجموعات والعناصر المنتشِـرة في مناطق العالم، نجم عن ذلك في النهاية، عدم التزام مَـن تمّ تفويضهم لتعليمات القيادة.

وكل لك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:swissinfo