العرب بين الفساد... والإفساد!

 

د. طيب تيزيني 

 

 

صدرت عن منظمة الشفافية الدولية، وثيقة عن واقع الحال في حقل الفساد في المنطقة العربية، فتحدثت فيها عن الاستشراء الخطير لظاهرة الفساد، وقدمت تفصيلات مثيرة عن تصاعد نسب الفساد بكل تجلياته المجتمعية. ومن هذه المعطيات ومعطيات أخرى واسعة وكثيفة يقدمها عالم الإعلام المتدفق، ربما أصبح القول التالي وارداً: إن الفساد في البلدان العربية لم يعد يمثل -كما كان حتى قبل عدة أعوام - ظواهر منتشرة هنا وهناك، سواء كانت كبيرة أو ضئيلة. لقد أصبح الفساد يجسِّد "بنية شاملة"، هي المجتمع العربي ذاته، لقد تحول إلى أخطبوط يطال كل الناس، وإن لم يتمكن بعد أن يفتك بهم جميعاً، ويطال كل الأشياء، وقد تمكن أن يجتاحها في حدّها الأقصى المحتمل.

وتعاظمت أصوات من تبقى من الأحرار الصابرين للوقوف في وجه الفساد، ورافقت هذه الأصوات أصواتٌ تتحدر من مواقع أصحاب القرار، ليتضح سريعاً ودون عناء أن ذلك يمثل استراتيجية يستخدمها هؤلاء للّعب على الموقف، ولضرب الصالح بالطالح، ولإنتاج صراعات زائفة بين الناس تُقصي الشك فيهم، لتركزه في الناس أنفسهم وهم يفعلون ذلك عبر تلفيق تناقضات وخلافات ومشكلات بين الطوائف والمذاهب الدينية والتيارات السياسية - في حال وجودها وكل ذلك يسير بوتائر جنونية من تصاعد تكاليف الحياة، وتدمير الكرامات، والحجْر على النافخين في أبواق التحذير والشكوى والاستغاثة، خصوصاً في أوساط النساء، اللواتي يتعرضّن بقسوة وبربرية لآلة تفكيك المنظومات الأخلاقية عندهن. وبهذا، تتم عملية محددة بكيفية منهجية، تلك هي تفكيك النسيج المجتمعي، وإيجاد حالة من الفردية، التي بدورها تنتج أشكالاً من الأنانية الدنيئة والقسوة الاستفزازية، وكذلك من الاغتراب والانعزال، هذا بالإضافة إلى آفات العنف والانحطاط والتشدد والجنوح الجنسي في أوساط الأطفال، مع تعاطي المخدرات.

وقد ركزت منظمة الشفافية الدولية على أدوار البرلمانات، التي يلفقها النظام الأمني، في إيصال مجموعات من مهربي العملة والقوادين والمجرمين والعتاة في نهب المال العام، وذلك يداً بيد مع أفراد حكومات أصبحوا شركاء في احتلال الحياة الاقتصادية والمادية في بلدانهم. ويتم هذا مع هجوم طُغمٍ من المحسوبين على ذلك النظام: على "المؤسسات" التربوية والتعليمية والثقافية والجامعية والقضائية... إلخ، بما فيها من مناصب وامتيازات يأخذونها غصباً، ويحولونها إلى "مناطق محرَّمة"، إلا عليهم. وتُكمِّل هذا المشهد استباحةُ الأجهزة الأمنية لكل شيء، أي التي تضع تحت تصرفها كل ما يتحرك على الأرض: اعتقالاً وتعذيباً وانتهاكاً للحريات والكرامات وتدميراً لمطامح الشباب من النساء والرجال في التعلّم والعمل والحياة الآمنة والكرامة التي لا ينتهكها ولا يزحزحها قانون طوارئ أو أحكام عرفية. ومن طرف آخر، تلك الأجهزة تُمسك بالقدرة على رفع المجرمين إلى عالم النزاهة، وعلى جعْل الأفّاقين اللصوص سادة المناصب، يداً بيد مع "الوسطاء" من أصحاب المال ومالكي النساء، وعلى نحوٍ يعمق الشروخ بين هؤلاء وأصحابهم وبين الشرفاء الذين يحاولون مواجهة المخرز بالعين.

ولقد أصدرت منظمة الشفافية الدولية في مؤشِّرٍ "مُدركات الفساد" لعام 2007 أن هناك من البلدان العربية من تراجع من المركز 93 إلى المركز 138، ومَن أصبح (حسب تقرير منظمة صحفية دولية الأخير) ضمن الدول الأربع في الشرق الأوسط الأكثر سوءاً وفساداً وانحطاطاً. ويضاف إلى ذلك ارتفاع نسبة الفقر والبطالة بشكل دراماتيكي، مرافَقٍ بأشكال من القهر والاستبداد تُغلق على الناس حياتهم وثمة الكثير مما يمكن ذكره في هذه الحال من جرائم الفساد، الذي أصبح إفساداً.

نعم، أصبح الفساد غولاً يدمر بيدٍ الضعفاء والفقراء مع المؤسسات الوطنية بكل تجلياتها، ويوسّع بيدٍ كل مباذل وموبقات وجرائم بعض أصحاب القرار، حتى أوصل البلاد والعباد إلى ثنائية القاتل والقتيل. فسعى البعض إلى لملمة كرامته وجراحه، ليستعيد القوة والحكمة والإرادة في إعادة الروح لوطنه عبر مشروع وطني ديمقراطي عنوانه الأول يتمثل بتلك الروح، التي تعني -هنا- السياسة وعودتها، وهنا يبرز، كحدٍ أدنى، السؤال: كيف نحول دون سقوط الوطن على يد القاتل القتيل؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad