هل فشلت سياسة واشنطن مع العالم الإسلامي؟

 

 

ستيفن بي مايرز- هيلين كوبر

 

 

اغتيال بوتو...والبحث عن شريك لأميركا في باكستان 

شكَّل اغتيال ''بينظير بوتو'' يوم الخميس الماضي ضربة قوية للجهود الدبلوماسية الأميركية، التي انخرطت فيها إدارة الرئيس بوش على مدى السنة الماضية لتحقيق المصالحة بين الفصائل السياسية الباكستانية وردم هوة الخلافات العميقة بين أفرادها لكن الآن وبعد حادثة الاغتيال الأليمة تعاود الولايات المتحدة تقليب خياراتها المحدودة، فيما يواصل النفوذ الأميركي تراجعه في باكستان. وبحسب مصادر مطلعة في إدارة بوش، اتصل مسؤولون في السفارة الأميركية بإسلام أباد، في اليوم ذاته الذي اغتيلت فيه ''بوتو''، بأعضاء من حزب رئيس الوزراء السابق ''نواز شريف'' لكن مجرد لجوء المسؤولين الأميركيين إلى الحديث مع مؤيدي حزب ''شريف''، الذين يعتبرون أن له علاقات عديدة مع الإسلاميين، يدل على الصعوبة التي تواجهها الولايات المتحدة في العثور على شريك باكستاني يحظى بثقة تامة.

وجاء الاغتيال ليبرز على نحو صارخ فشل هدفين رئيسيين وضعهما الرئيس بوش للتعامل مع المنطقة، ويتمثل الهدفان في سعيه لإحلال الديمقراطية في العالم الإسلامي، والرغبة في إخراج المقاتلين الإسلاميين، الذين أظهروا تمسكاً شديداً بباكستان، من الحلبة السياسية. وتزداد الأمور صعوبة بالنسبة للإدارة الأميركية في ظل وضعية باكستان كدولة نووية اعتبرها الرئيس بوش منطلقاً لمحاربة الإرهاب. ورغم الاضطرابات التي تعيشها باكستان بعد اغتيال ''بوتو'' واختفائها عن الساحة السياسية يؤكد المسؤولون الأميركيون رغبة الولايات المتحدة في عقد الانتخابات البرلمانية إما في موعدها المقرر، 8 يناير، أو بعد ذلك بقليل. لكن في حال تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة الاضطرابات في البلاد أقر المسؤولون في واشنطن أن الرئيس ''مشرف'' قد يلجأ إلى تأجيل موعد الانتخابات إلى وقت لاحق حتى تتم السيطرة على الأوضاع واحتواء أعمال العنف. ويسعى المسؤولون الأميركيون في هذه الأثناء، حسب مصادر مطلعة، للاتصال بمختلف الفرقاء السياسيين الباكستانيين لتدارس الوضع الداخلي لباكستان واحتمالات المستقبل وفيما يتعلق بالتحالف المحتمل الذي قد يجمع الرئيس ''مشرف'' بغريمه ''نواز شريف'' قال أحد المسؤولين الأميركيين الذي رفض الكشف عن اسمه بسبب الحساسية الدبلوماسية للموضوع: إن ''معظم أعضاء حزب مشرف جاؤوا من حزب نواز شريف''، ورغم العداوة بين الطرفين قال المسؤول الأميركي: ''إني لا أستبعد شيئاً في السياسة''.

ويؤكد المراقبون والمحللون السياسيون أنه إذا كان من شيء واضح قد أبان عنه اغتيال ''بينظير بوتو''، فهو فشل الولايات المتحدة في ضبط السياسة الداخلية في باكستان، وحتى قبل الاغتيال لم يكن لواشنطن سوى نفوذ محدود داخل البلاد، ولم تساند واشنطن ''بوتو'' إلى النهاية وفي هذا الإطار تقول ''ويندي تشامبرلين''، السفيرة الأميركية السابقة لدى باكستان: ''لقد كنا دائماً لاعباً أساسياً في النظام السياسي الباكستاني''، مضيفة أن ذلــك يحمـــل الولايات المتحدة جزءاً من تراجع شعبية الرئيس ''مشرف''، وقالت: ''إن باكستان دولة خطيرة جداً وعنيفة للغايــــة''.

لكن ذلك كله لم يغير شيئاً من أهمية باكستان بالنسبة للولايات المتحدة، لاسيما في الوقت الراهن حيث تقف البلاد على شفا الفوضى الداخلية وقد حاولت إدارة الرئيس بوش بكل جهدها التوفيق بين رغبتها في تبني باكستان للطريق الديمقراطي، وبين تخوف ''مشرف'' من المجازفة بمزيد من الانفتاح قد يسمح لتنظيمي ''القاعدة'' و''طالبان'' بالعمل بحرية، لاسيما في ظل وجود القوات الأميركية ووقوات حلف شمال الأطلسي في الجوار الأفغاني، وهذا ما يفسر نضال الإدارة الأميركية المستميت، رغم تشكك حلفائها، من أجل التوصل إلى اتفاق يقتسم بموجبه الرئيس ''مشرف'' السلطة مع ''بوتو'' بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وقد اعتبر المسؤولون الأميركيون أن اتفاق اقتسام السلطة سيضغط على ''مشرف'' لسلوك الطريق الديمقراطي، كما سيخفف من الضغوط المطالبة بمغادرته للسلطة. وعلى أساس هذه الخطة عادت ''بوتو'' إلى باكستان في شهر أكتوبر الماضي بعد ثماني سنوات من المنفى الاختياري.

لكن اتفاق اقتسام السلطة لم يتحقق قط على أرض الواقع بسبب سلسلة الإجراءات السلطوية التي اتخذها الرئيس ''مشرف''، بعدما أحس أنه محاصر، لتزيد من إضعاف رصيده السياسي. ومع ذلك استمر مسؤولو الإدارة الأميركية في دفع ''بوتو'' إلى ترتيب تحالف مع ''مشرف'' حتى أثناء حالة الطوارئ التي فرضها في وقت سابق. وفي إطار المساعي التي بذلتها الإدارة الأميركية للتقريب بين الأطراف الباكستانية سافر نائب وزيرة الخارجية الأميركية ''جون نيجروبونتي'' إلى باكستان في شهر نوفمبر الماضي وتحدث إلى ''بوتو'' عبر الهاتف بينما كانت تخضع للإقامة الجبرية بهدف الضغط عليها أكثر للتوصل إلى اتفاق لاقتسام السلطة ترعاه أميركا، وذلك بالرغم من المصاعب التي كان يواجهها هذا المسعى. لكن ''تريسيتا شافر''، خبيرة في الشؤون الباكستانية من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية اعتبرت الاتفاق ''خطوة غير معقولة''، موضحة ذلك بقولها: ''لا أعتقد أن مشرف كان يريد اقتسام السلطة في وقت من الأوقات''. وإلى غاية الأسبوع الماضي كانت الولايات المتحدة تطمح إلى رؤية ''مشرف'' و''بوتو'' يتوصلان الى تحالف سياسي بين حزبيهما بعد انتخابات 8 يناير، وهو ما كان سيفرز ائتلافاً حاكماً موالياً لأميركا ومنسجماً مع تطلعاتها. ومع أن اغتيال ''بوتو'' يوم الخميس الماضي يقلب المعادلة الأميركية ويقوض خططها في الوصول إلى اتفاق سياسي بين الأطراف الباكستانية، إلا أن الإدارة الأميركية مازالت تتطلع إلى تشكيل الرئيس ''مشرف'' لائتلاف حاكم مع أي من خلفاء ''بوتو'' على رأس حزب ''الشعب''.

غير أن المشكلة التي تعترض هذا السيناريو هي طبيعة الأحزاب الباكستانية التي تلتف حول شخصيات قوية مثل ''بوتو'' أو ''مشرف'' بدلاً من الأحزاب ذاتها. ولابد من الإشارة في هذا السياق إلى أن وزيرة الخارجية الأميركية ''كونداليزا رايس'' اتصلت بالشخصية الأبرز في حزب الشعب ''مخدوم أمين فهيم'' لتقديم العزاء ولتجديد التزام الإدارة الأميركية بمواصلة دعمها للحزب.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتبان في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-29-12-2007