هل الحرية "الإلكترونية" كافية؟

 

د. طارق سيف 

 

 

من يتابع ما ينشره العرب على شبكة الإنترنت من مواقع شخصية ومدونات خاصة، وتعليقات مختلفة على الموضوعات والقضايا والأحداث الجارية، ورسائل البريد الإلكتروني، يجد فيها قدراً كبيراً من الحرية في نقد الواقع المعايش، والتعبير الصادق عن معاناتهم وقهرهم وفقدانهم لأي أمل في الإصلاح، ونظرتهم الحقيقية لحكوماتهم كما يدرك بوضوح أن المواطن العربي قد وجد في مساحة الحرية الإلكترونية ما يمكن أن يعوضه عن مصادرة حريته في وطنه، خاصة في الدول العربية التي لم تفرض حكوماتها حتى الآن قيوداً رقابية على استخدام شبكة الإنترنت، والتي تصورت أن شعبها ربما يكون قد تخطى سن الرشد فسمحت لمواطنيها باستخدام الإنترنت دون حجب أو تدخل رقابي.

ففي ظل نقص الحريات المدنية والسياسية، لاسيما حرية الرأي والتعبير والإبداع، ومصادرة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وفرض القيود المختلفة على حرية التعليم والعمل والاعتقاد واختيار مكان الإقامة، واستباحة الخصوصية الشخصية، فإن معظم الشباب العربي قد هرب مندفعاً إلى الفضاء الإلكتروني لممارسة الحرية وحق التعبير، وباتت شبكة الإنترنت هي المتنفَّس الوحيد لهذه الممارسة قمع الحريات في الحياة والاعتماد على البعد الإلكتروني وحده يمثل قمعاً للحاضر وضياعاً للمستقبل، ونشراً للفوضى، فالحرية تصنع العقل وتبني الإرادة.

وربما تكون هناك أسباب خارجية وداخلية، أدت إلى تفريغ بعض المجتمعات العربية من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد وتطبيق القانون، ومخالفة نصوص الدستور، وانتشار الفساد الإداري، ومصادرة الحريات، وتوحش الأجهزة الأمنية والشرطية، والتراجع عن التداول السلمي للسلطة، وتأميم وسائل الإعلام، لذلك فقد أصبحت الحرية الإلكترونية هي البديل المتاح لممارسة حقوق المواطنة والمشاركة السياسية، وباتت في أحيان كثيرة المتنفس الوحيد لمعاناته من القيود الأمنية والثقافية والفكرية التي يتعرض لها المواطن، ووفرت له الفرصة لتعويضه عما يكابده في وطنه من الهموم وسوء أحوال المعيشة، لذلك أصبحت شبكة الإنترنت الملاذ و"الوطن الإلكتروني".

ومن الغريب أن هناك شبه اتفاق غير مكتوب بين كثير من حكوماتنا العربية على انتهاك حرية الإنسان تحت ذرائع مختلفة، تخفي مصالح سياسية وسلطوية، ومن ثم تصبح الشعوب أسيرة قناعات تهدف إلى العزلة والانسياق وراء الحرية الزائفة على الإنترنت، لأن الحرية الحقيقية هي في الممارسة الحياتية التي تعترف بحقوق الفرد وتحد من سلطة الحكومة، وتدفع الإنسان إلى تحمل مسؤولية أفعاله، وألا يكون عبئاً على مجتمعه ووطنه، فالحرية خيار أخلاقي، مع الخير أو ضده، مع العقل أو ضده، مع القانون أو ضده، مع الوطن أو ضده كما أن تضييق الحريات يدفع في اتجاه خرق القانون وتجاوز الأعراف والتقاليد، ويزيد من حالة الحنق بين الأفراد، ويشجعهم على الوقوف ضد السلطة، بعد أن فقدوا تقديرهم للعواقب، وتنامى شعورهم الزائف بالحرية.

ولكن، هل هذا يعني أن المواطن العربي قد اكتفى بهذا القدر من الحرية في الفضاء الإلكتروني؟ التي لا تخرج عن كونها آلية لتفريغ شحنة القهر والحصار الذي يتعرض له؟ وهل بات محكوماً على كل عربي أن يبحث عن مخرج إلكتروني لكل أزمة يواجهها مع حكومته؟ وهل قررت الحكومات العربية ترك هذا المتنفس "الإلكتروني" كبديل عن تحمل مسؤوليتها "الواقعية"، والحقيقية في منح المواطن العربي حقوقه والحفاظ على حريته كاملة غير منقوصة، لتجنب الضغوط الخارجية والداخلية، على اعتبار أن هذا هو طريق السلامة؟ وهل هذه الحكومات ستستخدم "العقوبات الإلكترونية" و"السجن الافتراضي" لمواجهة موجة الحرية الإلكترونية؟ وهل هذه الحكومات تدري، أم لا تدري، حجم المصيبة والتبعات المترتبة على هذه الحرية الإلكترونية؟ وهل سيأتي اليوم الذي تخطط فيه الحكومات العربية لفرض سيطرتها على "الوطن الإلكتروني" لقمع الحريات الإلكترونية؟

من المعروف أن الحرية حق طبيعي لكل بني البشر، بل إن الخالق ترك لهم الحرية المطلقة في الاختيار بين الكفر والإيمان، بل وفي داخل الإيمان نفسه ترك لهم حرية اختيار العقيدة والمذهب الديني، إذن الحرية شرط أساسي من شروط الوجود الإنساني، ومرتكز أساسي في شعوره الشخصي بهذا الوجود، وهي حق يعبر بكل صدق عن ممارسة الإنسان لإرادته دون قيد أو شرط.

لذا فإن الحرية الإلكترونية محصورة فقط في توفير حرية التعبير، سواء بالكتابة أو الصورة، لذلك فإن باقي مرتكزات الحرية مفقودة، ومن ثم نجد أن الركض الحر في الفضاء الإلكتروني له سلبيات وتداعيات خطيرة على الأسرة والمجتمع والوطن، فهو يدفع الفرد إلى التعايش مع الكومبيوتر، ويشعر أنه وجد ذاته ومبتغاه من نشر أفكاره ورؤاه بكل حرية، وربما تلقى صدى لدى الآخرين، فيبدأ الحديث واللقاء عن بُعد عبر الشبكة العنكبوتية، ومن ثم تضعف الروابط الأسرية والاجتماعية، ويفقد الشخص المبادرة والرغبة في الفعل في الواقع الحياتي المعايش، مكتفياً بحريته الإلكترونية، فلن يسهم في بناء حاضره وصنع مستقبله، وسوف يهرب من استخدام الكلام في التعبير عن إرادته في الواقع إلى الكتابة، ومن ثم سيتجنب المشاركة السياسية، بل سيتسم سلوكه العام باللامبالاة وعدم تحمل المسؤولية، ولن يسهم في تحمل هموم وطنه لأنه سينغلق على ذاته، وتتقلص قناعته، وتصبح خطط التنمية الشاملة الخاسر الأكبر من تداعيات الحرية الإلكترونية، وسوف يتنامى الشعور بالظلم والقهر نتيجة لعدم الاختلاط بالمجتمع من جانب، وتركيز التعامل مع الآلة ومن هم في مثل ظروفه من جانب آخر، فيضعف الأمل في تحقيق أي هدف كما أن الذي يتمسك بهذا النوع من الحرية سيكون فريسة سهلة للشائعات، بعد أن يعتبر أن كل ما سيكتب على شبكة الإنترنت حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش، مما قد يتيح الفرصة لنشر أفكار متطرفة وضارة وتخريبية، ويتم تجنيده لصالح أطراف معادية سواء من داخل أو خارج وطنه وفي ظل انشغال الجميع بالحرية الإلكترونية، من مثقفين ومفكرين ومستخدمين عاديين لشبكة الإنترنت، فإن النشاط الإبداعي سيتركز فقط على إدارة النقاش والحوارات على الشبكة الدولية، وسيتداخل الواقع الافتراضي مع الحقيقة، ويتقلص الإنتاج المادي والثقافي والإبداعي، وسيصبح البون شاسعاً بين الواقع والمأمول.

كما أن الحرية الإلكترونية تسمح بالانفلات الأخلاقي وتدهور القيم والمبادئ، في ظل شعور مستخدم الإنترنت بأنه لا أحد له سلطان على تصرفاته، فضلاً عما تسمح به الشبكة من إخفاء لشخصية المستخدم لقد أدت عملية الاستقطاب بين بعض الحكومات والشعوب العربية إلى ضعف الوعي بأهمية الحرية وثقافة المجتمع المدني، فالحرية ليست شعوراً خاصاً فحسب، وإنما نتيجة لتفاعل اجتماعي، يتبادل فيه الأفراد بالوسائل المناسبة تسهيل حصول كل منهم على مصلحته وحقوقه، فيكونون قادرين على الدفاع عن مصالح الوطن بإرادة واعية وحرية تامة.

أزمة الحرية اليوم تكمن في عدم ممارسة الفرد لقناعاته، وخضوعه للإملاءات الكثيرة على الصعد السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فيصاب بالانفصام، ويهرب من تحقيق حلمه وبناء ذاته إلى وهم ممارسة الحرية الإلكترونية وتحقيق البطولات الزائفة في الفضاء الإلكتروني، وتصبح ممارساتنا دون اقتناع، بعد أن أصبحت عبارات عدم الرضا والقلق والإحباط من مفردات خطابنا اليومي، والشك في كل شيء.

إن هناك حاجة الآن إلى الحفاظ على الحريات وحقوق الإنسان، وأن تكون غايتنا صياغة رؤية متكاملة لضمان الاستفادة الصحية من الحرية الإلكترونية "الافتراضية" من جانب، وتهيئة المناخ المناسب لنمو الحرية الواقعية من جانب آخر، وضمانات ذلك هي الإصلاح السياسي، واحترام كرامة الإنسان، ونشر المساواة والعدالة بين أفراد المجتمع لقد صرح توماس جيفرسون، الرئيس الأميركي الثالث، "بأن من يريد إسقاط أية أمة أو إنزالها إلى الحضيض، فما عليه إلا أن يكبح الحريات ويلجم الأفواه".

إن قمع الحريات في الحياة والاعتماد على البعد الإلكتروني وحده يمثل قمعاً للحاضر وضياعاً للمستقبل، ونشراً للفوضى، فالحرية تصنع العقل وتبني الإرادة المدركة الواعية التي تستطيع أن تتحمل مسؤولية التنمية الشاملة لقد أصبحت مجتمعاتنا في حاجة إلى إعادة صياغة علاقة بين الدولة والمجتمع والمواطن، ركائزها المساواة والعدالة والنزاهة والشفافية والمساءلة وسيادة القانون لبناء الشراكة المأمولة بين الجميع حكاماً ومحكومين، لنستطيع مواجهة التحديات والمخاطر والتهديدات الواقعية التي تحيط بنا.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad-23-12-2007