هل مصر مقبلة على الانفجار الشعبي الكبير؟!

 

 

إضرابات.. اعتصامات.. تظاهرات.. احتجاجات في كل مكان

تقارير وكالات الأنباء والصحف العالمية تنافس التقارير اليومية التي تنشر في الصحف المصرية المستقلّة والحزبية، ولا تنشر في صحف النظام الحاكم، وكلّها تتحدّث عن شيء واحد: حركة الاحتجاج الواسعة التي تشهدها مصر والتي لم يسبق أن شهدت لها مثيلاً في تاريخها الحديث لا يكاد المرء ينتهي من قراءة خبر اعتصام موظّفي الحكومة أمام مقرّ مجلس الوزراء، حتى يجد خبراً آخر عن وقفة احتجاجية للمحامين، أو تظاهرة لطالبات جامعة الأزهر، أو إضراب لعمال مصانع النسيج الكبرى أو.. أو.. والحركة الاحتجاجية مستمرة منذ فترة وتتواصل بانتظام، جعل الصحف الحرّة تخصّص لها مساحات شبه ثابتة كل يوم على مدار سنة كاملة!

هل هو انفجار الشعب المصري بفئاته المختلفة من قضاة ومحامين وأطباء وصحفيين وعمال وفلاحين وطلاب وأخيراً.. الموظّفين؟!

مساحات الصحف والقنوات الفضائية وتقارير الوكالات والصحافة العالمية، لا تكاد تخلو كل يوم من أحداث يعبّر بها الشارع المصري عن ضيقه واعتراضه واحتجاجه على النظام، الذي يحكمه ولا يهتم برعاية مصالحه أو تحقيق مطالبه..اجتاحت مصر على مدى سنة كاملة منذ نهاية العام الماضي وحتى نهاية ٢٠٠٧، موجة من الاحتجاجات الجماعية والتظاهرات والاضرابات، كان أبرزها إضراب عمال مصانع الغزل والنسيج في مدينة المحلّة الكبرى، الذي يعتبر بمثابة الشرارة الأولى التي توالت بعدها الاضرابات في مواقع أخرى في مدن شبين الكوم والسويس وميت غمر.. وإضراب عمال مطاحن جنوب القاهرة وعمال السكك الحديد والمعلمين.. وموظّفي الضرائب العقارية الذين استمر إضرابهم اثني عشر يوماً، وانتهى بعدما أمر الرئيس المصري أخيراً وزير المالية بالذهاب إليهم وقبول مطالبهم.

وهكذا ينضم موظّفو الضرائب العقارية إلى عمال المحلّة الذين استمر إضرابهم أسبوعاً، ولم ينفض قبل أن يذهب إليهم المسؤولون ويستجيبوا لمطالبهم وكان لافتاً أن أحداً من الوزراء، وبخاصة وزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالي، لم يهتم طوال الأيام الأحد عشر بالذهاب لملاقاة قيادات الموظّفين المضربين والمعتصمين بجوار مقرّ مجلس الوزراء، إلا عندما لفتت الجهات الأمنيّة النظر إلى خطورة الموقف.

جهة واحدة فقط أقدمت على الاتصال بالموظّفين المعتصمين هي المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يترأسه بطرس غالي آخر هو الأمين العام السابق لهيئة الأمم المتحدة، الذي أرسل بعثة لتقصّي الحقائق لاستيضاح الموقف، وطالب بسرعة التحرّك لإنهاء الاعتصام بتحقيق مطالب المعتصمين والغريب في الأمر أيضاً أن المجلس اتصل برئيس مصلحة الضرائب العقارية إسماعيل عبد الرسول، الذي أفاد بأنه متعاطف مع بعض مطالب موظّفيه!

موجة غير مسبوقة

وقالت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية في تقرير لمراسلها في القاهرة دان موروفي، إن إضراب موظفي الضرائب العقارية زاد في تنامي الاضطراب العمالي الذي يهدّد بإطلاق العنان لما أسمته الصحيفة «انفجاراً اجتماعياً» ضد نظام مبارك.

وأكدت الصحيفة أن النشاط العمالي المستقلّ محظور في مصر، مشيرة إلى أن الحكومة قامت في فترة الثمانينيات بقمع العمال المضربين، مما أدّى إلى مقتل العشرات منهم، وأضافت: «حدث بعد ذلك ما لم يكن متوقّعاً، فقد استمرت عشرات المصانع في إضرابها في الوقت نفسه من العام الماضي، وهي تلحّ في تنفيذ مطالب مشابهة لعمال المحلّة.. ومن ثم فازوا» وقال التقرير إن مسؤولي الحكومة استجابوا لمعظم مطالبهم والآمال تحدوهم، حسبما يؤكّد محلّلون، بأن تتجنّب الحكومة ظهور حركة عمالية مسيّسة في وقت تلقّى فيه نظام الرئيس مبارك ضربات من الصحافة المحلّيّة وجماعة الإخوان المسلمين وذكرت الصحيفة أن مصر شهدت موجة غير مسبوقة من الاضرابات والاعتصامات والتظاهرات في مصانعها، شملت ٣٠٠ منها تضم ما يزيد على ١٥٠ ألف عامل، وتصاعدت إلى حدّ وصفها فيه المؤرّخ العمالي جيول باينن بأنها «أكبر حركة جماهيرية منذ فترة الخمسينيات».

وخلال إضراب موظّفي الضرائب العقارية تجمّع ما يقرب من خمسين ألف منهم بالقرب من مقرّ مجلس الوزراء في قلب القاهرة، قادمين من مختلف محافظات وأقاليم مصر.. جاؤوا بنسائهم وأطفالهم وعاشوا ليل نهار في شارع حسين حجازي، وطالبوا بمساواتهم بزملائهم في مصلحة الضرائب العقارية بوزارة المالية، وإلغاء الازدواجية التي تفرض عليهم أن يتّبعوا وزارة المالية فنّيّاً والمحلّيات إدارياً، مما يترتّب عليه انخفاض أجورهم إلى الربع، مقارنة بزملائهم ..وعبّر الموظّفون المعتصمون، وهم أول فئة من العاملين في الحكومة تطلق صرخة الاحتجاج، عن رفضهم أسلوب تعامل وزير المالية مع قضيتهم وتجاهله مطالبهم وتحدّيه لهم، حيث صرّح في أحاديث صحفية بأنه لن يستسلم للضغوط و«لا يحب أن يلوي أحد ذراعه» وطالب الموظّفون المعتصمون بإقالة الحكومة التي تتجاهل مطالبهم العادلة، وتتهّرب من مواجهة مسؤولياتها، مشيرين إلى أن هذا التجاهل زادهم إصراراً على مواصلة الاعتصام.. وهدّدوا بأنهم سيقومون بمسيرة تضم ٥٥ ألفاً منهم تتّجه إلى مقرّ رئيس الجمهورية، لمناشدته التدخّل لحلّ أزمتهم.

وإضراب.. الأطباء!

ولم يتوقّف أمر الاحتجاج والاعتصام والاضراب على المحامين والمهندسين والصحافيين والطلاب والفلاحين والعمال والموظفين، بل امتد إلى الأطباء، فقد أكّد الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء، وهو عضو وقيادي في الحزب الوطني الحاكم، أن النقابة العامة للأطباء أعدّت برنامجاً لمدة شهر يستهدف عقد مؤتمرات في النقابات الفرعية، وإجراء العديد من الوقفات الاحتجاجية أمام مجلس الشعب (البرلمان) من أجل الضغط على الحكومة، لتنفيذ مشروع كادر الأطباء والارتقاء بالمستويين المهني والمادي للأطباء، كما أعلن عن عقد المؤتمرالأول العام بمشاركة جميع النقابات الفرعية تعقبه وقفة احتجاجية، وأن من المقرّر إجراء اعتصامات رمزية وإضراب جزئي على مدى الشهور المقبلة، من أجل تكوين رأي عام يتعاطف مع الأطباء ومن جانب آخر، أصدرت جماعة «أطباء بلا حقوق» بياناً دعت فيه الأطباء إلى الاضراب عن العمل والمشاركة في الوقفة الاحتجاجية، للمطالبة بانتزاع حقوقهم بالقوّة!

شرارة الغضب

وكشفت الباحثة الدكتورة «هويدا علي» أستاذة العلوم السياسية في جامعة العلوم والتكنولوجيا، في دراسة قامت بها لتحليل ظاهرة الاحتجاج في مصر، عن تضاعف أعداد الاحتجاجات والاضرابات المضادة للحكومة، وتكاثرها بصورة تقترب من الوباء، فقد كان عددها في العام ١٩٩٨ مئة زادت الى ١١٥ في العام ٢٠٠١، ثم تصاعدت الموجة بشدّة لتصل إلى ٢٢٠ في العام ٢٠٠٦، وسجّل العام المنصرم ارتفاعاً ملحوظاً في الاضرابات والاحتجاجات الشعبية لمختلف الفئات في مصر، فقد وقع في نيسان (أبريل) ٥٧ احتجاجاً، وفي تموز (يوليو) ٩٧، وفي أيلول (سبتمبر) ٩٤. وفي بحثها تقول أستاذة العلوم السياسية إن هذه الاحتجاجات بدأت في المناطق الصناعية المهملة، مثل كفر الدوار والمحلّة وشبرا الخيمة وحلوان.. لكن شرارة الغضب بدأت منذ عامين بعمال الغزل والنسيج في شركة إسكو بقليوب، احتجاجاً على بيع المصنع خوفاً على حقوقهم، وكانت توقّعاتهم صائبة، فقد انخفض عددهم بعد خفض العمالة، بعد خمس موجات من الاحالة على المعاش المبكّر والتقاعد، من ٢٤ ألف عامل إلى ٣٥٠٠ فقط، وهو ما جعل عمّال المحلّة يضربون عن العمل خوفاً من خصخصة مصانعهم، الى جانب مطالبتهم بزيادة الأجور وصرف مستحقاتهم وحل اللجنة النقابية وتقول الدكتورة «هويدا علي» إن المجتمع المصري لم يشهد مثل هذه الكثافة الاحتجاجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ويلاحظ الباحث الدكتور مجدي عبد الحميد في دراسة له عن «الاعتصام والاضراب كآليّة ديمقراطية»، أن جميع الاحتجاجات، بما فيها الاعتصام والاضراب عن العمل، قد جاءت بطريقة سلمية ومنظّمة وواعية، بحيث أنها لم تتجاوز أهدافها المعلنة، ولم تصب أدوات الانتاج بالمصانع وجهات العمل المختلفة بأي نوع من أنواع التخريب أو حتى الايذاء البسيط، على رغم أن جميع القيادات التي برزت من خلال الاحتجاجات، هي قيادات طبيعية من مكان العمل عينه، ومعظمها لم يسبق له الاشتراك في أعمال سياسية منظّمة سواء حزبية أو غيرها، مما يدل على ارتفاع الوعي الفطري لدى العاملين.

تظاهرات كل يوم؟!

الكاتب الصحافي «مجدي مهنا» علّق على ظاهرة التظاهرات والاحتجاجات فقال: ما معنى أن تخرج التظاهرات إلى الشوارع كل يوم، من الدواوين والمصالح الحكومية، ومن جميع الهيئات والفئات، تطالب بتحسين أجورها ورفع مستوى معيشتها.. يستوي في ذلك العمال مع الموظّفين في مصلحة الضرائب مع أساتذة الجامعات، مع شكوى الصحافيين ومطالبتهم بلائحة أجور جديدة أسوة بالمدرّسين.

المعنى واضح، أن الجميع يئن ويتوجّع ويشتكي من انخفاض مستوى المعيشة، ومن عدم القدرة على الموازنة بين الدخل وتدبير الحد الأدنى اللازم لمستلزمات الحياة وضروراتها، ثم إنني لا أتحدّث عن تظاهرات الخبز أو نقص المياه أو الصرف الصحي والمياه الجوفية، التي طاردت الأهالي حتى داخل غرف نومهم، وقد شاهدنا ذلك على شاشات الفضائيات، وحرمتنا شاشات التلفزيون المصري منه، وإن كانت هذه التظاهرات لها علاقة بالأولى التي تطالب بزيادة الأجور، وبوضع لوائح مالية جديدة، والمعاملة بالمثل مع زملائهم الموظّفين الذين زادت أجورهم في بعض المصالح.

وعن تفسير خروج التظاهرات تقول الحكومة، إن المرتّبات زادت بمقدار الضعف وهذا صحيح، ومع ذلك فالمقدار الذي زادت به الرواتب لا يتناسب مع الزيادات في الأسعار التي تزيد بنسبة ٢٠% على الأقلّ كل عام، بينما تزيد الأجور بنسبة ١٠% كحد أقصى.. أي أن نسبة الانخفاض في مستوى المعيشة تصل إلى ١٠%، ولو حسبت هذا الانخفاض على خمس أو عشر سنين، فإن هذا معناه أن مستوى المعيشة انخفض من ٥٠ إلى ١٠٠%، وهذا هو الذي يفسّر خروج التظاهرات مرة واحدة هذه الأيام.. فأي فئة أو طائفة تطالب بتحسين أوضاعها وزيادة أجورها، تشعر باقي الفئات والطوائف بأنها مطحونة هي الأخرى، وأنها لا تقلّ عنها معاناة، إلى الدرجة التي أوصلت أساتذة الجامعات للتهديد بالتظاهر والنزول إلى الشارع، إذا لم يحصلوا على وعد بتحسين أجورهم خلال أسبوعين.

ثم بعد كل هذا الظلم، هناك من يتحدّث عن العدل الاجتماعي، وعن الدعم وسوء استعماله.. مع أن الدولة في ظل حكومات الحزب الوطني، حوّلت الشعب  ـ إلا فئة قليلة لا تتعدى نسبتها ٥% ـ إلى مجتمع من الفقراء والشحّاذين الذين تجوز عليهم الصدقة.. ثم تتحدّث هي في بداحة عن خطط للاصلاح وارتفاع معدّلات النمو.. وكل هذا يكذّبه الواقع.. وتكذّبه التظاهرات اليومية!

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: almushahidassiyasi