من الوحدة... إلى المعاهدة

 

د. عبدالله العوضي 

 

 

الاتحاد الأوروبي لم يتعامل مع قضاياه المصيرية بصنمية، بل إن قمة المرونة والواقعية كانت عنوان التغيير الجذري في مسار الولايات المتحدة الأوروبية، الحلم الذي طال أمده قرابة نصف قرن من الجهود السياسية التي بذلت حتى توجت بالعملة الموحدة وتوسعت خلال تلك المسيرة حتى بلغت 27 دولة وهناك عشر دول أخرى من بقايا الاتحاد السوفييتي لا زالت على طريق الانضمام بعد أن تحقق الشروط اللازمة لذلك.

إلا أن العقبة الكأداء كانت في الدستور الموحد الذي رفض في استفتاء عام أجري قبل سنوات في فرنسا وهولندا، فلم يحصل على النسبة المطلوبة للفوز، والسبب كان معروفاً وكان مقنعاً لأنه لم يكن علمانياً، بل دينياً وهو ما لا يتفق مع كل مجريات الحياة الأوروبية بشكل عام ومنذ تلك الانتكاسة الدستورية، بذل قادة الاتحاد الأوروبي جهوداً مضنية للتوصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها لاستكمال مشوار الوحدة الأوروبية بصورة مختلفة عن ذلك الحلم البعيد، وهو ما تم مؤخراً باتفاق جميع القادة على النزول درجة واحدة عن سلم الدستور الموحد والرضا بالواقع المتغير بالمعاهدات التي سوف تربط هذا الاتحاد في المرحلة المقبلة، دون المساس بأي مكتسب قد تم إنجازه خلال العقود الماضية من عمر الاتحاد. هذا وقد تم الاتفاق على تفاصيل هذه المعاهدة المستجدة في قمة "لشبونة" الأخيرة.

هذا التغيير لابد لنا من الوقوف عنده، إذا أردنا نحن في العالم الثالث الوصول إلى صيغة مشتركة من التعايش فيما بيننا، بدل هذا التشرذم المقيت في عالم لا يعترف إلا بالتكتلات الصلدة والقوية والمؤثرة في عالم السياسة والاقتصاد وغير ذلك من شؤون الإنسان الكوني.

في العالم العربي والإسلامي هناك منظمات ومؤسسات تجمع لمام الشعوب بطريقة غير فاعلة، بحيث إنها لم تصل إلى درجة الاحتواء على مشاريع ضخمة تدفع بالأمة في سعيها نحو الصعود السلس في جميع المجالات فالجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي وغيرها من الترابطات البينية الجماعية أو الثنائية، بحاجة إلى إعادة نظر دقيق لمعرفة مدى جدواها في التغيير المنشود وفق منظار العولمة بعيداً عن الذاتية الضيقة.

فلا ينقصنا لحدوث ذلك لا الرجال ولا المال فكلاهما ثروات غنية وقادرة على إحداث تقلبات جذرية وباب الاستفادة من خبرات الآخرين مفتوح على مصراعيه، فلماذا لا نفكر في مصلحتنا التي لا تنفصل بأي حال عن مصالح الآخرين، فالخيط الرفيع بينها لا يكاد يرى في عالم يقدم نظرية المصالح على أشواق المبادئ.

إن التفكير في وسائل جديدة واستراتيجية مستحدثة مهم للغاية ونحن نلحظ ما يحدث لدى الأمم الأوروبية باختلاف مكوناتها الجزئية إلا أنها متفقة على الخطوط العريضة للتلاقي الحي، والانتقال من حال الوحدة الأوروبية إلى صفة المعاهدات لن يخل بميزان الوحدة في معناها العام وإن تغيرت وسائل الوصول إلى ذلك الهدف السامي فالمطلق غير متوفر في السلعة السياسية التي يراد لها الترويج، ما دامت النسبية هي التي تخترق جدار المصالح المشتركة مع الحفاظ على الخيط الرفيع للتعاون اللازم، إضافة إلى التمسك بألوان الطيف السياسي السائد في المجتمعات الأوروبية المنضوية تحت لواء المعاهدة الجديدة أو التي ستلتحق بها في المستقبل.

فالتجارب الوحدوية، كلما بعدت تطبيقاتها عن عملية الاستنساخ كانت المنافع فيها أدوم، والتجربة التي أمامنا خير شاهد على ذلك، بدل أن تضيع الجهود الوحدوية سدى، فالبدائل لابد وأن تكون حاضرة في المشهد الأوروبي ونؤكد على مقولة إن الحلول للإشكالية الواحدة، ينبغي أن تتعدد في المعالجات المستعصية أحياناً حتى لا نقع أسرى الأنفاق المظلمة في التفكير والتفعيل.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-22-12-2007