ألأمريكيون يتسائلون: كيف نفعِّل الرقابة على الاستخبارات؟

 

تيم رومر

 

 

تلقد طفحت فضيحة استخبارية جديدة أخرى في واشنطن، على إثر كشف وكالة "سي آي إيه" عن إتلافها لشرائط فيديو تضمنت تحقيقاً مع متهمي تنظيم "القاعدة" وليست هذه الأخيرة سوى امتداد لسلسلة الفضائح الاستخبارية التي ظلت تتوالى منذ هجمات 11 سبتمبر وما إن تشيع الأنباء عن مؤشرات على سوء سلوك ما في الجهاز التنفيذي، سواء كان تنصتاً غير مشروع على مكالمات المواطنين، أم سجوناً سرية أم إتلاف أشرطة تحقيقات، حتى ترى العيون كلها وقد اتجهت نحو لجنة الاستخبارات التابعة للكونجرس بعدد من الأسئلة الباحثة عن إجابات: مَن كانوا على علم بهذا الأمر؟ ومتى علموا؟ وماذا فعلوا إزاءه؟ وفي توجيه مثل هذه الأسئلة إدراك من المواطنين الأميركيين لحقيقة أن جزءاً من الواجبات الملقاة على عاتق الكونجرس، هو ممارسة دور رقابي على أي إساءة محتملة للسلطات الواسعة التي يتمتع بها الجهاز التنفيذي، لاسيما في مسائل الحرب والأمن القومي. ولذلك فإن في محاولة تحديد أي عضو من أعضاء اللجان التابعة للكونجرس كان على علم مسبق بسوء السلوك المعين، وما الذي قام به للحيلولة دون وقوع تلك الإساءة أو الخطأ، تجاهلاً للإطار الأوسع للمشكلة. ذلك أن التركيبة الحالية للجان الاستخبارية التابعة للكونجرس، تشير إلى وجود خلل كبير فيها، وإلى افتقارها للوسائل والأدوات اللازمة لجعلها لجاناً فاعلة في هذا المجال.

ولسوء طالع هذه اللجان - سواء التابعة منها لمجلس الشيوخ أم النواب- فإن مسؤوليتها إزاء العمل الاستخباري، لا تعني تمتعها الآلي بالسلطات المناسبة. فخلافاً للجان الكونجرس الأخرى، التي تتمتع بتخويل ممارسة سلطاتها على الوكالات والأجهزة الحكومية التي تتولى مهام الرقابة عليها، تحرم اللجان الاستخبارية من العديد من السلطات وأدوات النفوذ الرئيسية، بسبب الطبيعة السرية لمهامها. وعلى سبيل المثال، فإنه ليس في مستطاع اللجان الاستخبارية التابعة للكونجرس، تحذير الرأي العام عبر التعبئة الصحفية والإعلامية، من مغبة أخطاء محتملة للجهاز التنفيذي، بسبب الطبيعة السرية المصنفة للمعلومات التي تتلقاها هذه اللجان، وهي معلومات لا يجوز الكشف عنها بالطبع.

وللسخرية فإن هذه اللجان الاستخبارية التي نتطلع إليها عندما تقع الأخطاء والتجاوزات، هي الأقل تمتعاً باتخاذ القرارات المتعلقة بأوجه صرف الأرصدة المالية الاستخبارية. وللغرابة فإن الكلمة النهائية في هذا الأمر هي للجان الفرعية التابعة لوزارة الدفاع! وبسب النقص الوظيفي الذي تعانيه اللجان الدفاعية الفرعية هذه، إلى جانب انشغالها بإدارة ميزانية وزارة الدفاع الضخمة البالغة 600 مليار دولار، فإنها تعجز عن توفير الوقت والموارد اللازمة لإعطاء العمل الاستخباري الاهتمام الذي يستحقه، على رغم حقيقة أن تمويل هذا العمل، يجيء في مقدمة أولويات إنفاقنا، لما له من أهمية قصوى في حماية أمننا القومي. وما لم تسد هذه الفجوة القائمة بين مسؤوليات توزيع مخصصات التمويل الدفاعي من جهة، وتوفير الميزانيات والموارد المالية اللازمة للعمل الاستخباري، يظل أمننا القومي عرضة لمخاطر جديدة متعاظمة في عصر الإرهاب الدولي هذا، ليس أقلها الحرب الإلكترونية، والتفجيرات الانتحارية، والمتفجرات والقنابل القذرة. لكن في المقابل، فإن توسع السلطات التي حظيت بها الأجهزة الاستخبارية الأميركية عموماً في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، لابد من أن يقابله توسع آخر في الرقابة التشريعية المفروضة عليها من قبل الكونجرس.

توسع السلطات التي حظيت بها الأجهزة الاستخبارية الأميركية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، لابد من أن يقابله توسع آخر في الرقابة التشريعية فما الذي يجب فعله لسد هذه الفجوات والثغرات في أداء أجهزتنا الاستخبارية؟ نذكّر هنا بأن تقرير لجنة التحقيقات في هجمات 11 سبتمبر، كان قد أوصى بوضع حد لعجز الكونجرس عن ممارسة الرقابة الصارمة على هذه الأجهزة، باعتباره إحدى أهم الخطوات الحاسمة التي ينبغي على الحكومة الأميركية اتخاذها. والمؤسف أن اعتقادنا بأن إصلاح رقابة الكونجرس على الأجهزة الاستخبارية سيكون من بين أكبر التحديات التي سيواجهها الكونجرس مستقبلاً، قد ثبتت صحته الآن.

وكان تقرير لجنة التحقيقات في هجمات 11 سبتمبر قد أوصى أيضاً بأهمية تمكين الأجهزة الاستخبارية ومنحها سلطات توزيع المخصصات المالية للعمل الاستخباري، أي منحها بعض سلطات المحفظة المالية. وفيما لو تمكن الكونجرس من الدمج بين سلطات المحفظة المالية هذه، ونفوذ الأجهزة الاستخبارية في لجنة واحدة، فإن من شأن هذا الترتيب الجديد أن يحدث تحولاً كبيراً في تركيب وبنية اللجان الاستخبارية، وذلك بمساواتها ببقية اللجان الأخرى التابعة للكونجرس، التي تتمتع بنفوذ كبير على الأجهزة والوكالات الحكومية التي تتولى مهمة الرقابة على أدائها.

ومما يحسب إيجاباً لمجلس النواب، أنه اتخذ خطوات فعلية وجادة نحو إصلاح أداء لجنته الاستخبارية، وذلك باختياره لجنة تابعة له أوكلت لها مهمة تخصيص الموارد المالية اللازمة للعمل الاستخباري. ولكن على رغم تعاظم جهود الرقابة التي تبذلها اللجنة الاستخبارية التابعة لمجلس الشيوخ، إلا أنه لم يتخذ بعد خطوة إصلاحية مماثلة لتلك التي خطاها مجلس النواب في هذا المجال. ولا يزال يتعين عليه أن يخطو هذه الخطوة الضرورية.

وإذا كانت الفقرة الأولى من البند الأول من بنود الدستور الأميركي، قد نصت على أن الكونجرس هو الجهاز الأول من أجهزة الحكم الأميركي، فإنه لابد له من أن يتمتع بكونه الجهاز الرقابي الأول، القادر على حفظ توازن شتى الأجهزة التنفيذية في البلاد، بما فيه خدمة مصالح كلا الجهازين التشريعي والتنفيذي، وبما فيه خير الولايات المتحدة الأميركية كلها.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihad-22-12-2007