المؤلّف الرئيسي لتقرير التنمية الإنسانية العربية: نظام مبارك يحاول إطالة عمره.. لكنه سيسقط لا محالة

 

 

«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك»

هناك حكمة عربية قديمة لا يفهمها أحد وهو في السلطة تقول «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك».. بهذه الحكمة استشهد الدكتور نادر الفرجاني خبير التنمية الدولي المشرف والمؤلّف الرئيسي لتقرير التنمية الإنسانية العربية الذي وزّعت منه أكثر من مليون نسخة، عندما كان يحلّل سلوك «الشلّة» ـ كما يسمّيها ـ التي تحكم مصر الآن وتتحكّم فيها ويضيف: هذه الشلّة المتحكّمة في مجريات الأمور الآن، تتصوّر أن كل شيء على ما يرام لحين انهيار عروشهم، وهناك تعبير جميل لكاتبة غربية تقول «في النظم المستبدّة كل شيء على ما يرام حتى الدقائق العشر الأخيرة»! بمعنى أنهم يظلّون على اعتقادهم بأنهم مخلّدون وقابضون على السلطة إلى الأبد.. إلى أن تنهار من تحتهم عروشهم. وهذا نوع من أنواع القصور البشري لدى من يرتقي مواقع السلطة، وخصوصاً إذا كانت سلطة مطلقة، ومن يفسد فساداً مطلقاً فيتصوّر أنه باق إلى الأبد.

وهناك نقطة أخرى في غاية الأهميّة، وهي أنه أحياناً إذا كان الشخص المستبدّ نفسه يعرف أنه لن يبقى في مكانه مدى الحياة، يحاول طبقاً لمفاهيم الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي أن يورث نجله أو نسله الطبيعي هذه السلطة أو الثروة، ومن هنا نستطيع أن نفهم الميل إلى التوريث في أنظمة الحكم المستبدّة، وهو نوع من محاولة البقاء للاستمتاع بالسلطة والثروة، لأنهم يعرفون بلا شك أن الشخص نفسه زائل لا محالة.

وهل أصبحت مصر ملكاً خاصاً لـ«الشلّة الحاكمة» كما أسميتها؟

لقد أصبحت كذلك للأسف إلى حد كبير، وهذا هو العيب الأساسي في مسألة التوريث، فمن حيث المبدأ هناك إهدار للنظام الجمهوري الذي هو مثل جيد في نظم الحكم، وتحويله إلى ملكية وراثية من دون أي مبرّر منطقي أو حقيقي لا للوريث ولا للمورث.

هل تعتقد أن جمال مبارك سيأتي بعد رحيل والده؟ وهل يتم التوريث بعد وفاة المورث أم قبل ذلك؟

هذا أمر شكلي، لأن المأساة الحقيقية هي أن ولي العهد يحكم الآن فعلاً.. وبالتأكيد يتحكّم في الجهاز التنفيذي للدولة رغم أنه لا يتولّى أي منصب تنفيذي فيه، ومع ذلك هو الذي يعيّن رئيس الوزراء ويعيّن الوزراء ومحافظي البنوك، وهو حالياً يقوم بالحكم ويحكم فعلاً.. وهذا التوريث واضح وفاجر، ولكنه للأسف حاصل. ومع ذلك يبقى السؤال: هل سيمضي هذا التوريث حتى النهاية أم لا؟ فهذه رؤية محلّ للنظر، ولكنها بديل وارد جداً، وهو ما أطلقت عليه طريق الندامة.

ما العمل الآن أمام القوى الوطنية المعارضة لهذا الطريق؟

الحل هو أن تحدث صحوة سياسية في مصر عن طريق إئتلاف بين القوى السياسية الوطنية، تعمل فيما بينها للتخلّص من نظام الحكم الحالي وإعادة بناء نسق الحكم بشكل قانوني، يحقّق نظاماً مؤسسياً ديمقراطياً صالحاً وعلى المعارضة أن تتوحّد وتتآلف وتنسّق عملها لأنها الآن ضعيفة، والسبب الأساسي في ضعفها هو تشتّتها، والنظام بالطبع حريص على أن تظلّ كذلك دائماً، بل استطاع أن يجعل بعض عناصرها يعملون ضد العناصر الأخرى مثل رئيس حزب التجمّع الذي يعمل ضد الإخوان.

فالمدخل الحقيقي هو تآلف القوى الوطنية المعارضة لنظام الحكم القائم، فإذا كانت «الشلّة الحاكمة» مصمّمة على الاستمرار في السلطة واحتكار الثروة وحرمان باقي الشعب، فهنا لا بد من أنه سيقوم صراع اجتماعي عنيف ينتهي بسقوط هذا النظام.

الشعب متّهم.. بالسلبية

ولكن هناك من يتّهم الشعب المصري بالسلبية.. والصمت! برغم ما يعانيه من مظالم ومتاعب وفقدان للحرّيّات وتعرّض للتعذيب، فهل هو مقتنع بالصمت والسلبية؟!

الشعب المصري ليس سلبياً ولكن كل شعب له مزاجه وأسلوبه في الحركة، كما أن الشعب المصري بالفعل غير مقتنع بالسكوت، وأبسط مثال على ذلك هو امتلاء السجون المصرية بهذا العدد الضخم من المعتقلين السياسيين، ولو كانوا صامتين لما كان هناك مواطنون يفرج عنهم القضاء، ثم تعتقلهم الداخلية مرة أخرى بأمر مباشر منها.ولكن هؤلاء المعتقلين هم من جماعة الإخوان المسلمين.

هذا صحيح، ولماذا نستبعد الإخوان من الشعب.. إن الإخوان هم أهم قوّة سياسية في الشارع المصري الآن وهناك أطياف واسعة من القوى السياسية المختلفة ولا بد في النهاية من أن يبنوا إئتلافاً فيما بينهم، يكون الإخوان جزءاً أساسياً فيه، لأنه في تقديري الشخصي أن مصير التآلفات التي تستبعد الإخوان لا يبشّر بالخير؟

وكيف ترى سيناريو حركة مثل هذا التآلف؟

نقطة البداية لا بد أولاً من أن تكون بالدعوة إلى تآلف القوى الوطنية المعارضة للنظام الحالي، فنتيجة لاستمرار النظام في استخدام ذكائه الشرير وإفقاره الناس وحرمانهم الحرّيّة، بدأت تظهر أشكال من المقاومة والاحتجاج كانت غائبة عن المجتمع المصري مثل الاعتصامات والاضرابات العمالية، ومثل أشكال الاحتجاج العنيف الذي ظهر في البرلس وسيناء وغيرهما.. إذن فالمنطق بسيط جداً، فإذا كان نظام الحكم القائم يعمل على حرمان الناس السلطة والثروة، ويصرّ على أن ينتج يومياً تراكمات من مظالم ضخمة، فلا يوجد إلا طريقان للتغيير، إما أن يكون سياسياً سلمياً على أن يكون فعّالاً في الوقت نفسه، وإما أن يسترجع الشعب هذه الأشكال الاحتجاجية العنيفة! وأتصوّر في تقديري أن ما يحدث الآن جعل الناس مضطرين نتيجة الافقار والحرمان من الحرّيّة إلى استعادة الأشكال الاحتجاجية العنيفة مرة أخرى.

وما هي توقّعاتك لتطوّر الأمور على المدى البعيد؟

أعتقد أن النظام يحاول أن يطيل أجله إلى أبعد مدى ممكن ولأطول فترة زمنية، ولذلك أرى في تقديري أنه مع الاستمرار في سياساته الحالية سيقع في شرّ أعماله، وسيحصد العديد من أشكال الاحتجاجات العنيفة التي ستنتهي بزوال هذا النظام وسيسقط لا محالة، ولن ينفعه في هذا الوقت الدعم المتصوّر من الخارج، لأنه يغيب عن كل المستبدّين أن الولايات المتحدة على وجه التحديد لن تدعم عميلاً استبدّ بشعبه قط عندما تأتي لحظة النهاية..وهناك أمثلة على ذلك، فأميركا مثلاً لم تدعم شاه إيران ولا العراق ولا أي أحد مستبدّ على الاطلاق.. فشاه إيران في النهاية انتهى ولم يجد مكاناً يعيش فيه، كما لم يجد مكاناً يدفن فيه أيضاً، رغم أنه كان أهم عملاء أميركا عندما كانت أميركا تبني إيران، لكي تكون القلعة الأساسية لحماية المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

الفساد.. منظومة متكاملة

كيف ترى الى حال الفساد في مصر.. هل هو فساد سياسات أم أشخاص؟

إنها منظومة كاملة متكاملة تحتوي على شخوص ولها أدوات منها السياسات والقوانين والتعديلات الدستورية الأخيرة التي تنتهك الحرّيّات، رغم أن الدور الأساسي للدستور باعتباره الوثيقة القانونية الأهم هو الحفاظ على الحرّيّات، ولكن تلك الشلّة هدفها الآن تقييد الحرّيّات داخل الدستور كي يبطل الدفع بعدم دستوريتها. إذن هناك منظومة فساد وإفساد متكاملة وليست قاصرة على الشخص المستبد الأول أو من يعدّه لخلافته، وإنما هناك بطانة كاملة أيضاً من الأفراد ومجموعة أصحاب المصالح الكبرى المستفيدة، والضالعة في الفساد والتي تحاول باستمرار أن يكون لها يد في السلطة.

ومع ذلك هناك انتقادات قويّة في الصحافة المستقلة والمعارضة لمظاهر الفساد على صفحات هذه الصحف.. ولا بد من أن الحكّام يقرأون.

أعتقد أنهم لا يقرأون ولو قرأوا فلن يفهموا.. ويكفي أن رأس الدولة قال بفخر إنه لا يقرأ.. فهل يقرأ الباقون؟ وليس هذا فحسب، بل إن رأس الدولة الذي أعلن كثيراً أنه لا يقرأ، توقّف أيضاً عن الاستماع.. لسبب بسيط وهو أنه يعتقد أن لديه الحكمة النهائية، رغم أنه كان في بداياته يستمع إلى الجميع، وكان يطلب شخصيات من المعارضة ومن اليسار ويسألهم ويستمع إليهم.. ولكن خلاص انتهى هذا الأمر وتحوّل باستعداده الطبيعي إلى شبه إله له بطانة، ومن ثم لم يعد يقرأ ولا يسمع أيضاً!

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: Almushahidassiyasi