الـ «سي آي إيه» والكونغرس.. وأساليب التحقيق القاسية

 

ديفيد اغناتيوس

 

 

يبدو أن النظام الذي وضع في السبعينات لإشراف الكونغرس على وكالات الاستخبارات متعطل عن العمل. فنحن، حتى الآن، نحصل على أسوأ مزيج من ندرة المراقبة البرلمانية للأداء وفحص إساءة الاستخدام من جهة، ومن جهة ثانية، هناك فيض من المعلومات يلي كل تغطية، وهذا ما يشل ويضعف الجواسيس. فالكونغرس يبارك بصمت التحقيقات الجارية حول أساليب التحقيق القاسية التي اتبعتها وكالة الاستخبارات المركزية، على سبيل المثال، ثم يستنكرها لاحقا حينما تكشف تلك الممارسات للجمهور. كان من المفترض أن تسير الأمور باتجاه معاكس: حينما تأسست لجنتا الاستخبارات التابعتان لمجلسي الشيوخ والنواب عام 1975 بعد الكشف عن ممارسات مغلوطة، ساد اعتقاد بأن الكونغرس سيوفر محاسبة مستقلة لكن سرية. وكان من المفترض أنه يخبر المسؤولين المنتخبين عن النشاطات القذرة، مع فهم أنهم سيحتفظون بسرية المعلومات مثلما هو الحال مع أوساط الاستخبارات نفسها.

كان من المفترض أن تمثل أوساط الاستخبارات الحزبين السياسيين. ولتجنب تبادل المنافع الشخصية تقرر أن تكون اللجان غير دائمة في البداية. وظنت قيادة الكونغرس آنذاك أن أي شخص لن يستطيع العمل لفترة طويلة في لجان الاستخبارات لأن الاعضاء لن يتمكنوا من التحدث عما يقومون به خلال كل تلك الفترة.

بقراءتك لصحف الأسبوع الماضي تكتشف أن هذا النظام متعطل. إذ كان الهدف من تأسيسه وضع حدود واضحة للانشطة الاستخباراتية ثم تقديم دعم سياسي ثنائي (من قبل الحزبين) للميدانيين الذين يؤدون العمل القذر. بدلا من ذلك سمحت العملية بالممارسات التي نظر إليها في الفترة الأخيرة باعتبارها خروقا، ثم حالما تسربت الأخبار، بدأت تشجع على تغذية توجيه الإدانات ضد وكالات الاستخبارات. وجاء الكشف عن هذه الخروق وغياب الإشراف البرلماني في تقرير نشر الاحد لجوبي واريك وادن اغن في صحيفة «واشنطن بوست»، حيث وصف كاتباها جزءا من الخلفية التي وفقها تمكنت «سي آي إيه» من تدمير «أشرطة الرعب» التي تم تسجيلها خلال التحقيق مع بعض إرهابيي «القاعدة» في سبتمبر 2002، وكان هناك أربعة من أعضاء لجنتي الاستخبارات التابعتين، بمن فيهم رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي، يقومون بجولة افتراضية في مرافق التحقيق التابعة للـ «سي آي إيه» والخاصة بالتحقيقات خارج الولايات المتحدة. وسمع هؤلاء وصفا دقيقا لبعض الأساليب القاسية التي استخدمت بما فيها طريقة «الإغراق ـ التعذيب بالماء لانتزاع اعترافات من المتهمين» سيئة السمعة.

وقال مراسلا «واشنطن بوست» في تقريرهما إنه من «بين أولئك الذين أعلموا من أعضاء الكونغرس فهموا جيدا ما كانت سي آي أيه تقوم به. ولم يكن رد الفعل في الغرفة مؤيدا فقط بل مشجعا»، حسبما قال النائب السابق بورتر غوس لمراسلي الصحيفة. فهو حضر جلسة الإعلام عام 2002 مع بيلوسي باعتباره رئيسا للجنة الاستخبارات التابعة لمجلس النواب. ثم عمل لاحقا ما بين عامي 2004 و2006 مديرا للـ «سي آي إيه». ونقلت الصحيفة عن مصادر قولها إن مسؤولين من «سي آي إيه» اعطوا ما يقرب من 30 جلسة إطلاع للجنتي الاستخبارات التابعتين للكونغرس تتعلق بأساليب التحقيق قبل أن تصبح طريقة «الإغراق» معروفة للجمهور في عام 2005. ولا بد من إطراء النائبة جين هارمان التي بعثت برسالة سرية تحتج على جوانب من برنامج التحقيق الذي تتبعه «سي آي إيه» حينما حلت محل بيلوسي عام 2003 ككبيرة ممثلي الحزب الديمقراطي. كان على الكونغرس من خلال مراجعته أن يمنع أسلوب «الإغراق» فهو شكل من التعذيب، وما كان على الـ «سي آي إيه» أن تستخدمه. لكن مناخ عام 2002 الملتهب جعل حتى الأعضاء الليبراليين في الكونغرس يستمعون إلى جلسات الاطلاع من دون إثارة أي قدر من التنبيه. وذلك يجب أن يكون تحذيرا ضد أي طرف يسعى إلى توجيه الاتهام ضد الطرف الآخر. يمكن القول إن عملية إشراف الكونغرس على نشاطات وكالات الاستخبارات قد تعرضت للعطب بطريقة أكثر عمقا: أصبحت لجنتا الاستخبارات التابعتان للكونغرس مسيَّستين. فأعضاء الكونغرس وموظفوه يشجعون العداء لضباط الاستخبارات الذين لا يحبونهم، مثلما حدث مع غوس حينما جلب مساعديه في الكونغرس معه إلى وكالة الاستخبارات المركزية حينما عين رئيسا لها. وحوَّل الطعن المتبادل عالم الاستخبارات إلى سيرك سياسي إلى الدرجة التي أصبحت الحكومة معها متخوفة من كشف أي أسرار من كل ذلك يتضح أن نظام مراقبة وكالات الاستخبارات من قبل الكونغرس في حالة خلل دائم، وعلى أي إدارة رئاسية مقبلة أن تفكر في إصلاحه.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aawsat-16-12-2007