العرب وحكومات الوحدة الوطنية

 

جابر حبيب جابر

 

 

أفرزت السنوات الأخيرة ثلاث تجارب عربية لتشكيل حكومات وحدة وطنية بعد عمليات انتخابية برلمانية في كل من العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية. وبقدر ما تشابهت ظروف النماذج الثلاثة عند تشكيل هذه الحكومات، تشابهت للأسف أزماتها ومآزقها والتي أوصلتها عموما الى حالة من الانقسام الداخلي العميق. البعض من الذين يميلون الى تسطيح الأشياء يرمي باللوم على الديمقراطية والانتخابات متمسكا بشعارات ثبت عدم مصداقيتها من قبيل ان لا انتخابات حرة في ظل الاحتلال رغم ان التاريخ العربي تحديدا اثبت أن أفضل الانتخابات التي شهدتها البلدان العربية هي تلك التي جرت في ظل وجود قوات أجنبية، هذا ان تجاهلنا التجارب الألمانية واليابانية والكورية. إنني ازعم ان الفشل يرتبط بطبيعة الثقافة السياسية العربية غير القادرة على التحرر من احاديتها وعجزها عن التفاهم مع الآخر المختلف حتى لو كان شريكا وطنيا.

في التجارب الثلاث المذكورة أنشأت حكومة الوحدة الوطنية وسط أجواء احتفالية تنطوي على وعد زائف ببلد متحد ومستقر غير ان الأمر لم يستغرق وقتا طويلا لتنكشف الحقيقة عن شركاء متخاصمين حول كل شيء، في لبنان انتهت حكومة الوحدة الوطنية بانسحاب وزراء حزب الله، وأصبح انتخاب رئيس جديد مناسبة أخرى للتعبير عن الانقسام الحاد، وفي فلسطين حلت حماس وفتح صراعهما على السلطة عبر سيطرة كل منهما على جزء من الارض التي يفترض انها نواة لدولة فلسطين المستقلة «الموحدة»، وفي العراق انتهت حكومة الوحدة الوطنية مع انسحاب جبهة التوافق قبل عدة اشهر. لم تكن الحكومة في هذه الحالات سوى اطار فضفاض تجري في داخله صراعات الشركاء ـ الفرقاء التي سرعان ما تنفجر الى انقسام حاد يصعب على البيت الحكومي المزعوم استيعابه.

قوى 8 آذار و14 آذار في لبنان، الشيعة والسنة والأكراد في العراق، حماس وفتح في فلسطين، كل ينطلق من موقف آيديولوجي أو قومي أو طائفي حاد يتجلى سياسيا في مباراة صفرية يصبح فيها أي مكسب يستحصله فريق خسارة للآخر، وبالطبع تجد السياسات والأجندات الإقليمية والدولية في رخاوة وتفكك وسيولة هذه المناطق المتأزمة متنفسا للتعبير عن اراداتها المتناقضة وتوظفها كجبهات خارجية للنأي بالصراع عن حدودها الداخلية وأوراق لتفاوض مستقبلي محتمل، ويتحالف كل طرف داخلي مع قوة خارجية ليعزز وزنه السياسي فيتم اثقال الأجندات الداخلية المتصارعة بأخرى خارجية وسط اتهامات متبادلة بعدم الوطنية وأحيانا العمالة والتخوين وكل يشكل مفهومه ومعاييره للوطنية بحسب ما تقتضي مصالحه التي ينظر اليها على انها تمثل مصلحة الوطن المصادر دائما لخدمة أهداف المتصارعين.

يختلف الفرقاء في «حكومة الوحدة الوطنية» على المبادئ فيغادرونها في الغالب للتساوم على الشكليات، كل طرف يتخذ موقفا مغايرا لموقف الآخر في قضايا مصيرية مثل الاحتلال والصراع الإقليمي والهوية الوطنية، وينتقل الصراع من المبادئ والأولويات الى الوسائل والأدوات وتصبح قضية مثل مقاومة الاحتلال عاملا تقسيميا آخر لأن الأطراف لا تنطلق من موقف موحد في تعريف الاحتلال، كما انها تختلف في تعريف ما سبقه وما يفترض ان يليه، وتغدو «المقاومة» جزءا من الحرب الداخلية الهادفة لتعظيم نفوذ هذا الطرف او ذاك، وغالبا ما تستخدم حجة المقاومة ذريعة لتوطيد القوة العسكرية الداخلية الميليشيوية لتكون جزءا من ادوات الصراع بين اطراف تخوض اللعبة الديمقراطية دون إيمان حقيقي بها، وهي تدخل الحكومة أحيانا لتجردها من قدرة الفعل المستقل بدلا من ان تدعمها.

في هذه البلدان تجد ان الزعيم الطائفي أو القومي أو الآيديولوجي اكثر قوة من رجل الدولة حتى لو كان رئيسا للوزراء، لأن الدولة في النهاية اضعف من أجزائها، هي رهينة لهم اكثر من كونها اطارا يحتويهم. تتعاطى هذه القوى مع بعضها بنزعة انانية تمارس السياسة بمفهوم ادارة الصراع لا اقامة الاستقرار، وتغدو مؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها موضوعا لصراع الطوائف والآيديولوجيات وليس إطارا لتحييده. «الدولة» هنا هي الطرف الأضعف لأنها تعجز عن ان تجد لنفسها مساحة وسط خطوط التقسيم الحادة التي تتحول في ما بعد الى انقسام جغرافي.

فالملاحظ ان حكومات «الوحدة» هذه، من الناحية الفعلية، لا تمتلك حدا أدنى من المشتركات التي يحتاجها اي بلد وأي عملية سياسية قابلة للحياة، بل ربما حتى لا تتفق على اساسيات الدولة او حتى عناصرها أو وظائفها التي قامت من اجلها الدولة، فالفرقاء في هذه الحكومات يختلفون حتى في مفهوم السيادة كأس للدولة وما يستتبعه من عدم السماح للأطراف الاجنبية بالتدخل في الشأن الداخلي لان الدولة هي صاحبة الولاية في شؤونها على كامل اقليمها، فكل فريق لا يرى في تدخل حليفه الأجنبي أمرا يخل بالسيادة، بل يرى ذلك في حليف خصمه، كذلك في وظيفة الدولة وفي ان تكون هي وحدها المحتكرة للقوة الشرعية حيث تقوم بعض اطراف حكومة الوحدة الوطنية بمنازعة الدولة اختصاصها عبر الاحتفاظ بأذرعها وتنظيماتها المسلحة، فتمارس العمل الحكومي والكفاح المسلح في آن واحد، تستفيد من الشرعية الديمقراطية وعينها على شرعية المقاومة، كما يلاحظ انها لا تتفق على سياسة خارجية واحدة حيث تجد الأطراف الحكومية نفسها حرة في تحالفاتها الخارجية، بل تذهب كما يشاهد في نماذج حكومات الوحدة الوطنية الثلاث في منطقتنا الى ان تتحالف مع اطراف اقليمية متناقضة، بل متصارعة، اما لجهة المنجز الحكومي والسياسات المنتظرة فهي غائبة ومعطلة ما بين مقاطعة وتعليق، او اعاقة بذريعة الاشتراك في القرار والذي لا يستهدف دفع العمل الحكومي، بل يستبطن التمتع بحق الفيتو وكأننا في مجلس الأمن وليس في حكومة.

يعزو البعض الانقسام السياسي الحاد في العراق ولبنان الى قوة تأثير العامل الطائفي والقومي، ولكن ماذا عن الانقسام في الأراضي الفلسطينية حيث لا فروق طائفية او قومية؟ الحقيقة ان الأمر يرتبط الى حد كبير بالثقافة السياسية العربية التي لم تبلغ بعد رشدا يؤهلها لإدارة الصراع الاجتماعي وفق آليات دستورية وقانونية راسخة، فالصراع والاختلاف ليس معضلة بحد ذاته اذ لا يوجد بلد في العالم يخلو منه ولا توجد امكانية للتطور والتجديد بدونه، لكن المعضلة تكمن في بناء المؤسسات وإقامة الآليات القادرة على ان تكون مرجعية يحتكم اليها من قبل جميع الفرقاء لا أن تكون ساحة للتنافس بينهم.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aawsat-16-11-2007