دروس الانتخابات الروسية: الاستقرار أم الديمقراطية

 

 

الانتخابات الاخيرة التي شهدتها روسيا كانت نموذجا آخر للديمقراطية الموجهة، او ما يعرف بالديمقراطية بدون مخاطرة، حيث تمت ادارتها بطريقة تفضي الى النتيجة المطلوبة: فوز حزب الرئيس بوتين بأغلبية مريحة يمنحه حق المضي بأي تعديلات دستورية محتملة او الحفاظ على استمرارية عهد بوتين التي تمثل ايضا استمرارية لهيمنة حزب روسيا الموحدة على الحياة السياسية وإدارة الموارد، خصوصا وان معظم موظفي الدولة البارزين وعددا من الوزراء هم اعضاء في هذا الحزب الذي تشكل عام 2001 ليكون حزبا للسلطة خلافا للقاعدة المعتادة في الديمقراطيات التقليدية من ان الحزب يوجد قبل السلطة ويسعى للوصول اليها.

انها الديمقراطية الروسية التي عبرت عنها عملية انتخابية شابها الكثير من مظاهر عدم الصدقية إن لم نقل التلاعب بحيث فشلت في ان ترقى الى مستوى المعايير الدولية بحسب منظمة الامن والتعاون الاوروبي ذات السمعة المحترمة على هذا الصعيد، غير ان الانتقادات الغربية التي تلت الانتخابات لن تكون في الغالب عميقة التأثير لسببين: الاول ان روسيا ليست العراق او لبنان حيث يمكن للآخرين ان يدسوا أنوفهم بكل صغيرة او كبيرة الى حد تحول عملية اختيار شخص رئيس الدولة الى قضية تفاوضية دولية لا علاقة لها بما يريده الناخب المحلي نفسه، وقد حذر بوتين قبيل الانتخابات الآخرين وكان يتكلم صراحة عن الامريكيين من دس «أنوفهم غير النظيفة» بالشأن الروسي، وهو تحذير تناغم مع حملته الانتخابية الهادفة لإظهاره كزعيم قوي يرفض الوصاية الاجنبية واتهاماته المستمرة للمعارضة الليبرالية بالعمالة للغرب والتسول على ابواب السفارات الاجنبية وهي لغة تشابه بشكل طريف تلك التي تستعملها بعض الحكومات العربية عند مهاجمة خصومها الداخليين.

السبب الثاني هو ان احتمال ان تأتي الانتخابات بنتيجة أخرى غير فوز حزب بوتين في حال تم تنظيمها بحيادية عالية واستقلالية تستوفي الشروط الدولية هو احتمال ضعيف، فليس بين الاحزاب الاخرى من يمتلك القدرة والنفوذ والموارد التي امتلكها حزب بوتين، وبين الزعماء الآخرين من يتمتع بالشعبية التي بلغها الرئيس الحالي والمرتبطة بعامل رئيسي حاسم هو التحسن المضطرد الذي شهده الاقتصاد الروسي وما أدى اليه من تحسن الاحوال المعيشية للكثير من المواطنين الروس، إنه تحسن ناتج اساسا عن ارتفاع اسعار النفط والطاقة مما وفر مداخيل اضافية للميزانية الروسية، كما ان آلة الدعاية الرسمية التي أخذت تتبنى احدث مناهج التسويق السياسي نجحت في انتاج علاقة سببية في ذهن المواطن الروسي بين الانتعاش الاقتصادي ووجود الرئيس بوتين في سدة الحكم، بحيث ان كثيرا من الروس ان لم يكن غالبيتهم يظهرون استعدادا للقبول بتعديل الدستور لمنح بوتين حق الترشيح لدورة رئاسية اخرى او تعزيز صلاحيات رئيس الوزراء، فيما اذا قرر بوتين ان يتسنم هذا المنصب، وهو ما قد يشكل خطوة اضافية باتجاه تكريس هيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية ربما ليس على الطريقة الشيوعية التقليدية بل عبر تشذيبات تحفظ «الشكل» الديمقراطي.

لقد نجح بوتين باللعب على ورقة الماضي التليد عبر اتخاذه عدة خطوات وإطلاقه بعض التصريحات قبيل الانتخابات ارسلت رسائل غير ودية للغرب وأظهرته بمظهر القيصر الروسي القوي وجعلت الكثير من الممتعضين من الهيمنة الامريكية والغربية يحيون آمالهم بصراع بين الشرق والغرب يعيد اليهم رومانسية الحرب الباردة، ولكن الحقيقة قد لا تكون مطابقة تماما لما تشتهيه سفن هؤلاء، لأن الخطاب البوتيني المتشدد كان في جله للاستهلاك الداخلي والنزعة القومية البوتينية كما اظهرتها تجربة السنوات الماضية هي نزعة براغماتية تسير وراء المكاسب وليست ايديولوجية تسير وراء «المبادئ».

وقد نجح بوتين ايضا بإظهار نفسه كأفضل الخيارات المتاحة للغرب مقارنة بالشيوعيين او القوميين المتطرفين، وكما في بعض الدول العربية ايضا، لم يتم السماح بنضوج بديل ديمقراطي فاعل قد يكون أكثر مقبولية لدى الغرب الغارق بازدواجية المعايير عندما تسير المصالح عكس اتجاه المبادئ.

ربما كان احد اهم مصادر قوة بوتين الداخلية هي تصويره بمظهر الزعيم الذي اخرج روسيا من الفوضى الى الاستقرار بشكل اعاد طرح هذه المعادلة بقوة على طاولات الجدل السياسي وربما الاكاديمي. بعض التجارب تشير الى أن الديمقرطية غير الراسخة قيميا ومؤسساتيا تقود الى الفوضى والى ظهور طبقة اوليغارشية مهيمنة تفتقر الى الحس الوطني وفي بعض الحالات الى تفكك الدولة عندما يكون المجتمع غير متجانس وتزدهر فيه الضغائن المرتبطة بتجارب الماضي ومشاعر اليأس والإحباط.

للأسف يبدو أن التجربتين العراقية واللبنانية مصاديق لهذا الطرح على الاقل حتى يثبت العكس. وأتصور ان معادلة الديمقراطية او الاستقرار ستطل براسها كلما اعيدت قراءة المخارج المحتملة للانسدادات في هذين البلدين، خصوصا مع مناخ اقليمي محبذ لأي حلول «غير ديمقراطية» اذا أتت عبر صفقة ترضي الجميع، وربما ما يحول دون ذلك في هذين البلدين هو ان هذه الصفقة مازالت غير مواتية بفعل حجم التناقض بين المصالح. ولكن من الضروري ان نرسم خطا فاصلا بين التفويض الذي يمنحه الشعب الروسي اليوم لبوتين وحزبه بتفضيله الاستقرار المقترن بتراجع على صعيد الحريات، بدلا من الديمقراطية المقترنة بالفوضى وغياب القانون، وبين التفويض الذي تسعى اليه بعض القوى السياسية غير المؤمنة بالديمقراطية للانقضاض عليها تماما. ربما لا يكون بوتين ديمقراطيا بما يكفي ليستغل التفويض الحالي لتجذير الديمقراطية داخليا وتعزيز مؤسساتها ودعم آلياتها، لكنه قد يكون روسياً بما يكفي لعدم مصادرة ارادة شعبه تماما عبر تحويل تفويض ظرفي ومؤقت الى تخويل مفتوح بحكم غير منقطع قد يتوارثه الابناء والأحفاد كما في الجمهوريات العربية العتيدة.

ان بعض منظري حزب روسيا الموحدة يزعمون انهم يريدون محاكاة التجربتين اليابانية والألمانية في ادارة التحول الديمقراطي عبر هيمنة حزب واحد لأكثر من عقد، ومثل هذا التبرير قد ينطوي على المشروعية لأنه ينطلق من فرضية الموازنة بين الديمقراطية والاستقرار، وما يحصل في معظم البلدان العربية التي تتحدث كثيرا عن أولوية الاستقرار وعدم التسرع في عملية التحول الديمقراطي هو ان هذه الحجة المقبولة منطقيا تتحول الى اساس غير منطقي لتأبيد سلطة الزعيم الوحيد وربما عائلته. الشيء الوحيد المقبول في معادلة الديمقراطية والاستقرار هو عدم استخدام احدهما لإلغاء الآخر لأنها ستكون عند ذاك معادلة مختلفة هاجسها شيء آخر غير المصلحة الوطنية.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:aawsat-9-12-2007