ثورة القضاة في مصر ضد قانون يلغي استقلالية القضاء

 

يهدف الى السيطرة عليهم وإطاحتهم

 

«ما يحدث في مصر مع القضاة لا نظير له في العالم»! هكذا وصف أحد كبار قضاة مصر ما تدبّره السلطات الحاكمة ضد استقلالية القضاء وضد حصانة القضاة. وصف المستشار أحمد مكي نائب رئيس محكمة النقض مشروع القانون الذي أعدّته وزارة العدل ـ سرّاً ـ حول السلطة القضائية بأنه مذبحة جديدة للقضاة!

واستنكر تسريب القانون من خلال الصحف أو من أحد أعضاء الهيئات القضائية، مشيراً إلى أن القانون ليس أوامر عسكرية تنفّذ من دون نقاش.. وأبدى دهشته في إخفاء مشروع القانون عن رجال القضاء أنفسهم!!.. وقال إن نصوص القانون الجديد هي أسوأ مما كانت عليه في مذبحة القضاة العام ١٩٦٩، فبعد أن وعد الرئيس بإلغاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية، جاء القانون الجديد ليجعل وجود الهيئة واقعاً والرئيس مبارك رئيساً لها ووزير العدل نائبا ًله. ونفى المستشار مكي أن يمارس الرئيس مهام هذا المنصب الشرفي، وبالتالي ستكون الرئاسة الفعلية للمجلس لوزير العدل، وله وحده حق التدخّل في كل كبيرة وصغيرة في شأن القضاء والقضاة.. وهذا إلغاء واضح لاستقلال القضاء.

وحذّر نواب المعارضة والإخوان والمستقلّون في مجلس الشعب من خطورة قيام الحكومة، من خلال مشروع القانون الجديد، بفرض سيطرتها على القضاء.. وقال الأعضاء إن القانون مشبوه ويخالف الدستور.. ويتعارض مع تعهّدات الرئيس بحماية استقلال القضاء.

وأعلن مجلس إدارة نادي القضاة رفضه القانون، وأن المجلس سيبقى في حالة انعقاد طارئ ودائم لمواجهة محاولات الدولة التدخّل في استقلال القضاء.

وأكد الأعضاء الرافضون للمشروع أنهم سيكشفون أمام الفضائيات، وفي مؤتمرات صحافية عالمية، الوجه القبيح للحكومة وأهدافها من وراء إصدار مثل هذا القانون.

وأعلن المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة، أن جميع الخيارات مفتوحة أمام القضاة للذود عن استقلالهم.

وقرّر نادي القضاة في الإسكندرية رفض مشروع القانون، ودعا محمود الخضيري رئيس النادي إلى الاعتصام، واتخاذ موقف حاسم ورادع لمواجهة هذا العدوان على السلطة القضائية، ونادى بتعليق جلسات المحاكم، كإجراء مبدئي ضد هذا القانون، الذي قال إنه يقضي تماماً على سلطة القضاء.

أما المستشار فتحي رجب وكيل اللجنة التشريعية في مجلس الشورى، فقد نفى أن يكون ما نشر في الصحف أو سرّب إلى القضاة مشروع قانون، لأنه لم يعرض على مجلسي الشعب والشورى، وقال إنه ربما يكون مجرّد أفكار مطروحة من وزير العدل، مشيراً إلى أن القانون لا يكون قانوناً إلا بعد فتح جلسات استماع ووضع تعديلات عليه ثم عرضه على البرلمان، وقال إن هذا القانون لو عرض عليه في مجلس الشورى بهذا الشكل، ووجد فيه تعارضاً مع الدستور، فسيرفضه.

صدمة عنيفة للقضاة!

وقال المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق: لقد صدمت صدمة عنيفة عندما اطّلعت على مشروع هذا القانون الذي أعدّه وزير العدل، ولم أكن أتوقّع أن تصل الأزمة بين وزارة العدل ونوادي القضاة ومجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى، إلى حدّ إصدار قوانين تحوّل السلطة القضائية إلى مجرّد مصالح تابعة للوزارة، كما يتّضح من نص المادة الأولى من مشروع إنشاء مجلس الهيئات القضائية، والتي تضمن السيطرة المالية والادارية على هذه الهيئات، ومن بينها مجلس الدولة والقضاء العادي، وقصر السلطة المالية على وزير العدل. وهذا يتضمّن إلغاء استقلال مجلس الدولة على الأخص، وأيضاً القضاء على استقلال القضاء العادي، أضف إلى ذلك منح الوزير، من خلال هذا المجلس الخاضع له تماماً، السيطرة السياسية باحتكار اختيار أعضاء محكمة الأحزاب في مجلس الدولة. والوزير طبعاً عضو في مجلس الوزراء ومن أعضاء السلطة التنفيذية، وهذا يؤكّد التبعية غير الدستورية المقصودة.

إن المادة الثانية، رغم نصها على رئاسة رئيس الجمهورية هذه اللجنة، فإنها جعلت من وزير العدل، وليست له صفة رئيس الدولة، الحكم بين السلطات ونائباً لرئيس هذه اللجنة، ثم جعلته يحلّ محلّ رئيس الدولة في رئاستها عند غيابه، وهذا يعدّ تحايلاً في الصياغة يُقصد به إنابة وزير العدل بمخالفة الدستور، في مباشرة اختصاصات مقصورة على رئيس الدولة، ألا وهو رئاسة المجلس المهيمن على القضاء.

ويضيف: إن حضور رئيس الدولة هذا المجلس مع مشاغله أمر اختياري، وبالتالي سيكون المقصود دائماً كما كان من قبل، أن يرأس السلطة القضائية ويتحكّم في شؤونها وزير العدل. يضاف إلى ذلك تعمّد واضعي النص أن تكون القرارات للأغلبية بنسبة ٤ أصوات.

ومن المعروف أن وزير العدل، حسب القوانين الحالية للهيئات القضائية، يتحكّم بصورة شديدة في أوضاع النيابة العامة وهيئة قضايا الدولة والنيابة الادارية، وينص على ترجيح الجانب الذي فيه الوزير، وبالتالي فإن الوزير يُحكم نفوذه على باقي الأصوات المتحكّمة في المجلس.

ويؤكّد الفقيه الدستوري الدكتور محمد سليم العوا، أن هذا المشروع هو عبارة عن هجمة جديدة من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، لأن السلطات التي يعطيها لنفسه ما يسمّى بـ«مجلس التنسيق» طبقاً للمادة الأولى في المشروع، تسلب القضاء العادي ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا استقلالها المالي، وسيطرة هذا المجلس على الموازنات الخاصة بهذه الهيئات، وحق إنشاء الدرجات القضائية ودرجات الموظّفين الاداريين في هذه الهيئات، مما يفتح باباً واسعاً لا حدود له لهيمنة وزير العدل على الشؤون المالية لهذه الهيئات، بما يمنحه ذلك من سلطات في شأن موازناتها، ويميّع الحدود بين الهيئات القضائية في شأن الخدمات التي تقدّمها كل هيئة لأعضائها، بإنشاء صندوق واحد للخدمات الصحّيّة لجميع الهيئات، وبعضها محامون للحكومة مثل هيئة قضايا الدولة، وبعضها موظّفون عموميون لا استقلالية لهم عن السلطة التنفيذية، وعن وزير العدل شخصياً على أي نحو من الأنحاء، وأعني بهؤلاء أعضاء هيئة النيابة الادارية.

وهكذا فلا تجوز المساواة بين المحامين والموظّفين الذين لا استقلالية لهم، والذين يعملون في خدمة السلطة التنفيذية فقط، وبين القضاة الذين لا تزال نصوص الدستور الخاصة باستقلالهم قائمة.

وقال الدكتور سليم العوا إن هذا المشروع يحوّل النصوص الدستورية إلى ألفاظ خالية من المعنى، ويهدر كل استقلال حقيقي للسلطة القضائية، ويجعل من المجلس المزمع إنشاؤه مجلساً مهيمناً على القضاء كلّه، وهذا هو الهدف منه، لأن الهيمنة على هيئة قضايا الدولة والنيابة الادارية قائمة فعلاً بحكم قوانينها.

وحذّر من أن إعطاء هذا المجلس سلطات في شأن إحالة رجال القضاء على التحقيق، أو رفع الدعوى القضائية ضدهم، وتشكيل اللجنة من هيئات قضائية مختلفة، تضمّ المحامي الأول للحكومة رئيس هيئة قضايا الدولة وأداتها الأولى في تأديب الموظّفين، ورئيس النيابة الادارية، يعني نزع الحصانة القضائية من رجال القضاء تماماً، وإدخال المحامين والموظّفين العموميين في أخص شؤون رجال القضاء وهي التحقيق والتأديب.

وقال الدكتور محمد سليم العوا: هذه هي أول مرة في تاريخ مصر يقترح فيها أن يكون للسلطة التنفيذية هذا القدر من التدخّل في شؤون السلطة القضائية وإهدار حصانة أعضائها.

وأوضح أن المعني بالسلطة القضائية هنا ليس القضاء العادي وحده، وإنما رئيس المحكمة الدستورية العليا أيضاً ومجلس الدولة.

وأضاف أن النص في تشكيل المجلس، على جواز انعقاده بحضور خمسة أعضاء، يعني أنه يمكن أن ينعقد المجلس ويتّخذ ما شاء من قرارات في غياب رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس محكمة النقض ورئيس مجلس الدولة، أي أن تصدر القرارات المتعلقة بأخص شؤون هذه المحاكم في غيبة رؤسائها ومن دون علمهم.

إن هذا القانون يبدو في ظاهره مخالفاً الدستور، وينطق نصه باستمرار السلوك المعيب للسلطة التنفيذية للسيطرة على السلطة القضائية.

والوقوف في وجه هذا المشروع ليس واجب القضاء وحده، وإنما واجب أهل الرأي كلّهم في مصر.

فهذا المشروع يثير ألف علامة تعجّب من أن يكون مشروع القانون معدّاً ليصدر بقرار من رئيس الجمهورية، في الوقت الذي يوجد فيه مجلسا الشعب والشورى منعقدين في دورتهما العادية.

وهذا ليس له معنى إلا أن السلطة التنفيذية لا تريد مواجهة نواب الشعب رغم سيطرتها التامة على الأغلبية في المجلس.

وفي ختام حديثه، توقّع الدكتور محمد سليم العوا وقوع مذبحة جديدة للقضاة، محذّراً من الكوارث التي تحيط بالدول التي تعتدي على القضاء.

صفعة قويّة للحكومة!

ووجّه مجلس الدولة صفعة قويّة للحكومة برفض قسم التشريع فيه مشروع القانون.

وأكد القسم برئاسة المستشار عادل فرغلي في تقريره، أن مشروع قانون مجلس الهيئات القضائية مخالف للدستور، ويهدّد استقلال السلطة القضائية ويسلب اختصاصات الهيئات القضائية في إدارة شؤونها، وأنه يعيد إلى الأذهان مذبحة القضاء في العام ١٩٦٩.

وشارك في إعداد تقرير قسم التشريع عشرة من المستشارين، وسيتم رفعه إلى المجلس الخاص بمجلس الدولة.

وتضمّن التقرير ملاحظات خطرة، منها أن المشروع خالف صراحة نص المادة ١٧٣ من الدستور، التي تنص على أن تقوم كل هيئة قضائية على شؤونها، ويشكّل مجلس يضم رؤساء الهيئات القضائية ويرأسه رئيس الدولة لرعاية شؤونها المشتركة، وهي التأمين الصحّي والاجتماعي، أما اعتماد وتوزيع الموازنة لكل هيئة قضائية فلا يدخل ضمن الشؤون المشتركة، وبالتالي فمشروع القانون خالف قانون السلطة القضائية الذي منح القضاء العادي والاداري موازنة خاصة، يحدّدها مجلس القضاء الأعلى ورئيس مجلس الدولة، لتوفير الاعتمادات اللازمة لرفع الدرجات أو إنشاء المحاكم.

وأكد التقرير أنه ليس من الأمور المشتركة تحديد أسماء الشخصيات العامة للمحاكم الادارية، وأن تشكيل المجلس الجديد يخالف صراحة نص الدستور، ويفرض سيطرة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، حيث يرأسه وزير العدل الذي له حق الفيتو في إصدار القرارات.

كما أن المادة الخامسة تمنح وزير العدل الحق في رفع الحصانة القضائية عن أي قاض دونما الرجوع لهيئته القضائية التي يعمل فيها، مما يعدّ أمراً خطراً، حيث يجعل القضاة في حال خوف دائم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم.

كما أن طعن النائب العام بقرار الهيئة القضائية التابع لها القاضي المطلوب رفع حصانته أمام المجلس الجديد، يمثّل تهديداً للحصانة وإهداراً لها ويمنح النائب العام ما ليس من اختصاصه.

وأكد التقرير أن مشروع القانون سوف يعطّل مواد قانون السلطة القضائية، المتعلقة بموازنة الهيئات القضائية والاستقلال المادي لها.

تصعيد المواجهة

وعقد مجلس إدارة نادي قضاة مصر اجتماعاً طارئاً برئاسة رئيس النادي المستشار زكريا عبد العزيز، قرر خلاله تصعيد المواجهة ضد مشروع قانون الهيئات القضائية الجديد، وقرّر المجلس الذي يمثّل كل قضاة مصر الاستمرار في حالة انعقاد متواصلة حتى موعد انعقاد الجمعية العمومية في ٣٠ من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، كما دعا النادي القضاة إلى مناقشة المشروع في الجمعيات العمومية للمحاكم، ومن خلال أندية القضاة في الأقاليم، وتقديم مقترحاتهم لعرضها في اجتماع الجمعية العمومية، كما تقرّر تشكيل لجنة لإعداد تقرير شامل حول مشروع القانون.

وأكد النادي أن مشروع القانون أطاح مبدأ استقلال موازنة السلطة القضائية، كما ينال من مكانة مجلس القضاء الأعلى ومن حصانة القضاة.

وانتقد مجلس إدارة نادي القضاة إرسال مشروع القانون سرّاً إلى مجلس القضاء الأعلى وغيره من المجالس القضائية، وأنه يخالف تعهّدات رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي بدعم استقلال القضاء.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:almoshahed