القوى الديمقراطية في العراق الواقع والتحديات

 

 

إن الحديث عن عسر ولادة الديمقراطية في العراق، أو الولادات المشوهة لها ما بعد التغيير، يقودنا بالضرورة للحديث عن واقع القوى والكيانات الديمقراطية العراقية، وتراجع دورها في بلورة وترصين جبهة ديمقراطية عريضة تستطيع من خلالها العمل على تحقيق تحولات اجتماعية - سياسية لصالح الديمقراطية في المجتمع العراقي.

وللحديث عن هذا الجانب لابد من تأشير ملاحظتين:

- واقع الشرذمة والتشتت التي تعيشها القوى الديمقراطية في العراق.

ـ صعود قوى وتيارات لا تؤمن بالديمقراطية ولم تمارسها في حياتها التنظيمية إلى موقع صياغة القرار السياسي العراقي.

وهاتان الملاحظتان اللتان هما عبارة عن توصيف لواقع نعيشه، وبإضافتهما إلى مؤشرات أخرى كثيرة، عملت مجتمعة على تهميش دور الديمقراطية في الحياة السياسية والاجتماعية في العراق وأضعفت حضور الكتل والتيارات المؤمنة بها في مركز القرار السياسي، ما أثر سلباً في صياغة العديد من القوانين المفصلية في التجربة العراقية الوليدة وقبل أن نطرح تصوراتنا للحلول ورؤيتنا لمسالك الخروج من هذا الواقع/ الأزمة، نود أن نشير إلى عاملين، هما برأينا من العوامل المهمة في ترسيخ الواقع المتردي للديمقراطية العراقية المبتغاة:

ـ العامل الأول هو سيطرة الميليشيات المسلحة وقوى ما قبل الدولة على الواقع السياسي والاجتماعي في العراق

ـ والعامل الثاني هو شيوع منطق المحاصصة الطائفية في بناء العملية السياسية وهيكل إدارة الدولة العراقية

وكان لهذين العاملين ـ ولازال ـ دور فاعل ومهم في إبطاء عجلة التقدم نحو الديمقراطية إن لم يكن إيقافها بالكامل

ونحن نتصور أن تصحيح الأوضاع لابد أن يمر من خلال إلغاء هذه الميليشيات بالكامل وإنهاء جميع المظاهر المسلحة في الشارع وحصر السلاح بيد الدولة، وذلك بالتزامن مع بناء مؤسسات أمنية وعسكرية تحترم الدستور وتعمل على تطبيقه. والقضاء نهائياً على سياسة المحاصصة الطائفية، وإعادة بناء هرم الدولة الإداري على أساس الكفاءة والنزاهة والوطنية. وهذا بالتأكيد سيتطلب بناء جبهة عريضة من القوى والتيارات الوطنية المؤمنة بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة كخيار وحيد لبناء عراق ديمقراطي تعددي، إتحادي، مستقل، آمن ومزدهر.

لقد أثبتت التجارب التي خاضها العراقيون في العصر الحديث أن مشكلة الحكم في العراق تكمن دائما في كيفية استيعاب واقع التعددية التي ترسم صورة الدولة العراقية بكل أشكالها، هذه الصورة التي لم تستطع أية مرحلة من مراحل العراق السياسية تفهمها بشكل يفضي إلى بناء دولة تعددية ديمقراطية تداول بها السلطة سلمياً وعن طريق صناديق الاقتراع.

ولاشك أن هذا الواقع جاء في أقل تقدير لسببين رئيسيين هما: عدم نضوج قوى اجتماعية تؤمن بالديمقراطية بشكل حقيقي لتقود الصراع إيجابياً نحو إنجاز تحولات كبيرة في الواقع الاجتماعي والسياسي العراقي .. وأيضاً غلبة القوى الدكتاتورية ذات النزعة الفردية على المشهدين الاجتماعي والسياسي ووحشيتها في سحق القوى الديمقراطية الناهضة في العراق.

ولذلك يتوجب على أصحاب المشروع الديمقراطي العراقي أن يعملوا باتجاهين: اتجاه يعمل على نشر وترسيخ الثقافة الديمقراطية في النسيج الاجتماعي لبناء تحولات كيفية جوهرية في هذا النسيج .. واتجاه آخر تقود من خلاله هذه القوى نضالاً دؤوباً في سبيل توثيق التحولات الديمقراطية في دستور وقوانين الدولة العراقية النافذة ومن البديهي أن كِلا الاتجاهين يحتاج إلى تدعيم وحدة وتوجهات القوى الديمقراطية في العراق، والعمل على عدم تفكيكها وشرذمتها، لأن هذا الواقع ـ أي واقع الشرذمة ـ سيؤدي بالضرورة إلى فشل المشروع الديمقراطي العراقي المرتقب.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alsabah