ثلاثة أطراف متصارعة تهدد وحدة باكستان وبقاءها

 

د. سعيد الشهابي

 

 

ما هي المشتركات بين ميخائيل شاكسفيلي وبرويز مشرف وحسني مبارك؟ أربعة مشتركات مهمة تجمع هؤلاء، (ويشاركهم سلسلة طويلة من امثالهم). اولها انهم رؤساء دول، ثانيا انهم يحظون بدعم امريكي غير محدود للبقاء في مناصبهم، ثالثا: انهم مستعدون لاتخاذ اية خطوة ضد شعوبهم لضمان بقائهم في السلطة (بما في ذلك احكام الطوارئ وقمع الحريات)، رابعا: انهم يمارسون سياسات لـ التذاكي علي مناوئيهم تهدف لاطالة امد بقائهم في الحكم وتسجيل نقاط ضد اولئك المناوئين، بعيدا عن الرغبة الحقيقية في الاصلاح او الديمقراطية.

ان المسوغات التي قدمها برويز مشرف لتبرير فرض حالة الطوارئ لم تكن مقنعة لأحد، وبالتالي فقد رفضت من قبل الجهات السياسية المعارضة، وأكدت للكثيرين ازدواجية السياسة الامريكية خصوصا في مجال ترويج الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. ومن هنا فبدلا من انقاذ باكستان من حالة الغليان الداخلي والتوتر الناجم عن امتداد موجة الارهاب والعنف، فقد دخلت البلاد نفقا مظلما، وفتحت ابوابها للمزيد من التدخل الامريكي مستقبلا. وجاءت الاعتراضات الامريكية خجولة ومترددة، وعبرت واشنطن عن استعدادها للتعامل مع مشرف لان وضعه ضعيف وهش، وبالتالي يسهل استغلاله وابتزازه.

لقد ابتلي عالم المسلمين بالاستبداد والقمع السلطوي، وحكم جنرالات الجيش، وحرم من الحرية وحق تقرير المصير، وتعرض للمساومة علي ما هو مشروع من الحقوق. وتمثل باكستان، بوضعها الحالي، ساحة صراع حاد يستهدفها كبلد مكون من عرقيات ومذاهب، ليضعها علي خط التمزق والتفتيت، كما هو الحال مع العراق. واشنطن تسعي لتجريد باكستان من سلاحها النووي، فاذا استطاعت تحقيق ذلك بسهولة، فقد تحتفظ باكستان بوحدتها، ولكن هذه الوحدة لن تحترم اذا كانت معوقا لنزع السلاح النووي الباكستاني. فمن ينقذ باكستان من التحديات الثلاثة الاخطر في تاريخها الحديث: الاطماع الامريكية والمجموعمات الارهابية وحكم الجنرالات؟ في الاسبوع الماضي فاجأ الرئيس الجورجي، ميخائيل شاكسفيلي، معارضيه باعلان انتخابات مفاجئة في مطلع العام، وذلك بعد يوم واحد من اعلان احكام الطوارئ علي البلاد.

جاء فرض حالة الطوارئ بعد سلسلة متواصلة من التظاهرات والاحتجاجات المعارضة. وعلي مدي الاسبوعين الماضيين دعا المتظاهرون الي انتخابات مبكرة بعد اتهام الرئيس بالفساد المالي والاداري، والاستبداد. وذكر وزير سابق في حكومته بان الرئيس أقر خطة لاغتيال المعارضين.

النظام اتهم الروس بتأجيج الوضع، فبادر باعلان الطوارئ لتفادي الاضطرابات التي هي الأشد منذ الثورة الوردية التي عصفت بالبلاد في 2003، ووفرت الفرصة له للوصول الي الرئاسة. وقد استخدمت قوات الشرطة والامن وسائل قمع واسعة ضد المتظاهرين، أدت الي اصابة اكثر من 600 شخص بجروح، خصوصا في العاصمة تبليسي وجاء اعلان احكام الطوارئ لمنع التظاهرات والاحتجاجات، كما وضع عدد من رموز المعارضة تحت الاقامة الجبرية، وصدرت اوامر لوسائل الاعلام المستقلة بعدم نشر اخبار مصورة عن الاحتجاجات والتظاهرات. الرئيس برر فرض احكام الطوارئ بانه محاولة لافشال محاولة انقلابية خططت لها موسكو ضد حكمه ولا يمكن الفصل بين ما يجري في جورجيا من توتر سياسي وامني عن حالة التوتر المتصاعدة في العلاقات بين روسيا والتحالف الاوروبي ـ الامريكي، وما يبدو من عودة لحرب باردة بين الطرفين واضطراب موازين القوي علي خطوط التماس بين النفوذين: الامريكي والروسي. والواضح ايضا غياب سياسة امريكية واضحة تنص بصراحة علي دعم الديمقراطية ودفع الحكومات الحليفة للتخلي عن الاستبداد والحكم الشمولي. واذا كانت الدول التي كانت جزءا من المعسكر الشرقي سابقا قد تحولت الي الديمقراطية والتحقت بالناتو، فان هناك تململا يتعمق في هذه الدول بعدم تحقق الاهداف المرجوة من تغيير الانتماء الايديولوجي والسياسي لتلك البلدان، وان سياسات الاقتصاد الحر لم تحقق لعموم الناس احتياجاتهم الاساسية.

اما في امريكا اللاتينية فهناك منحي عام لتوجه الانظمة الديمقراطية الجديدة في اتجاهات مغايرة للسياسات الامريكية، وثمة مؤشرات علي توجه نحو اليسار، وفي ذلك تعبير عن اليأس بجدوي النهج الرأسمالي وسياسات تحرير التجارة والاقتصاد الحر في بلدان ما تزال عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من جوانبها الحياتية ولا يختلف الوضع كثيرا في مصر، حيث احكام الطوارئ سارية المفعول منذ ربع قرن، وفيما يسعي المواطنون لتحقيق قدر من التطور الديمقراطي والانفتاح السياسي، يستمر القمع السلطوي مستهدفا النشطاء من المعارضين والحقوقيين، فلا يكاد يمر يوم بدون اعتقالات في صفوف الاحزاب والتجمعات، خصوصا جماعة الاخوان المسلمين التي توصف بانها محظورة برغم ان عمرها يصل الثمانين عاما.

وثمة حديث متواصل حول التوريث ورغبة الرئيس مبارك في استمرار الحكم في ذريته، واستمراره في التهيئة لابنه، جمال، لاستلام الحكم من بعده. ما يشجع الرئيس المصري علي ذلك التوريث شعوره بان الولايات المتحدة قادرة علي استيعاب مفاهيم عربية للديمقراطية، بعنوان الخصوصية الثقافية تارة، و الواقعية السياسية ثانية و الرغبة في الحفاظ علي الاستقرار والامن تارة ثالثة.

هذا النمط العربي للديمقراطية مرن جدا، ومطواع بدون حدود لرغبة النخب الحاكمة، فهو كالعجينة المائعة غير المحدودة بحدود وضوابط، والقادرة علي ملء اي فراغ بالشكل المتاح. ولذلك فبامكان الحاكم ان يفرض ما يشاء من سمات واوصاف وقيم لهذا النوع من الديمقراطية التي تتشبث بالمصطلح الذي اصبح مطلبا عصريا، مع التخلي عن مستلزماته، وتطويعه لخدمة النظام السياسي بدلا من اخضاع ذلك النظام لقيم المفهوم ومقتضياته.

اما الرئيس الباكستاني، برويز مشرف، فهو مصداق آخر لازدواج السياسات الامريكية في التعامل مع العالم الاسلامي، ويعكس أسوأ أشكال الحكم وأقساها، وأبعدها عن قيم الديمقراطية والانفتاح والحكم المدني. ومنذ بداية حكمه بعد انقلابه ضد حكومة نواز شريف المنتخبة، طوعت الولايات المتحدة مواقفها لدعمه، ولم تعارضه او تطالبه بالتنحي عن السلطة، ولم تعتبر الانقلاب العسكري ضد حكومة منتخبة امرا مرفوضا.

وقد ادرك مشرف هذه الحقيقة، وسعي لاستغلالها وتطويع الموقف الامريكي لتوفير دعم سياسي لحكمه، في مقابل تعاون غير محدود مع الاستخبارات الامريكية خصوصا في مجال الحرب ضد الارهاب .ولقد اختلطت الامور كثيرا حول الاسباب الحقيقية لتنامي ظاهرة الارهاب. فهل انها من نتائج الحكم المستبد الذي يتخذ طابعا عسكريا كما هو الحال في باكستان؟ أم ردة فعل عنيفة ضد منظومة التوارث السياسي، كما هو الحال في الكثير من بلدان العالم الاسلامي؟ ام انها من دوافع قيام تلك الانظمة واستمرارها؟ فمثلا هل الفساد السياسي الذي استشري في باكستان منذ استقلالها عن الحكم من العوامل التي ساهمت في نشوء ظاهرة الارهاب؟

ام ان هذا الفساد نتيجة محتومة في ظل انتشار ظاهرة الارهاب وشعور الغرب بالحاجة لحلفاء في الحرب ضدها، وان هذا التحالف يقتضي غض الطرف عن كثير من ممارسات النظام السياسي مهما كان استبداديا ومنحرفا وفاسدا؟ الرئيس مشرف لم يكن ليقوم بما فعله عندما أعلن فرض حالة الطوارئ وتعليق العمل بالدستور لو شعر انه سوف يزعج واشنطن او انه سيدفع ثمنا غاليا لما فعل. بل ان المعلومات المتوفرة تؤكد انه أطلع الامريكيين علي الخطة سلفا وانه لم يتلق احتجاجا ضد ذلك.وها هو يفعل ما هو متوقع: احتجاز النشطاء السياسيين المعارضين، ونشر الجيش في الشوارع، واستهداف رموز المعارضة اما بوضعهم تحت الاقامة الجبرية او اعتقالهم او نفيهم، وتعيين قضاة من حلفائه بدلا من قضاة المحكمة العليا الذين حكموا ضد تصرفاته. ولم تصدر مواقف غربية رافضة بشكل مطلق لمشروع الحكم العسكري تحت اشراف جنرالات الجيش، بل كانت تصريحات المسؤولين الغربيين تتسم بالغموض وتقدم مطالب متواضعة جدا: الاعلان عن موعد للانتخابات، واعادة العمل بأحكام الدستور.

الرئيس مشرف فعل هذا واعلن ان الانتخابات لن تتجاوز منتصف شهر شباط (فبراير) المقبل. فهل هذا يكفي لاحتواء الازمة السياسية في باكستان؟كان الرئيس الباكستاني قد استشرف المستقبل قبل بضعة شهور عندما تفاوض مع بنازير بوتو، رئيسة حزب الشعب الباكستاني، وسمح لها بالعودة من الخارج ضمن تسوية تشمل الجانبين: فالرئيس سوف ينهي الاتهامات الموجهة لها بالفساد، ويوقف التحقيق في ذلك، وفي المقابل تقبل بوتو بشراكة سياسية مع الرئيس مشرف الذي فاز الشهر الماضي بدورة رئاسية جديدة، بشرط التخلي عن منصبه العسكري في أسرع وقت ممكن ولقد اصبح معروفا ان الصفقة بين الطرفين تمت برعاية امريكية، وانها ليست حلا دائما، بل محاولة لحلحلة الوضع بعد ان اتضح عجز الرئيس مشرف عن احتواء التحديات الامنية التي تمثلها القاعدة خصوصا في المناطق الحدودية المشتركة مع افغانستان.

الامريكيون يعتقدون ان التحالف بين حزب بوتو والرئيس مشرف سوف يتيح لواشنطن العديد من الامور: اولها ان محاربة الارهابيين في الجبال سيكون امرا أيسر، خصوصا مع توفر دعم باكستاني لذلك، وثانيها: انه سيجعل الوضع الباكستاني اقرب الي مظاهر الاستقرار والامن والحكم المدني، الامر الذي ستكون له انعكاسات ايجابية في الولايات المتحدة، وثالثها: ان ذلك سوف يبعث اشارات مطمئنة لحلفاء واشنطن في العالم الاسلامي بانها مرنة ازاء شكل النظام السياسي في بلدانهم، وانها لا تسعي لاحداث تغييرات سياسية عميقة في انظمة حكمهم، رابعها: انها ستواصل مشروع الحرب ضد الارهاب بمشاركة باكستانية فاعلة، وان واشنطن جادة في التصدي لتلك الظاهرة، من خلال نافذة واحدة علي الأقل، وهي المواجهة العسكرية في افغانستان التي تتعرض لحملة شرسة من قبل تنظيم القاعدة.

مشكلة واشنطن ان العسكريين لا يمكن الاعتماد عليهم لادارة المجتمع المدني، ولا يمكن الثقة بوعودهم التي ينقضونها بدون تردد اذا اقتضت مصالحهم ذلك، وان مشرف بادر لمواجهة القضاة الذين أفسدوا مهمته ومعهم المحامون، بشكل أدي الي تبلور جبهة رافضة اوسع من التنظيمات السياسية المعروفة وحتي بنازير بوتو، نفسها، شعرت بصعوبة الوضع بعد اعلان الطوارئ وبادرت للاعلان عن مسيرات احتجاجية ولكن السلطات اتخذت قرارا بوضعها تحت الاقامة الجبرية مؤقتا لمنعها من المشاركة في المسيرات.

انها قصة تؤكد حالة التوتر في صفوف الحكم والمعارضة الباكستانية، وتكشف ابعادا اخري للازمة. فواشنطن ترغب في بسط الهيمنة علي باكستان، من خلال نظام سياسي يوفر لها ذلك. ويبدو ان ثمة اتفاقا بين مشرف والامريكيين يقضي بمنح الامريكيين نفوذا اوسع في باكستان، لمواجهة القاعدة و التصدي للاسلاميين والمشروع النووي الباكستاني. وهي امور تستــهدفها السياسة الامريكية في العالم الاسلامي، ويشعر مشرف بانه غير قادر علي منعها منها ويبقي البعد الامريكي هو الابرز من بين العوامل التي تشجعهم علي تلك الممارسات وتجاوز القيم الجوهرية للممارسة الديمقراطية.

فبرغم ما تدعيه واشنطن من دعم الديمقراطية وترويجها فالواضح ان الانظمة المحسوبة عليها هي الاكثر انتهاكا للقيم الديمقراطية والأشد استبدادا وتشبثا بالحكم، والأكثر فسادا وقمعا. فالرئيس الفلبيني ماركوس كان تجسيدا للرؤساء المدعومين بدون حدود من قبل الولايات المتحدة، وعرف عنه وعن زوجته التلاعب باموال الشعب الفلبيني علي مدي عقود من حكمه ويكفي القاء نظرة علي العدد الاخير من مجلة فوربس باللغة العربية لاكتشاف ان الزعماء المدعومين من واشنطن هم أثري الناس علي وجه الارض، اذ تبلغ ثرواتهم مليارات الدولارات، بينما يرزح مواطنوهم في حالات كثيرة في مستويات معيشية دونية جدا.

والواضح ان بعض هذه الاموال يستعمل للدعاية والتضليل لتفادي ردود الفعل السلبية من قبل المؤسسات والجهات الدولية المتخصصة في الدفاع عن حقوق الانسان وترويج الديمقراطية وقيم المجتمع المدني ولم يعد سرا القول بان فساد هذه الانظمة انما هو نتيجة استمرارها في الحكم بعيدا عن مفاهيم الرقابة والمحاسبة، بسبب غياب سلطة الاعلام الذي اصبح هو الآخر، خاضعا لهيمنة السلطة، وغير قادر علي التحرك خارج اطرها وحدودها انها ازمة مترابطة الحلقات ومتعددة الآثار والمظاهر، مستعصية علي محاولات الاحتواء والحل لاسباب من اهمها الاستعداد الدولي لاقرار الاستبداد ودعمه، والتعايش مع الظلم، والتعاطي مع الفساد بلا غضاضة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:المرصد العراقي-17-11-2007