الهند والصين... أمام مسؤولية أخلاقية

 

د. عبدالله المدني

 

 

 

في الأسبوع الماضي ناشدت واشنطن كلاً من الهند والصين بصفتهما قوتين إقليميتين كبيرتين التوقف عن تزويد بورما بالسلاح وإلغاء عقود الطاقة الموقعة بينهما وبين النظام القمعي الحاكم في يانغون كوسيلة للضغط على الأخير لإجراء إصلاحات ديمقراطية، والتوقف عن قمع الجماعات المعارضة على نحو ما حدث مؤخراً في انتفاضة الرهبان البوذيين والحقيقة أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها بعض الدول الغربية المؤثرة مؤخراً ضد جنرالات بورما، أو تلك المتوقع فرضها في المستقبل، لا يمكن أن يكون لها أثر يذكر إلا بتعاون فعال من قبل بكين ونيودلهي أولاً، ثم بتعاون جماعي من قبل دول منظومة "آسيان" الجنوب شرق آسيوية التي منحت عضويتها في عام 1997 لبورما تحت شعار إمكانية تأهيل ودمج هذا البلد بدلاً من عزله، لكن دون أن تحقق النتائج المرجوة.

فإذا ما بدأنا بمجموعة دول "آسيان" التي تبدو اليوم منزعجة أكثر من أي وقت مضى من ممارسات حكام بورما في إفقار بلادهم ونهب ثرواتها والتنكيل برموز المعارضة فيها، نجد أن أي قرار بفرض عقوبات تأديبية لن يكتب له نجاح إلا بتعاون دولة رئيسية هي تايلاند التي تبدو حتى الآن مترددة بسبب العلاقات الاقتصادية والتجارية القوية التي تربطها مع بورما ولاسيما في قطاع الغاز. والمعروف أن تايلاند تعتمد على مصادرها الذاتية من الغاز في توليد أكثر من 60 في المئة من احتياجاتها من الطاقة الكهربائية، لكنها تواجه مأزقاً بسبب الارتفاع المستمر في الطلب على الكهرباء من جهة واحتمالات نضوب احتياطياتها من الغاز المستخرج من خليج تايلاند خلال السنوات العشرين القادمة من جهة أخرى. وعليه فهي تتمسك بشدة بعلاقاتها مع يانغون التي توفر لها إمدادات حيوية من الغاز الطبيعي المستخرج من الحقول البحرية البورمية وبأسعار مناسبة طبقاً لاتفاقيات قديمة أبرمت في التسعينات، فيما توفر هذه العلاقات لجنرالات بورما عائدات تصل إلى نحو 160 مليون دولار شهرياً. وكانت بانكوك في عهد رئيس حكومتها السابق تاكسين شيناواترا قد تعرضت لانتقادات غربية شديدة بسبب علاقات "البزنس" هذه التي نظر إليها كأحد العوامل المساعدة على إطالة عمر الحكم العسكري القمعي وتأمين موارد مالية كبيرة لجنرالاته تعينهم على غيهم والإفلات من عزلتهم، الأمر الذي ردت عليه بانكوك في حينه بأنها تنفذ سياسات منظمة "آسيان" الخاصة بفتح نافذة على بورما على أمل دمجها وتأهيلها.

غير أن من يقف حقاً خلف إطالة عمر النظام البورمي هما العملاقان الصيني والهندي اللذان لكل منهما أسبابه المصلحية ودوافعه الاستراتيجية. فبكين مثلاً لا يعنيها حدوث أية إصلاحات سياسية في بورما، كيلا نقول إنها تحارب مثل هذه الإصلاحات خوفاً من حدوث صدى لها داخل الصين، وهو ما دفعها إلى التعتيم على أخبار انتفاضة الرهبان البوذيين الأخيرة ضد نظام يانغون قبل أن تجد نفسها مضطرة للحديث عنها باستحياء في وسائل إعلامها الرسمية بعد أن علم الصينيون بها من المواقع الإلكترونية، لكن مع التركيز على بيانات الحكومة البورمية التي وصفت الانتفاضة بالعمل التخريبي المدعوم من الغرب.

وبعبارة أخرى فإن ما يعني بكين هو فقط تقوية نفوذها في هذه البلاد ذات الموقع الاستراتيجي في المحيط الهندي على مقربة من الشواطئ الشرقية لمنافستها التقليدية الهندية، وذات الاحتياطيات الهائلة من الغاز الطبيعي الذي تعمل الصين على الاستحواذ على مكامنه حول العالم للوفاء بحاجاتها المتزايدة من الطاقة. وانطلاقاً من هذه النظرة استغلت بكين منذ أوائل التسعينات عزلة النظام البورمي لمده بكل أسباب الحياة ابتداء من السلاح وانتهاء بالمعونات والخبرات الفنية والبضائع الاستهلاكية، وذلك مقابل القواعد والتسهيلات العسكرية وإمدادات الغاز التي يقال إنها تساهم بنحو ثلث إجمالي عائدات بورما المتأتية من التصدير.

وفي هذا السياق لابد من التذكير بأن بكين تعمل حالياً على استكمال خط أنابيب للغاز يمتد من بورما إلى أقاليمها الجنوبية الغربية، وتحاول في الوقت نفسه إقامة خط آخر يربط ما بين المرافئ البورمية والأراضي الصينية لنقل مشترياتها من نفوط إفريقيا والشرق الأوسط تفادياً لمرورها في مضيق ملقا المحفوف بمخاطر القرصنة والبعيد نسبياً، علماً بأن بورما مرتبطة باتفاقية مع شركة "بتروتشاينا" لتزويد الصين بنحو 6.5 تريليون قدم مربع من الغاز المستخرج من خليج البنغال لمدة 30 عاماً، الأمر الذي يوفر للنظام البورمي ما لا يقل عن 600 مليون دولار سنوياً على مدى العقدين القادمين.

أما نيودلهي التي ظلت لبعض الوقت تزدري النظام الحاكم في يانغون، قبل أن تغير سياساتها نحوه وتتعاون معه، بل وتمده ببعض أنواع الأسلحة مثل طائرات الهليوكوبتر، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى القيام بذلك خشية من تحول بورما إلى منطقة نفوذ خالصة لغريمتها الصينية، لاسيما وأن تاريخاً خاصاً من الروابط التي تعود إلى زمن الاستعمار البريطاني يجمع الهند وبورما. إلى ذلك فإن عطش الهنود للطاقة والاستحواذ على مكامنها وتنافسهم في هذا المجال مع الصينيين، دفعهم إلى تجنب الإدانة الصريحة والقوية للممارسات القمعية للنظام البورمي، بل دفعهم إلى معارضة جهود فرض العقوبات الاقتصادية عليه بحجة أن ما يجري هناك شأن داخلي محض.

والمعروف أن الهند تسعى منذ بعض الوقت، وعبر تقديم العديد من الحوافز للنظام البورمي، إلى تأمين إمدادات الطاقة من بورما عن طريق مد خط لأنابيب الغاز من الأخيرة إلى أراضيها عبر بنغلاديش التي تطالب بالمزيد من التسهيلات التجارية والرسوم نظير السماح لمرور الخط عبر ترابها. كما أن الشركات الهندية العاملة في مجال التنقيب عن النفط والغاز تقوم بدور مهم إلى جانب نظيراتها الصينية والماليزية في دعم وتطوير قطاع الطاقة في بورما، بعدما نجحت الضغوط الدولية نسبياً في خروج بعض الشركات النفطية الغربية من هذه الدولة التي كانت في العقود الأولى من القرن العشرين بلداً منتجاً للنفط قبل أن يتراجع مخزونها النفطي وتستعيض عنه باكتشاف حقول الغاز الطبيعي في العقود اللاحقة.

والحال أن الصين والهند تعملان من منطلق مصالحهما الوطنية الخاصة ومن زاوية تنافسهما التقليدي في التمدد الاستراتيجي، غير آبهتين بمصير الشعب البورمي الذي لولا خضوعه منذ الستينات للديكتاتورية العسكرية المستبدة والقمع الممنهج، لكان في عداد الشعوب الآسيوية الصاعدة. وكما قال مؤخراً غوردون براون رئيس وزراء بريطانيا التي تتزعم دول الاتحاد الأوروبي في انتقاد ممارسات حكام بورما العسكريين، فإن للعملاقين الآسيويين مسؤولية أخلاقية لجهة إحداث انفراج في بورما بسبب نفوذهما في هذا البلد، وخاصة الهند باعتبارها كبرى ديمقراطيات العالم، بل البلد الذي قد يستفيد أكثر في حال وجود دولة ديمقراطية مزدهرة ونظام شفاف مستقر واقتصاد حُر في بورما المجاورة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-11-11-2007