مشروع نشر الديمقراطية

 

د. خليل الزبيدي

 

 

لقد ابتليت مجتمعاتنا العربية بنظم استبدادية حاكمة جثمت على صدور الشعوب لعشرات السنين ، مما أدى إلى ضعف الوعي الديمقراطي لدى تلك الشعوب وانهياره بالكامل ، الأمر الذي جعل هذا الانهيار يصب في خدمة تلك النظم الأوتوقراطية المستبدة وقد هيأ ضعف الوعي هذا مناخا خصبا ً لاستفحال الاستبداد وبناء نظم ديكتاتورية شمولية في المنطقة .

لكن مجريات الأحداث في العالم وعملية التغيير المفروضة من واشنطن نحو بناء شرق أوسط جديد فضلاً عما حصل في العراق من انقلاب جذري ، أثار حفيظة تلك الأنظمة السياسية القمعية وجعلها تطلق صيحاتها في كل مناسبة وهي الخصوصية العربية أو الاستثناء العربي من هذا المشروع لتبرير تأجيل عملية الإصلاح السياسي والتي حاولت تلك الأنظمة من خلالها الترويج لفكرة صعوبة التحول الديمقراطي في المنطقة العربية استنادا إلى الخصوصيات الثقافية والسياسية الدينية...الخ للمنطقة ، بالإضافة إلى الربط بين انتشار الإرهاب والتنظيمات الإرهابية من ناحية، والجمود والفشل السياسي من ناحية أخرى. واليوم تواجه عملية التغيير التي حصلت في العراق مواجهة مضادة وقوية من قبل تلك الأنظمة ، والسبب يعود إلى المخاوف والقلق الدائم لأصحاب هذه النظم المستبدة من نجاح التجربة العراقية الحديثة التي باتت تهدد عروشهم .

وبسبب أواصر العلاقة المتينة بين التيارات الأصولية والنظم السياسية التسلطية في المنطقة فعلينا أن نعلم بأن جوهر الصراع الحقيقي يقع بين هؤلاء الذين يرفضون الحداثة من جهة وأولئك الذين يعملون بشدة على نشر الثقافة الديمقراطية من جهة أخرى وهم الاصلاحيون ، الذين يؤمنون بتطوير مؤسسات الدولة ونشر القيم التي تقبل وتشجع حكم القانون، وتؤمن بوجود حكومات تمثيلية تخضع للمساءلة، وتحترم حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المرأة والأقليات، ووجود الإعلام المستقل، ومجتمع مدني قوي، واقتصاد السوق الحر، وهذه بمجموعها تمثل شروطا أساسية لإقامة مجتمع ديمقراطي حديث في العالم العربي. ولنستعرض أهم معوقات نشر الديمقراطية في العالم العربي والتي تتلخص بأربعة معوقات رئيسية:

1- ضعف المعارضة السياسية في الدول العربية بالمقارنة بمثيلاتها في بعض دول أوروبا وأمريكا اللاتينية. فرغم التطور المهم الذي شهدته المعارضة في مصر، على سبيل المثال، خلال السنوات الأخيرة بالمقارنة بفترات سابقة، فإنها ما زالت ضعيفة؛ فحزبا الوفد والغد، لم يستطيعا حتى الآن ـ في ظل القيود السياسية والقانونية القائمة ـ التحول إلى أحزاب جماهيرية قوية، وما زالا من الاحزاب النخبوية التقليدية.

2- سيطرة قوتين رئيسيتين على الفضاء السياسي، الأولى هي النظم السياسية الحاكمة، والتي تتراوح بين أوتوقراطيات تقليدية وحداثية، حيث تستند تلك النظم إلى أحزاب جامدة لا تواجه أية معارضة سياسية حقيقية. القوة الثانية هي الجماعات الإسلامية التي تستخدم الدين وتقديم الخدمات المختلفة لتعبئة الفقراء والمهمشين. وكل منهما يقدم خدمة للآخر، فالنظم الحاكمة تبرر سيطرتها على السلطة وتعطيلها أية إصلاحات سياسية حقيقية كنوع من الدفاع عن المجتمع ضد سيطرة الإسلاميين، وفي المقابل، فإن الإسلاميين يستغلون عملية استبعادهم من الحياة السياسية على يد الدولة كوسيلة لجلب التعاطف معهم، كما يقدم لهم المسجد فضاء سياسيا بديلا غير متاح للمعارضة الديمقراطية.

3ـ الارتباط القوي بين القضايا الجيو- سياسية والأمنية في المنطقة من ناحية، وعملية التحول الديمقراطي من ناحية أخرى. فكلما اشتعلت الأهداف والأهواء الدينية والطائفية والقومية تحت تأثير الصراعات الإقليمية ، خاصة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كلما أصبحت عملية نشر الديمقراطية في المنطقة أكثر صعوبة وتعقيدا، وزادت عزلة الليبراليين الإصلاحيين والديمقراطيين والمعتدلين وتهميشهم ، وقويت شوكة المتطرفين والمتشددين، وتراجع مستوى الضغوط الواقعة على النظم الحاكمة لإجراء إصلاحات داخلية حقيقية.

4ـ ميل الشعوب العربية إلى تحميل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية مسؤولية مشكلات المنطقة، ومسؤولية حل تلك المشكلات أيضا، واعتقد انه نمط من التفكير لا يتوافق وعملية نشر التحول الديمقراطي في المنطقة، فالخارج ربما يكون مسؤولا بشكل أو بآخر عن تلك المشكلات، وتقع عليه أيضا مسؤولية تقديم المساعدة لمواجهة تلك المشكلات، إلا أن التحول الديمقراطي الحقيقي يأتي فقط عندما يضطلع الداخل والشعوب العربية ذاتها بمسؤولية تقرير مصيرها، فالديمقراطية يجب أن تأتي من الداخل، وإلا فلن تأتي على الإطلاق ويعني ذلك أن أية دبلوماسية أو إستراتيجية أمريكية لتشجيع التحول الديمقراطي في المنطقة يجب ألا تقوم على اعتبار ان الولايات المتحدة هي الوكيل المعتمد الوحيد لعملية التغيير في المنطقة. وهنا نتساءل كيف يمكن تشجيع عملية التحول الديمقراطي في المنطقة وفق أهداف وأدوات عملية فعالة على المدى البعيد ؟ وهل من وصفة ناجعة لنشر الديمقراطية في البلدان العربية . فليس من السهل بناء إستراتيجية فعالة لنشر الديمقراطية في المنطقة، ولكنها ليست مهمة مستحيلة.

فالعناصر الرئيسية لأية إستراتيجية أمريكية فعالة لنشر الديمقراطية في المنطقة تكمن في ضرورة مساعدة ودعم الأحزاب الديمقراطية الفاعلة في الحياة السياسية، سواء كانوا أفرادا أو جماعات منظمة، وهو ما يعني ضرورة العمل مع القيادات والجماعات الصاعدة من المجتمع المدني والتي شكلت قاعدة مهمة لحركات التغيير الجماهيرية مما يسمح لها ببناء قاعدة شعبية واسعة.

ومن ناحية أخرى، فإن دعم تلك القوى يجب أن يكمله دعم الجماعات المدنية والمهنية التي تراقب أنشطة الأجهزة الحكومية، والتي تلعب دورا مهما في التأثير في السياسات العامة، ودعم الإعلام المستقل، ومحاربة الفساد، ودعم حكم القانون واحترام حقوق الإنسان وتشجيع مشاركة المرأة والشباب، والانفتاح الاقتصادي.

كما إن دعم الإصلاحات الحقيقية داخل الأحزاب السياسية الحاكمة والتيار الإسلامي المعتدل الذي يقبل بفكرة الإصلاح الديمقراطي، ومساعدة هذا التيار على تطوير قيم وقواعد جديدة للمشاركة السياسية تتجاوز مجرد قبول المشاركة في الانتخابات واحترام نتائجها من شأنه أن يساعد على نشر الثقافة الديمقراطية . هذه القواعد والمبادئ يجب أن تشمل التخلي عن العنف، وقبول حقوق المرأة وحقوق الأقليات، ودعم الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية.

إنها معركة بين أنصار الديمقراطية وأعدائها، بين الشعب وأعدائه، بين الحضارة وحقوق الإنسان وحق الشعب في حكم نفسه بنفسه من جهة وبين الهمجية وقوى الإرهاب التي تريد مصادرة هذه الحقوق وفرض حكمها بالنار والحديد. فأي تخل عن الديمقراطية يعني الاستسلام التام للقوى الظلامية الشريرة. ولن أبالغ إذا قلت أن مستقبل المنطقة العربية كلها يعتمد على ما تفضي إليه نتائج هذه المعركة الحامية الوطيس التي اختارت الأقدار أن يكون العراق ساحة لها.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:جريدة كل العراق