العولمة وبنى الثقافة... الفهم قبل التقييم

 

السيد يسين 

 

 

تعرضنا في سلسلة مقالات لظاهرة التطرف الأيديولوجي بشكل عام، والتطرف الأيديولوجي الإسلامي بشكل خاص، والذي اعتبرناه البنية التحتية - إن صح التعبير- للسلوك الإرهابي الذي تتبناه حركات إسلامية متشددة.

وهذا السلوك الإرهابي أدى بأنصاره، ونقصد أعضاء الجماعات الإسلامية الانقلابية، إلى توجيه ضرباته الغادرة إلى عديد من الحكومات العربية في مصر والمغرب والجزائر والسعودية، بغرض محدد هو إسقاط النظم السياسية في هذه الأقطار، وتأسيس دول دينية تحكم بتطبيق الشريعة الإسلامية كما يؤلون أحكامها، في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع.

وسرعان ما انتقلت هذه الجماعات الإرهابية من توجيه ضرباتها لممثلي الحكومات العربية التي ترفض شرعيتها، سواء كانوا من رجال السياسة أو من رجال الأمن، إلى الشعب ذاته!

حدث ذلك في لحظة فارقة من المسيرة الإرهابية المدمرة بعدما فقد قادة هذه الجماعات الإرهابية الوعي بالواقع، ولم يجدوا ضيراً في ضرب شرائح من الشعب سواء بشكل غير مباشر حين تصيب الضربات الإرهابية الجماهير من دون تمييز، أو بشكل مباشر بدعوى أن هذه الجماهير من أتباع "الطاغوت" ولذلك فهي تستحق الموت "شرعاً"- في عرفهم - مثلهم مثل الحكام الظالمين!

في هذه اللحظة بالذات فقدت هذه الجماعات الإرهابية بعض التعاطف الذي كانت تحظى به من قبل الخصوم السياسيين للأنظمة الحاكمة العربية، والذين ظنوا وهماً أن معركتهم واحدة. ذلك أنهم سرعان ما تبينوا أنهم كغيرهم أهداف مشروعة من قبل هذه الجماعات الإرهابية.

وما دمنا عُنِينا بدراسة ظاهرة التطرف الأيديولوجي، فقد كان لزاماً علينا - من باب الدراسة التطبيقية - أن نقوم بدراسة حالة لجماعة "الإخوان المسلمين" في مصر وسوريا. و"جماعة الإخوان المسلمين" في مصر هي الجماعة الرائدة التي أنشاها الشيخ حسن البنا في مدينة الإسماعيلية عام 1928، وسرعان ما نمت وتطورت وأصبح لها فروع في الأردن وسوريا وغيرهما من البلاد العربية. وقد وصلنا من دراسة البرنامج السياسي الذي طرحته جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر لإنشاء حزب سياسي، إلى أنه يقوم في الواقع على محاولة تأسيس دولة دينية.

وهكذا يظهر أن مشكلة خلط الدين بالسياسة من المشكلات الحادة التي تواجه المجتمع العربي في مسيرته، بل أصبحت - في ظل الإرهاب الذي تعدى حدود العالم العربي - ووجه ضرباته إلى الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، مشكلة عالمية.

والإصلاح السياسي الذي تدعو له جماعات "الإخوان المسلمين" في مصر وسوريا، كمشاركة منها في خطاب الإصلاح السياسي الذي ترفعه الآن نظم حكم سياسية عربية شتى، لا يمكن فهم اتجاهاته بغير تحليل ثقافي متعمق ولذلك تساءلنا في مقالنا الأخير "إصلاح سياسي أم ثورة ثقافية؟"،

والأطروحة الأساسية التي أثرناها هي أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح السياسي أياً كان عمقه بغير تغيير جوهري في بنية المجتمع وفي نسق القيم الذي يوجه سلوك أعضائه. وتشاء الظروف أن أطرح هذا الموضوع في الوقت الذي نظمت فيه جريدة "الاتحاد" منتدى فكرياً شاركت فيه مجموعة من أبرز كتابها في صفحة "وجهات نظر" يدور حول موضوع "تحديات الثقافة العربية في عصر العولمة"، وانعقد المنتدى يوم الـ22 من أكتوبر 2007.

وقد قدمت للمنتدى ثلاث أوراق أساسية وكان لكل ورقة معقبان، الورقة الأولى قدمها محمد عابد الجابري وكان موضوعها "طبيعة العلاقة بين ثقافة النخبة وثقافة المجتمع"، والثانية قدمها طيب تيزيني وموضوعها "العولمة والخصوصية الثقافية"، والثالثة والأخيرة قدمها السيد يسين وموضوعها "تحليل ونقد السياسات الثقافية العربية".

ودارت حول الأوراق الثلاث مناقشات بالغة الخصوبة، وخصوصاً بعد أن وجه المعقبون ملاحظات نقدية متعددة على كل ورقة من أوراق المنتدى، تعكس في الواقع اختلاف وجهات النظر بين المثقفين العرب فيما يتعلق بالعولمة والثقافة.

ويمكن القول إن تأمل حصاد هذه الأوراق البحثية والمناقشات يصل بنا إلى نتيجة مهمة هي أنه ليس هناك إجماع -وقد يكون ذلك ضد طبائع الأمور- بين المثقفين العرب حول تعريف العولمة أو تحديد طبيعتها. وأن النظر إلى الثقافة عموماً وإلى الثقافة العربية خصوصاً في مرحلتها الراهنة، محّل اجتهادات مختلفة وقد تكون متضاربة وقد حرصت في تعرضي للعولمة أن أذكر شعاراً وضعته لنفسي حين بدأت الكتابة التأصيلية عن العولمة منذ بداية التسعينيات، "وهو الفهم قبل التقييم"!

وقد رفعت هذا الشعار ضد الكتابات العربية التي سارعت إما إلى الموافقة المطلقة على "الليبرالية الجديدة" والتي هي من بين موجهات العولمة الاقتصادية، أو إلى الرفض المطلق على أساس أنها أعلى مرحلة من مراحل الإمبريالية الغربية.

والمنطلق الذي سقته مبناه أن فهم ظاهرة العولمة فهماً دقيقاً ينبغي أن يقوم على أساس أنها عملية تاريخية، تعتبر في الواقع ذروة من ذرى التطور السياسي والاقتصادي والاتصالي الذي لحق ببنية المجتمع العالمي منذ عشرات السنوات ولذلك فضلت أن انطلق من تعريف إجرائي للعولمة يذهب إلى أنها "سرعة تدفق السلع ورؤوس الأموال والخدمات والأفكار والبشر بين الدول بغير حدود ولا قيود".

ونستطيع من بعد أن نحلل نقدياً كل مفردة من مفردات هذا التعريف لنعرف كيف تمارس العولمة في الواقع، وما هي القوى الكبرى التي تهيمن على حركتها، وما هي النتائج التي أدت إليها، وما موقف دول العالم الثالث، وضمنها الدول العربية، منها. وحين نركز على الممارسة وليس على التعريف فقط، سنكتشف أن هناك حركتين عالميتين في مجال العولمة: "تجمع دافوس" والذي يشير إلى المؤتمر السنوي الذي ينعقد في هذه المدينة ويجمع أباطرة العولمة من الاقتصاديين والسياسيين والإعلاميين لتطوير برامجها وفرض هيمنتها على العالم.

والحركة المضادة لدافوس (Davos anti) والتي تجمع كل الحركات السياسية والاجتماعية والثقافية المناهضة للعولمة، والتي نشطت في ديربان وبورتو الليبحري لتندد بالآثار الكارثية للعولمة غير أنه أهم من ذلك كله، كانت وجهة نظرنا أن العولمة - باعتبارها عملية تاريخية- فيها إيجابيات وسلبيات.

وأبرز إيجابياتها أنها تحض الدول في العالم الثالث على رفع مستوى قواها البشرية، واستنهاض هممها الاقتصادية، وتطوير نظمها السياسية لتصبح ديمقراطية حتى تستطيع أن تدخل في حلبة المنافسة العالمية.

غير أن سلبيات العولمة البارزة هي أنها عملت على إقصاء عديد من دول العالم الثالث من خلال سياساتها الاقتصادية التمييزية، بالإضافة إلى ما أحدثته من تهميش اجتماعي للطبقات الفقيرة، حتى في البلاد المتقدمة ذاتها.

ومع ذلك نقول إنه لا يمكن في خضم الصراع السياسي والاقتصادي والثقافي الدائر في عالم اليوم إصدار حكم نهائي على العولمة. وذلك لأن القضية تتعلق بإرادة الشعوب ورغبتها في التقدم، وقدرتها على تنظيم صفوفها لتحدي التخلف، والدخول في إطار مجتمع المعلومات العالمي الذي يتحول ببطء، وإن كان بثبات، إلى مجتمع المعرفة وأياً كان الأمر فقد شعرت مع نهاية "منتدى الاتحاد" أننا في حاجة إلى تجديد التفكير في كل من العولمة والثقافة !

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية -2-11-2007