استنكاف الروس السياسي مرآة أزمة السلطة العمودية

 

مكسيم كرانس

 

 

خلص استطلاع رأي أجراه، أخيراً، مركز دراسة الرأي العام في روسيا نزولاً على طلب لجنة الانتخابات المركزية، الى أن أكثر من 60 في المئة من الروس لا يبالون بالسياسة. وتبلغ هذه النسبة بين الفئات الشابة 68 في المئة. وقد يحسب المراقب، للوهلة الاولى، أن هذه الأرقام تبعث على التفاؤل فسكان الدول الديموقراطية المتطورة لا يولون شؤون الأحزاب والشخصيات السياسية كبير اهتمام، ويقيسون شعبية هذه الشخصيات قبل اسابيع قليلة من مواعيد الاستحقاقات الانتخابية ولكن وجه اللامبالاة السياسية في بلادنا ليس مشرقاً. فبحسب استطلاع آخر للرأي قام به مركز ليفادا بالتعاون مع مركز الاتحاد الأوروبي - روسيا، يرى 94 في المئة من المواطنين أن تأثيرهم في الحوادث، اليوم، في روسيا ضئيل جداً. وقد يكون هذا الرأي وراء استنكاف الروس السياسي.

وفي منتصف الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، أصيب الروس بالدوار على وقع التغييرات الكبيرة، وعملية إعادة البناء والتحولات الديموقراطية والدخول في اقتصاد السوق وشعر كثيرون، للمرة الأولى في تاريخهم، أنهم مسؤولون عما يجري في بلدهم، وأنهم يملكون خيار البت في مصيرهم ووسط جو من الانتشاء، كنا على يقين من أن صوتنا في الانتخابات فاعل راجح. فاندفعنا إلى مراكز الاقتراع.

وخال أنصار الإصلاحات آنذاك أنهم قادمون على حصاد ثمار التغييرات، بعد عام أو عامين، على أبعد تقدير. ولكن توقعاتهم لم تصب وفي 1993، آثر أكثر من ثلث المواطنين الروس (من الاصلاحات)، التقوقع في منازلهم والتملص من مسؤولية الاختيار. وبلغت نسبة هؤلاء «الرافضين» في انتخابات مجلس الدوما 44 في المئة، في 2003.

وبحسب قول معروف ينسب الى الفيلسوف الإيطالي الثائر، غويزيبي ماتزيني (1805-1872)، «ينسى الحكام وعودهم، بينما لا ينساها الشعب أبداً» ولعل الشعار الديموقراطي الوحيد الذي رفعه فريق الرئيس بوريس يلتسين وأبصر النور، هو شعار حرية التعبير، وبقيت معظم الشعارات الأخرى حبراً على ورق والحق ان الخطأ الكبير الذي وقع فيه الروس هو اهمال وضع اواليات فعالة توازن بين السلطات، وتحول دون غلبة كفة سلطة على غيرها من فروع السلطة.

ومن شأن مثل هذه الاوالية تعزيز الحوار الاجتماعي الإيجابي، وتأمين مشاركة المواطنين في رسم بناء الدولة الجديدة الحديثة وتعريف مهمات هذه الدولة ولكن روسيا تفتقر، اليوم وعلى ما كانت في سابق عهدها، الى مجتمع مدني. ووضعت طبقة الموظفين، وهم منذ عهد الاتحاد السوفياتي رموز دولة ملتبسة وخيالية يعجز الشعب عن ادراك عملها، يدها على مقاليد الحكم والإدارة. وليس محض صدفة أن تأتي أجوبة الناس عن سؤال مركز «ليفادا»: «ما هدف أنشطة موظفي الدولة الأساسي اليوم؟» على النحو التالي: 55 في المئة من الروس يرون ان موظفي الدولة يسعون إلى رعاية مصالحهم الذاتية، و20 في المئة منهم يرون ان المسؤولين السياسيين يخدمون مصالح الدولة، و12 في المئة قالوا ان موظفي الدولة يخدمون مصالح السكان.

وأسهم تعديل القوانين الانتخابية في الأعوام الأخيرة، في عزل فئات المجتمع «الدنيا» عن الفئات «العليا». فالتعديل تناول انتخاب حكام الاقاليم  فحُصر الترشيح باللوائح الحزبية، ومُنع الناخبون من حجب الثقة عن نواب أخلوا بالتكليف والانابة، وأزيلت خانة اقترع «ضد الكل» من بطاقات الاقتراع وأضيف الى هذه التعديلات قرار نواب مجلس الدوما الأخير الذي يجيز لهم انتزاع الصفة النيابية من اعضاء المجلس الذين ينسحبون من كتلتهم النيابية وإلغاءها. وتوحي هذه التغييرات بأن مبدأ تمثيل إرادة المواطن الروسي اصبح مهزلة لذا، تراجعت ثقة الروس بمجلس الدوما وتدل معطيات مركز دراسة الرأي العام، الى ان نصف مواطني روسيا لا يثقون بهيئة السلطة العليا المنتخبة في البلاد. ومن المفترض أن تكون هذه الهيئة جوهر المجتمع الديموقراطي وركيزته. ويرى ثلث الروس أن بلدهم هو في غنى عن البرلمان!

ولا ريب في ان هذه الآراء هي مرآة عمق أزمة النظام البرلماني ومشكلات الديموقراطية الروسية  وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة «الثماني الكبار» الأخيرة أننا لا نسعى إلى «اختراع ديموقراطية روسية خاصة» وإن ديموقراطيتنا ستتطور مثل سائر «الدول المتحضرة بالاستناد إلى المبادئ العامة» ولكن واقع الامر يظهر أن بلدنا لا يزال يبحث عن ديموقراطية خاصة به. وربما لا يحتاج الروس إلى الديموقراطية؟

والدليل انهم عاشوا من دونها في الماضي حياة لا يستهان بها! وتخالف دراسات علماء الاجتماع هذه الخلاصة. ويدعو أكثر من 70 في المئة من عينة الاستطلاع الى انتخاب هيئات السلطة كلها، والى تعدد الأحزاب وضمان استقلال وسائل الإعلام ونشر الديموقراطية الحقيقية ولكن المشكلة هي ان معظم الروس لم يختبروا الديموقراطية من قبل، ولم يعيشوا في ظلها وقد يُزعم ان هذا التناقض بين ما يصبو اليه الروس وبين ما خبروه هو وراء الاستنكاف الاجتماعي السياسي الروسي. ورصد استطلاع رأي أجرته شركة «Synovate» الدولية بطلب من الـ «بي بي سي وارلد» في 15 بلداً أن نسبة الاستعداد لأداء واجب الاقتراع في روسيا بلغت 34 في المئة، وأن هذه النسبة هي الادنى قياساً على بقية البلدان المشمولة بالاستطلاع ولا ريب في ان ارتياب الروس من الانتخابات له مبرراته. فالسلطة تبسط سيطرتها أكثر فأكثر على نظام إدارة الدولة، وتصادر حق المجتمع في اتخاذ القرارات.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدرالمذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية نقلا عن «نوفوستي» الروسية-19-10-2007