الشفافية في عصر معــتــّم

 

د. أحمد البغدادي 

 

 

كلما ظهرت في الغرب قضية، سارع العرب إلى تقليدها دون أي دراسة لمدى توافر أركان نجاحها أو فشلها. وقضية "الشفافية" أو "ترانزبيرنسي" بالإنجليزية، من القضايا التي ولج العرب إليها مؤخراً دون تبصُّر بحقيقة الواقع المعتم الذي يعمُّ ويطمُّ العالم العربي.

وما كان لهذه القضية أن تظهر إلى الوجود لولا انتشار الفساد السياسي والإداري في العالم بشكل عام  وإذا كان من الممكن لـ"الشفافية" أن تجد لها موضعاً في العالم الغربي, فذلك يعود حقيقة إلى أن العالم الغربي، عالم تحكمه المؤسسات, وقابلية اجتماعية وقانونية لتحول القانون إلى واقع ملموس, فضلاً عن أدوات الرقابة الأهلية المتعددة, مثل الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني التي تملك من قوى الضغط الاجتماعي والسياسي ما لا يملكه أي مجتمع آخر, وهو وضع لا تتوفر أركانه في عالمنا العربي.

ولكن مع كل هذا الوضع السيئ، هناك من بدأ محاولة تأسيس جمعية أهلية للشفافية، كما هو حاصل في الكويت اليوم، وربما توجد هناك جمعيات أهلية مماثلة في بلدان عربية أخرى، لكن المقصود أن هذه الظاهرة آخذة في الانتشار والتزايد في محاولة لتقليد الغرب في مجال إتاحة المعلومات لكل من يريد ذلك، وسهولة التوصل إليها، في وضع شفاف يؤدي بمختلف المؤسسات الرسمية والأهلية إلى توفير كل المعلومات المطلوبة لمن يريد, وهو وضع أشبه ما يكون بسياسة العلانية أو "الغلاسنوست" التي تبناها الرئيس السابق للاتحاد السوفييتي قبل انهياره، ميخائيل غورباتشوف، وهي السياسة التي ترافقت مع حركة إصلاح الاتحاد السوفييتي السابق والمعروفة بـ"البروسترويكا".

العالم العربي باعتباره من الدول الاستبدادية، لا يوفر سبلاً قانونية للفرد للحصول على المعلومات التي يريدها، سواء لأغراض البحث العلمي أو لمتابعة مختلف الأوضاع في مؤسسات الدولة بنوعيها الرسمي والأهلي. ويعتقد البعض ممن يسعون حالياً إلى تأسيس هذا النوع من الجمعيات الأهلية، أنه من الممكن والمتيسر تحقيق هذا الحلم، ولو بعد حين.

والسؤال: هل سينجحون في ذلك؟ باعتقادي أن المشكلة في العالم العربي ليست متعلقة بسبل توفير المعلومات، بقدر تعلقها بحقيقة مدى وجودها في الملفات الرسمية، وخاصة أن من حق الحكومات، بما في ذلك الدول الغربية، حجب المعلومات التي تضر بالمصالح الوطنية وفقاً لتقديرات النظام السياسي. وكلنا يتذكر كثرة التشطيب بالأسود لتقرير اللجنة التي بحثت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية. ولنا أن نتخيل ماذا سيكون عليه الوضع في عالمنا العربي، المليء بالأحداث الدرامية التي يندى لها الجبين.

هل من المتصور لدى مؤسسي جمعيات الشفافية العربية، إمكانية الحصول على معلومات تتعلق مثلاً, بتزوير الانتخابات، وما أكثرها في عالمنا العربي, أو المعلومات الخاصة بالمؤسسة العسكرية التي لا تخضع لقانون الرقابة المحاسبية المسبقة، علماً بأن ميزانيات هذه المؤسسة يتم إقرارها بصورة سرية، حتى لو كان هناك برلمان يمثل الأمة؟

لاشك أن حالة "الشفافية" أمر مطلوب ولازم في عصر تدفق المعلومات، لكن في عالمنا العربي, دون ذلك خرط القتاد، كما تقول العرب المستعرِبة. ومن ثم ليطمئن كل مسؤول في هذا العالم التعس والذي تكتنفه العتمة في عز النهار, فيما يتصل بقضية المعلوماتية، بأن هذه الجمعيات الأهلية، حتى لو تأسست حقيقة, فلن تحصل سوى على "قبض الريح".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-30-10-2007