الولايات المتحده و العودة للعصر الذهبي

 

 

تشارلس إيه.كوبشان

                                                                                                                                                                                           بيتر إل.تروبويتز

 

 

في اعتقادنا أن التحدي الأكبر الذي يواجه الرئيس الأميركي المقبل، هو إعادة التوازن للسياسات الخارجية لبلاده مستخدماً في ذلك إرادته السياسية، والملاحظ أن الإرادة السياسية الثنائية الحزبية الأميركية قد تمكنت من الحفاظ على استقرار سياساتنا الخارجية طوال الخمسين عاماً الماضية.

أما اليوم فتسود الانقسامات الحادة بين أعضاء الكونجرس وعامة الجمهور الأميركي معاً بشأن الحرب على العراق؛ فعلى رغم الشهادة التي أدلى بها الجنرال ''ديفيد بترايوس'' - القائد العام للقوات الأميركية في العراق أمام الكونجرس مؤخراً- وأكد فيها نجاح الاستراتيجية الأمنية القائمة على زيادة عدد القوات، أظهرت استطلاعات للرأي أن نسبة 82 في المائة من الأميركيين تطالب بعودة القوات خلال مدة عام من الآن، بينما لا تزال نسبة 71 في المائة من الجمهوريين تعتقد بضرورة استمرار بقاء القوات إلى حين اكتمال المهمة التي أرسلت لأجلها.

هناك من يرى أن السياسة الخارجية الأميركية لم تتضرر من خلافات الثنائية الحزبية منذ بداية القرن العشرين، بهذا القدر من الضرر الذي لحق بها الآن، والمثير للاهتمام، إدراك المرشحين الرئاسيين الحاليين من كلا الحزبين لهذه المشكلة، وإبداء رغبتهم وعزمهم على تجاوزها، غير أن المؤسف أنه ليس ثمة أساس يدعم النداءات والدعوات هذه، فقد انتهى عهد الإجماع الثنائي الحزبي، في أفق المستقبل القريب المنظور على الأقل.

والحق أن الأزمة التي تمر بها السياسات الأميركية الآن، ليست قاصرة على هذه الحرب المضللة التي تخوضها إدارة الرئيس بوش في العراق بل إن لانقسام الأوساط السياسية الأميركية حول الكيفية التي يجب أن تتعامل بها البلاد مع العالم الخارجي، جذوراً أبعد وأعمق تأثيراً على خلخلة المركز السياسي لأميركا.

ذلك أن انهيار الإمبراطورية السوفييتية، مصحوباً ومتبوعاً بالتوترات الإقليمية والململة الطبقية الداخلية، قد أسهمت جميعاً كعوامل في تقويض قاعدة تحالف الوسط السياسي الثنائي الحزبي الأميركي القائم حينئذ، وهو التحالف الذي كان يحمي ظهر السياسات الخارجية الأميركية ويجنبها شر التطرف الحزبي بشأنها، والدليل أنها حافظت على استقرارها حتى في ظل أحلك الظروف وأكثرها انفلاتاً في التعبير عن المواقف الأيديولوجية المتنافرة، على نحو ما حدث إبان حرب فيتنام.

وعلى رغــم مــا قيل سابقـــاً، إلا أن المــرة الأخيرة التي تحقـق فيهــا إجمــاع الإرادة السياسية على سياساتنا الخارجية، هي تلك التي حدثت في عهد الرئيس الأسبق ''فرانكلين روزفلت'' الذي كان قد التقط زمام المبادرة في رص صفوف الإجماع السياسي حول تلك السياسات، ولكن المشكلة أن ''روزفلت'' كانت تسيطر عليه سموم سياسات ''ودرو ويلسون'' الرامية إلى الحصول على موافقة مجلس الشيوخ على انضمام أميركا لعضوية ''عصبة الأمم'' في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وسعياً منه إلى تفادي تلك المواجهة الشرسة التي لقيها سلفه من قبل المعارضة الجمهورية، عمد ''روزفلت'' إلى مشاركة الجمهوريين في سياساته الخارجية، وبذلك بتعيينهم في مناصب كبيرة وحساسة في إدارته، إلى جانب تعديل استراتيجياته بحيث تقطع الطريق أمام أي اعتراضات انعزالية على سياساته تلك.

ومما لا ريب فيه أن قدرات روزفلت القيادية الأسطورية قد لعبت دورها في بناء الإجماع الثنائي الحزبي حول السياسات الخارجية لأميركا، وكذلك كان لاندلاع الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من فترة الحرب الباردة مع السوفييت، تأثيرهما الواضح على انضباط السياسات الأميركية بشكل عام، ما خفف كثيراً من غلواء التنافس الحزبي الداخلي. وفي الاتجاه نفسه، فقد كان للتوسع السوفييتي والياباني والألماني أثره الملحوظ على تصاعد المطالب على أميركا بإظهار قدراتها العسكرية والسياسية، إلى جانب قدراتها في الحفاظ على حلفائها وأصدقائها. ثم إن الفجوة الاقتصادية نفسها كانت قد تقلصت كثيراً بين الأغنياء والفقراء في أواخر عقد الثلاثينيات ومنتصف عقد الأربعينيات، ما كان له أثره في الحد من التوترات بين الشمال والجنوب من جهة، والتقليل من التناحر الطبقي الذي كان يغذي المشاحنات والمواجهات الحزبية من الجهة الأخرى.

واليوم فقد تغيرت هذه الظروف المحلية والعالمية كثيراً، ما يجعل استعادة التوازن ووحدة الإرادة السياسية في سياساتنا الخارجية مهمة بالغة الصعوبة على أي رئيس يتولى زمام الأمر بعد هذه الإدارة؛ لكن ومع ذلك، فإن في وسع انتهاج البراجماتية الواقعية، وتخفيف الوطأة العسكرية في العراق، ما يعيد بعض التوازن المفقود إلى هذه السياسات مجدداً.

تشارلس إيه. كوبشان : أستاذ الشؤون الدولية بجامعة جورج تاون

بيتر إل. تروبويتز: أستاذ شؤون الحكم بجامعة تكساس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست