الشعوب تساند الاستبداد

 

د. طارق سيف 

 

 

يعتقد كثيرون أن بعض الشعوب العربية مظلومة، وهي ترزح تحت نير ظلم الاستبداد، وقهر الأنظمة الديكتاتورية، وبطش الأجهزة الأمنية والبوليسية، وانتشار الفساد الإداري، وعدم الاستقرار وافتقاد الأمن الذاتي، وفقدان الأمل في مستقبل أفضل، متناسين أن لهذه الشعوب دوراً رئيسياً بل حاسماً في مساندة هذا الاستبداد، واستمراء هذه الديكتاتورية والترحيب بالعبث في إرادتهم ومصيرهم، وعادة ما تسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في توحُّش الطغاة وتجبُّرهم.

وليس السبب كما سيدعي البعض في السلبية التي تسم هذه الشعوب، والصمت المطبق عن التعبير عما تشعر به، والاستسلام التام لمصيرها المحتوم، وغض الطرف عما تراه من أفعال، إما نتيجة لانشغالها بالبحث عن لقمة العيش، أو نتيجة سقوطها في دوامة الهموم اليومية التي لا تنتهي من الغلاء والتضخم وتدهور أحوال المعيشة والخدمات، والانتظار في طوابير ممتدة للبحث عن عمل، والمعاناة الدائمة في قضاء المصالح الحكومية والأعمال الرسمية.

كذلك فإن السبب ليس ما يدعيه البعض الآخر، من قناعة هذه الشعوب بالقضاء والقدر، والارتكان إلى مقولة: "أمسك عليك مجنونك ليجيك أجن منه"، و"اللي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه" فبعض الشعوب لها دور إيجابي مدهش وغريب في آن واحد، في مساندة الاستبداد والديكتاتورية، وتبرز هذه الإيجابية في صور كثيرة، تتحمل الشعوب وحدها مسؤولية ممارستها.

الصورة الأولى تتمثل في الإيمان المطلق بالشعارات الزائفة دون نقاش، وتصديق الوعود الكاذبة التي تطلقها الأنظمة الاستبدادية، بعد أن غيبت دور المؤسسات، وفقد الفرد المسؤولية في بناء وطنه، وارتكن لهذه الشعارات والوعود، لذلك بدت الجماهير سهلة الانقياد وعصية على التذمر، ومجرد متلقية راضية بلعب دور "الكومبارس" أو "الكورس" في مواجهة حكومات أباحت لنفسها كل شيء، فهي المتحكمة في الوطن وما عليه، في ظل سيادة مقولة إن الشعب فاقد الأهلية ولم يبلغ سن الرشد، وإن الحكومة "تعرف كل شيء"، ومثل هذه الشعوب تعيش في الوهم، بل وتصدقه، وفي أحيان كثيرة تسعى إلى نشره، وتقف ضد من يحاول إيقاظها وإعادتها إلى أرض الواقع.

والصورة الثانية للجماهير "الإيجابية" في مساندة الاستبداد تتمثل في التهليل المستمر والتطبيل الدائم، بسبب وبدون سبب، لكل ما يطرحه النظام الديكتاتوري من خطط واستراتيجيات، وما يتخذه من مواقف متطرفة بغض النظر عما إذا كانت لصالح الوطن أم ضده؛ بهدف شغل الشعوب عن ظروفها الداخلية، والتي عادة ما تعرض الوطن إلى نكسات ونكبات، يدفع ثمنها الشعب نفسه مادياً ومعنوياً واجتماعياً، وربما يرجع ذلك إلى جهل هذه الشعوب بالتفرقة بين الحق والباطل، أو خداعها بقضايا ظاهرها الوطنية وباطنها التضليل والمصالح الشخصية، ومن ثم يتم تزييف وعيها واستلابها وإضعاف إرادتها على الفعل؛ في ظل تقمص الدولة صورة "النظام الأبوي" المدافع عن الوطن واستقلال إرادته.

أما الصورة الثالثة فتبرز في تخلي الجماهير، طواعية أو قهراً أو خداعاً، عن ممارسة حقها في متابعة أداء الحكومة واستيضاح مواقفها تجاه القضايا المصيرية والسياسات العامة، ونقدها وإسداء النصح لها، والتعبير عن سخطها وتبرمها ورفضها لبعض القرارات والسياسات التي تضر بمصالح الأمة، والتعبير عما تواجهه أو تشعر به من ظلم وقهر بأي وسيلة مشروعة، سواء أتى هذا الظلم والقهر من مسؤول كبير أو صغير، أو الموظف الذي يخل بواجبات وظيفته، لأنه عادة ما يشعر كل موظف في الأنظمة الاستبدادية أنه يمثل النظام، فهو "فرعون" أو "ديكتاتور" صغير في عمله، ينتقم من الجماهير التي تتعامل معه، ويمعن في تعطيل مصالحهم لتأكيد سطوته وسيطرته، ويهدف إلى التربح من وظيفته دون وجه حق، ويهتم بالواسطة على حساب الحق، وهنا تتنازل الجماهير عن حقها الرقابي للموظف العام تحت زعم أنه "مسنود"، أو بحجة الخوف من تعطيل مصالحها، وبذلك تزداد فرعنة الموظف ويتمسك أكثر بفساده الإداري.

والصورة الرابعة من صور مساندة الجماهير للاستبداد تبرز أكثر وضوحاً في عدم المشاركة الجدية للجماهير في الاستفتاءات والانتخابات التي يريد بها النظام تثبيت شرعيته من جانب، أو في سوء اختيارها لمن يمثلها في المجالس النيابية من جانب آخر، أو في لجوء بعض فئات الشعب إلى بيع أصواتها لمن لا يستحق. ثم يزيد من عمق المسألة عدم تذمر المجتمع من نتيجة هذه الانتخابات بأي من طرق التعبير السلمي، إذا جاءت مخالفة لإرادته الانتخابية، في ظل قناعة سائدة لدى أفراده بأن أصواتهم لن تقدم أو تؤخر في قيام الحكومة باختيار من تريد أن يفوزوا في الانتخابات، متناسين أن المشاركة الجادة في العملية الانتخابية وبأعداد كبيرة قد تجبر، إن آجلاً أو عاجلاً، الحكومات على احترام إرادة الشعوب، وتجد صعوبة في تجاهلها أو تزويرها، أو على الأقل قد تتجاوب مع هذه الإرادة التي ستزداد قوة وإصراراً بمضي الوقت.

إن لبعض الشعوب دوراً إيجابياً فعالاً في مساندة الأنظمة الحاكمة المستبدة والديكتاتورية، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع مثل هذه الأنظمة إلى الاستمرار في غيها، وفرض إرادتها وسطوتها، وتناسي مسؤولياتها تجاه شعوبها، فتتبدل الأدوار وتصبح الشعوب صاحبة المصلحة الحقيقية في الدولة ضيفة في أوطانها، وتعيش عبئاً على حكومتها التي تصبح "مالك" الدولة بعناصرها من أرض وشعب، ومن ثم تصبح هذه الشعوب رهن إرادة الحكومات.

والمفارقة المهمة هنا هي في الشعور العام، داخلياً وخارجياً، بوجود خلل واضح في توازن القوى لصالح الحكومات التي "لا تملك" ولكنها تحكم، فهي تسيطر على القوات العسكرية وشبه العسكرية وأجهزة متعددة من الأمن والشرطة والاستخبارات، وعلى وسائل الإعلام، لفرض حكمها بالقوة وتوجيه الرأي العام وفق ما تريد.

وتوجد أمثلة عديدة على ذلك سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في بعض الدول الأخرى، بينما الشعوب هي صاحبة الأرض والثروة الوطنية وتمتلك الرصيد البشري لبناء الدولة والحفاظ على كرامتها الوطنية والدفاع عن مصالح الوطن الحيوية، وهي القادرة على منح الحكومة الشرعية اللازمة لها، وتوفير المصداقية لقراراتها، الشعوب تملك ذلك كله ولا تحكم.

وإذا كان تغيير أنظمة الحكم يتم في هذه الدول إما "بالقبر" أو "بالقهر"، فإن هذا لا يعفي الشعوب من تحمل مسؤوليتها في التعبير عن إرادتها، على الأقل عليها ألا تنساق وراء الشعارات والوعود الزائفة، ولا تناصر الباطل على الحق، ولا تشارك في الانتخابات والاستفتاءات، وعليها أن تشارك بإيجابية في فضح الفساد الإداري، وأن يشعر الموظف الحكومي بولائه لوطنه، وإخلاصه في عمله، فهو من نسيج هذا الشعب وعليه أن يسهم في الحد من معاناته بالقيام بمهام وظيفته ونشر "ثقافة العمل"، والتمسك بقيم وأخلاقيات المواطنة.

ومن جانب آخر نجد أن بعض الشعوب تنجر إلى صراعات طائفية وعرقية تشغلها عن القيام بدورها تجاه وطنها، وتدفعها إلى السقوط في الحرب الأهلية، وتساعد على التدخلات الخارجية التي عادة ما تكون لها مصالحها الخاصة، فتزيد من عملية الاستقطاب الداخلي، وتقود في النهاية إلى تحالفات طائفية وعرقية، غير مكتوبة، يصعب الفكاك منها.

لا شك أن استيقاظ الوعي الجماهيري، والضمير الشعبي هو أساس العمل السياسي الداخلي لأي دولة، فهو الضامن للتماسك الاجتماعي والوطني، والمحافظ على الهوية الوطنية، والمساند للقرارات الخارجية، والذي في النهاية يتحمل تبعاتها ويدفع ثمنها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية - 28-10-2007