ارتداد أمريكا عن دعم الديمقراطية العربية

(2-2)

 

 

اتجهت مراكز الأبحاث الأمريكية إلي إلقاء الضوء علي المدى الذي وصلت إليه جهود الولايات المتحدة لدعم ونشر الديمقراطية في الدول العربية إليه هذه الدول في مسيراتها الإصلاحية، ونعرض خنا الجزء الثاني من دراسة "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" "The Washington Institute for Near East Policy"، بعنوان "تراجع أم تقدم؟ الأنظمة العربية ترد على تحدي الديمقراطية" " Pushback or Progress? Arab Regimes Respond to Democracy's Challenge"".

التظاهر بالإصلاح

بالإضافة إلي ما سبق فقد تتظاهر بعض الدول بأنها تقوم بالإصلاح ويري الكاتب أن الاستجابة الأسهل والأرخص للحكوماتِ هي أن تقرر أنها بالطبع تقوم بالإصلاح وأنها في الطريق لعمل ذلك، وأنها تدرس مثل تلك الإجراءات أو أنها سوف تفعل ذلك في المستقبل. والكثير من الدول تبنت هذا الخطاب ، فقد أنشأت مؤسسات المجتمع المدني تحت سيطرة الدولة وللدعاية للدولة ولحشد نظرائها المستقلين ، كما أنشأت أيضاً مجالس حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي من المضمون أنها لن تسبب أي مشاكل للحكومة، بل واتجهت بعض الدول إلي إعلان برامج للإصلاح، وبنفس الطريقة، قدمت العديد مِنْ البلدان وعود من أجل إصْلاح التعليم لجَعْله أكثرتسامحاً لكن هذه الوعود لم تنفذ إلا بدرجة بسيطة.

القيام بإصلاح محدود

لم يهمل الكاتب بعض الإصلاحات التي قامت بها بعض الدول مشيرا إلى أن بعض البلدان قد تَحرّكتْ "نحو إصلاحات مهمة" وضرب أمثلة بـأن "الدول الخليجية " امتلكت على نحو متزايد برلمانات تنافسية أو على الأقل انتخابات بلدية في العديد من السَنَوات الماضية، وأشار ألي مملكة البحرين التي أجرت انتخابات تعددية حرة في عام 2002، وتمتلك برلماناً قادر علي ممارسة صلاحياته الرقابية حتى في مواجهة الوزراء، مدللاً بما حدث في قضية صناديق المعاشات في يناير 2004 ، كما تناول الكاتب تجربة الكويت التي لديها انتخابات دورية وحرة مع وجود الإسلاميين، وفيها برلمان منتخب بحرية حيث يتم تمثيل جماعات متنوعة ـ من الإسلاميين مروراً بالمحافظين من القبائل إلي الليبراليين السنة والشيعة ـ غير أن الكاتب قد علق علي عدم وجود حزب سياسي ليبرالي قوي ومنظم في البلاد.

وأعطي الكاتب أهمية لكل من المغرب وتونس فأشار إلي النظام التعليمي التونسي الذي يشدد علي التسامح ، والي امتلاك تونس القوانينُ الأكثر تقدماً في المساواة بين الجنسِيين من ناحية الحقوق والقانون العائلي، لكنه انتقد الوضع السياسي الداخلي، وبالنسبة للمغرب فقد أشار إلي أن لديها مجتمع مدني حيوي وحركات نسائية قوية واتجاه الملك محمد الخامس إلي تسريع خطي التغيير رافعاً شعار "التنمية والاجتهاد" وتَتضمّنُ هذه الإستراتيجيةِ إجراء الانتخابات العادلة.

كما لفت انتباه الكاتب وضع المرأة فيد دول مجلس التعاون الخليجي قائلاً "ومن الأمور الرائعة، تلك الخطوات الأحدث تجاه الدمقرطة والإصلاح في دول الخليج العربية الصغيرة: الكويت والبحرين وحتى عمان التي سمحت للمرأة بالتصويت في الانتخابات البلدية والبرلمانية. وأظهرت انتخابات قطر البلدية في عام 2007 أن 51.1% ممن لهم حق التصويت هم من النساء، وسارت العملية الانتخابية بيسر وسهولة، غير أنه أشار إلي وجود بعض القيود والأخطاء المؤكّدة في التَطَوّرات بخصوص البحرين، الكويت، عُمان، وقطر.

الاستجابات الاصطلاحية

في هذا القسم تحدث الكاتب عن كيفية استجابة القوي الإصلاحية للتحدي الديمقراطي مشيراً إلي نقطتين رئيسيتين:

الاولى: بدائل غير جذابة

ركز الكاتب حديثه علي القوي الليبرالية باعتبارها القوي الإصلاحية فأشار إلي أن الليبراليين وجدوا أنفسهم بين قوتين هما قوة الأنظمة العربية القومية المستمرة والسيطرة المحتملة للإسلاميين، ولأن الصراع الأساسي كان بينهما فقد احتاج الليبراليون إلي أن ينحازوا إلي طرف منهم . فإذا شعروا بالخوف من أن تؤدي سيطرة الإسلاميين إلي مجتمع أقل حرية فإنهم يتخذوا جانب الحكومة ضد الإسلاميين ، والاختيار الممكن الآخر هو اتخاذ جانب الإسلاميين ضد النظام وقد اتخذ سعد الدين إبراهيم هذا الطريق لاسيما ولأنه يري أنهم هم الجانب الفائِز ومن ثم ينبغي اختيارهم.

وقد ناقش الكاتب هذا التحرك من قبل الليبراليين قائلاً "بالطبع، لم يكن لزاماً علي الليبراليين ان يَختاروا بين التحالفَ مع الأنظمة العربية القومية أو الإسلاميين. فقد كان يمكن لهم أن يحافظوا علي استقلالهم المبدئي ويوجهون النقد لكيلا الطرفين، وفي الواقع فقد فعل الكثيرون ذلك، لكن هذه الإستراتيجية التي كان من الصعب إتباعها كانت سوف تعزلهم إلي حد كبير وستقيد أي دور يمكن أن يلعبوه في الأحداث الفعلية".

الثانية: مشكلة التضارب

في إطار استجابتها للتحدي الديمقراطي واجهة القوي الليبرالية مشكلة خطيرة هي التعارض بين رغبتها في احترام الديمقراطية وبين استخدامها تعبيرات راديكالية وتبنيها أفكاراً غير ديمقراطية،ومن ثم أوضح سعد الدين إبراهيم انه إذا كان الليبراليون يريدون حقاً الديمقراطية فإنهم ينبغي عليهم أن يرحبوا بمشاركة الإسلاميين، ولاحظ أنه بسبب معارضة الليبراليين لمشاركة الإسلاميين فإن موقفهم برهن علي أن ما يريدوه هو فقط الديمقراطية التي سوف تجلبهم إلي السلطة بدون أن يضطروا للنُزُول إلى مستوي الجماهير أو رجل الشارع وبدون أن يضطروا أن يختلطوا به لفهم موقفه، والتصرف بهذا الطريقِة كما خلص إبراهيم هو "تزييف متعمّد للقِيَمِ العقلانيةِ والليبرالية".

إنّ المشكلةَ، بالطبع، ـ كما يقول الكاتب ـ هي أن الحركات الليبرالية والإصلاحية تدافع بشكل آني عن طريقة معينة ونتيجة خاصة، ويجادل البعض أن المعايير الديمقراطية هي الأفضل لكنها تهدف أيضاً إلي عدد كبير من التغيرات في المجتمع، فالتركيز علي الانتخابات في سياق برنامج الإصلاح قد يأتي بحركات راديكالية إسلامية إلى سدة الحكم.

خيارات الولايات المتحدة

أوضح الكاتب الكيفية التي يمكن من خلالها أن تتعامل الولايات المتحدة مع تلك القضية مشيراً إلي ضرورة أن يَكُون دعم الإصلاحِ والدمقرطةِ ْ جزءاً مهماً مِنْ السياسة الأمريكيةَ لعِدّة أسباب منها أن تآكل الدكتاتورية هو الطريقُ الوحيدُ الذي يمكن من خلاله حل المشاكلُ الإقليميةُ، لأن الدكتاتورية تقف في طريق تحقيق السلام وفي طريق حقوق الإنسان وفضلا عن أن تحقيق الديمقراطية ستقلص التطرف وتحقق تقدّم اجتماعي واقتصادي.

غير أن الكاتب يعود ويشير إلي المعضلة التي تعرقل العمل بهذا الخيار وهي حاجة الولايات المتّحدةُ إلي علاقاتَ سياسيةَ جيدةَ مع الأنظمة المحورية للعديد من الأهداف،بدءً بالعراق إلى الصراع العربي الإسرائيلي وصولاً إلى الحرب ضد الإرهاب، بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية والنفطية فضلاً عن أن الضغط على هذه الأنظمةِ للإصلاحِ ومزيد من الديمقراطية يُمْكِنُ أَنْ يُزعزعَ استقرارها، ولمواجهة هذه المعضلة يقول الكاتب أن التعامل مع هذا التناقضِ لَيسَ بتجاهله لكن بتَطوير سياسة متوازنة إلى حدّ معقول تتعامل مع هذين المظهرين، فوجود سياسة موضوعة لدعم التغيير ومساعدة محدودة النطاق للإصلاحيين يمكن أن يرافقها اقتراب الواقع السياسي للتحالف مع الدول العربية.

وقد أكد أن هذا الأمر يمكن تنفيذه من خلال الاستخدام الصادق والصحيح للمساعدات الأمريكية وعدم الخوف من التدخل بشكل نشيط، ولو شفهياً في حالاتِ معيّنة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وعد التصديق علي انتخابات غير عادلةَ والعمل على مواجهة الأفكار المتطرّفة التي تُسيطرُ على العالمِ العربي.

ويختم الكاتب دراسته قائلاً "يجب علي الولايات المتّحدة أَنْ تقوم بتقييم واقعي للموقف فباستثناء بعض الدول التي ذكرت. لا تقوم الحكومات الديمقراطية بالإصلاح بشكل جيد، وعموماً، فهم يتلكئون بعيداً خلف القوميين العرب الراديكاليين والراديكاليين الإسلاميين، وحتى في ظل المكاسب التي تمت بواسطة الإسلاميين، باستثناء الفلسطينيين، فإن الوضع القائم للقوميين العرب ما زال يفوز. باختصار أن إستراتيجية الأنظمة تعمل لتدير ظهرها إلي التحدي الديمقراطي، وعلي المدى الطويل الأشياء قَدْ تنقلب بشكل مختلف لكن ذلك سَيصْبَحُ في الحقيقة مدى بعيد جداً".

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد131