فخ الدعم المالي... وتآكل الآلة "الجمهورية" في الولايات المتحدة!

 

بول كروغمان 

 

 

"هناك أمران مهمان في السياسة: أولهما المال... أما الثاني فلا أستطيع تذكره"، هذا ما قاله "مارك حنا"، رمز عصر الثراء الذهبي الأميركي. وكثيراً ما نظر كارل روف إلى "حنا" باعتباره قدوة له. أما التكهنات القائلة باحتمال نجاح كارل روف وأتباعه في خلق أغلبية شعبية "جمهورية" مستديمة، فقد استندت جميعها على الافتراض القائل بتفوق الحزب "الجمهوري" مالياً على خصمه الحزب "الديمقراطي". وتجدر الإشارة هنا إلى أن لديَّ رُفاً كاملاً من المجلدات والكتب الضخمة التي تحمل عناوين مثل "أمة الحزب الواحد" و"بناء أميركا الحمراء" وما شابه. إلا أن البيانات والمعلومات التي جمعها مركز "Responsive Politics" أشارت إلى عكس تلك الفرضية تماماً.

فقد اتضح خلال الجولة الانتخابية الراهنة، أن واحدة من كل 10 من كبريات الصناعات والاستثمارات التي تقدم المنح السياسية، تمنح المزيد من تلك الأموال للحزب "الديمقراطي" وليس "الجمهوري" كما ساد الاعتقاد. ويشمل هذا حتى الصناعات والشركات التي عرفت تاريخياً بتمويلها للحزب "الجمهوري" - مثل شركات التأمين والصناعات الصيدلانية- التي شرعت في توزيع منحها المالية بالتساوي الآن بين الحزبين "الجمهوري" و"الديمقراطي". وعليه فإن شركات النفط والغاز وحدها هي الشركات التي يمكن للحزب "الجمهوري" أن يتحدث عن انفراده بتمويلها له. ومما لا ريب فيه أن هذا التعاطف المفاجئ من قبل الشركات وأرباب العمل مع الحزب "الديمقراطي" يعد مؤشراً إيجابياً وساراً لحملات الحزب الانتخابية الجارية حالياً، ولكن دون أن يكون بالضرورة مؤشراً إيجابياً لتقدميي الحزب.

وقبل أن أغوص في هذا الجانب الأخير من الموضوع، فلنتحدث أولاً عن الأسباب التي دفعت الاستثمارات والصناعات لإدارة ظهرها مالياً للحزب "الجمهوري". إن لهذا الانقلاب علاقة بالحسابات السياسية الواقعية، إلى حد ما، وخاصة أن نتائج استطلاعات الرأي العام، مصحوبة باستقالات عدد من القادة "الجمهوريين"، تشير إلى تزايد احتمالات توسيع "الديمقراطيين" لأغلبيتهم الحالية في مجلس النواب، مع العلم بأنها أكبر اليوم من أي أغلبية حققها "الجمهوريون" داخله خلال هيمنتهم عليه طوال الاثني عشر عاماً الماضية. أما في مجلس الشيوخ، فلا يزال "الجمهوريون" يسيطرون على 22 مقعداً من جملة الـ34 مقعداً المطروحة للانتخابات، بينما يبدو فوز "الديمقراطيين" بأغلبية داخله أمراً لا مناص منه. أضف إلى ذلك كله ضعف "الجمهوريين" البادي في المعركة الانتخابية الرئاسية الأم.

وإذا كان هذا هو الوجه السياسي من نفور الصناعات والاستثمارات وتراجعها عن تمويل الحزب "الجمهوري"، فهناك مشاعر الاستياء التي داهمت عالم المال والاستثمار إزاء العجز وانعدام الكفاءة اللذين اتسمت بهما سنوات إدارة الرئيس بوش الماضية. فعلى رغم ميل اليساريين إلى وصف الإدارة هذه بأنها وكيلة للاستثمارات الأميركية، إلا أن هذا الوصف يفتقر إلى الدقة والحصافة، ويمنح الإدارة ما لا تستحقه أو تستأهله. فعلى رغم صحة القول إنها أسرفت في الانحياز والعطاء لبعض الشركات النافذة وراسخة القدمين في مجال الاستثمار، إلا أن أكبر الفضائح المنسوبة لها في المحاباة هذه، تتصل بانحيازها لشركات مغمورة، لم تكن ذات شأن، ولم تظهر في عالم المال والاستثمارات إلا بما حبتها به الإدارة من عقود ثمينة عملاقة ما كانت مؤهلة لها من الناحية الاستثمارية، لولا ارتباطها السياسي بالبيت الأبيض. ولعل شركة "بلاك ووتر" الأميركية هي خير مثال على هذا، خاصة بعد أن أصبحت أكبر شركة لاستقطاب المقاتلين المرتزقة في الحرب. وإنه لغني عن القول إن طابع عدم الاحتراف الذي يسم طريقة أداء هذه الاستثمارات المغمورة الموالية للإدارة، يثير مخاوف النخب المالية الاستثمارية بذات القدر الذي يثير به فزع عامة الجمهور الأميركي.

وفي مقال كلاسيكي كان قد نشر في "واشنطن مونثلي"، وصف الكاتب نيكولاس كونفيسور الجهود التي كان يبذلها أفراد على شاكلة السيناتور السابق ريك سانتورم، لتحويل شارع "كي" المالي إلى شارع موالٍ بالكامل للحزب "الجمهوري". وتناول في السياق نفسه عملية استبدال مجموعات الضغط السابقة التي كان لا يهمها شيء آخر سوى إظهار الولاء المطلق لأرباب العمل، بمجموعات جديدة من الناشطين الحزبيين الذين ليس لهم من ولاء آخر سوى للحزب "الجمهوري".

غير أن كل المؤشرات السائدة حالياً، تشير بوضوح إلى قرب خروج "الجمهوريين" من حلبة السلطة والسياسة ولو إلى حين، بدلاً من إحرازهم لأي أغلبية في كلا المجلسين كما يساورهم الأمل والطموح. وفي الوقت نفسه تثير المؤشرات سؤالاً جدياً حول معنى أن يحكم البلاد "الديمقراطيون". فالملاحظ حتى هذه اللحظة أن كافة المتنافسين الرئاسيين "الديمقراطيين" يديرون حملاتهم الانتخابية حول منابر وقضايا جد تقدُّمية، خاصة ما يتعلق منها بإصلاح نظام الرعاية الصحية في البلاد. لكن مع ذلك تظل الهواجس قائمة بشأن ما سيقدِمون عليه عملياً لحظة وصولهم إلى سدة الحكم في البيت الأبيض.

وفيما يلي بعض الأمثلة على ما يثير هذا النوع من الهواجس والقلق: فقد نشرت شبكة "إي بي إس" في موقعها الإلكتروني، أن حملة هيلاري كلينتون الانتخابية، ستقيم مأدبة غداء تنويرية عن الحملة تحت عنوان "الفلاحون الأميركيون من أجل كلينتون" في أحد المكاتب التابعة لمجموعة "تراومان ساندرز" للعلاقات العامة، وهي المجموعة المعروفة بممارستها للضغوط لصالح الاستثمارات الزراعية وشركة "مونسانتو" العملاقة في مجال التقنية الحيوية. وبالطبع فإنه لا حاجة لأحد في أن يكون أحد ناشطي حماية المستهلك، لكي يستشعر بعض الضيق إزاء هذا الارتباط المثير للريبة بين الحملة الانتخابية والمؤسسة الاستثمارية المذكورة فإذا أراد "الديمقراطيون" تصحيح مسار السياسات المُطبقة حالياً في البيت الأبيض، فعليهم بنظافة اليد والنوايا، والابتعاد عن الشبُهات التي طالما عصفت بإدارة بوش.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-23-10-2007