الجذور التاريخية لتقسيم العراق

 

رضا منصور

 

ذكرنا في مقال سابق ان الصيغة التي صوت عليها مجلس الشيوخ لقرار تقسيم العراق نجد جذورها في الندوة التي اقامتها مجلة فورن افيرز الاميركية بعنوان”ما العمل في العراق؟ المائدة المستديرة “.

حيث طرح ليزلي غيلب الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية هذه الفكرة بصورة صريحة وتفصيلية ظاهرها الحرص على وحدة العراق ومصلحة شعبه وباطنها السعي الحثيث لاعادة رسم الخارطة باكملها وفقا للتصورات السياسية الجديدة، ولما كان هذا الامر يخص العراق باكمله بجميع قومياته واديانه وطوائفه ويتعدى ذلك على المنطقة باكملها فينبغي على كل حريص مخلص ان يدرس تفاصيل هذا المشروع وكل ما يحيط به كي يضع المخلصون خطة رصينة لمقاومته واحباطه والحفاظ على سيادة الوطن ووحدة اراضيه الاقليمية ولذلك سوف استعرض مقالة ليزلي غيلب وبعد ذلك استعرض مشروع التقسيم الناعم للعراق”SOFT PARTITION “ الذي طرحه السيناتور جوزيف بايدن وليزلي غيلب واوكلت صياغته الى مايكل اوهانلون من مؤسسة بروكنغس.

يقول غيلب: ”ان طرق الولايات المتحدة الى الامام وبالانسحاب من العراق يواجه الان خيارا مميتا بين سياسة الرئيس بوش التي تدعو ببساطة لاستمرار الوضع حتى لو تدهور الامن في العراق ببطء وبين سياسة منتقديه الداعية للانسحاب السريع  للقوات الاميركية حتى لو كانت الحرب الاهلية تخيم في الافاق.

وهناك طريق ثالث وهو ان تتوقف الولايات المتحدة عن مقاومتها العقيمة للتيارات الطائفية الحتمية التي تجتاح العراق الان وان تساعد العراقيين على تسيير هذه القوى في مسار تسوية سياسية مقبولة وهي توحيد العراق عن طريق اللامركزية ”تفكيك المركزية“.

واستنادا الى مقالة ظهرت في صحيفة نيويورك تايمز في شهر نيسان فانه على الرغم من علامات التقدم الصغيرة فقد وصف فريق من الدبلوماسيين والضباط العسكريين الاميركان في العراق، وصفوا الوضع في اوائل هذه السنة بالخطير او الحرج في اكثر من ثلث المحافظات العراقية وقد وجد تقريرهم ايضا ان الميليشيات الطائفية لا تزال تسيطر على القوى الامنية العراقية وان تطهيرا عرقيا متفشيا يجري في عموم ارجاء البلاد وكل هذا يصب في التقسيم بحكم الامر الواقع. ومع ذلك فقد قررت ادارة بوش انهاء المزيد من مساعدات الاعمار الاقتصادي بعد نهاية هذا العام حتى لو كان المتمردون لا يمكن هزيمتهم- كما يعرف الجميع- بدون اعادة بناء العراق، وقد قامت ايضا بقطع الاموال لتطوير الديمقراطية في العراق، واخيرا فقد اجرت انسحابا كبيرا للقوات الاميركية من شوارع المدن الكبرى.

وان نتيجة هذه الوضع المتدهور وتراجع بوش من البرامج الكبرى ستكون ركودا استنزافيا ورغم ان التمرد سيزداد نموا الا ان المتمردين لم يهيمنوا مطلقا ما دامت القوات الاميركية باقية باعداد كافية لنقل ثلاثين الف شخص مثلا الا ان خروجا اميركيا سريعا من العراق يؤدي فقط الى اضعاف الامن القومي الاميركي والحرب على الارهاب، وهناك في الحقيقة طريقة للحفاظ على تكامل العراق وجعله مستقرا سياسيا بدلا من الاستمرار في تمزيق البلد بجهود عقيمة للمركزة وهذا الطريق هو في تحقيق اللامركزية، ان هذه الستراتيجية تستمد شرعيتها من دستور العراق الحالي وهي منسجمة مع كل من تفكير العسكريين الاميركان حول سحب القوات النظامي ورغبة الدبلوماسيين الاميركان لممارسة دبلوماسية اميركية اقليمية اكثر نشاطا ان الولايات المتحدة سوية مع اصدقائها وحلفائها تستطيع ويجب ان تقود العراقيين بهذا الاتجاه، ان المصالح الاميركية الحيوية معنية بهذا الامر اضافة الى المصالح العراقية لكن القرار الاخير يجب ان يكون للعراقيين ويجب الا تفرضه واشنطن عليهم وان المساعدة في تفكيك مركزية العراق هي مشرفة وواقعية اكثر من التشبث هناك او الانسحاب على حد سواء.

وتوجد خمسة عناصر لهذه السياسة الاول هو اقامة ثلاثة اقاليم قوية مع حكومة محدودة ولكنها قوية في عراق متحد فيدراليا وذلك تماشيا مع الدستور القائم حاليا، ان القيام بذلك سيبني عراق ما بعد صدام حول اقاليم كوردية وسنية عريبة وشيعية عربية ويكون كل من هذه الاقاليم مسؤولا لدرجة كبيرة عن تشريعاته وادارته الخاصة، وتستطيع حكومة كل اقليم ان تصدر القوانين التي تتخطى صلاحية القوانين الصادرة عن الحكومة المركزية كما هو معلن في الدستور القائم باستثناء المجالات التي هي من الصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية، وستكون للحكومة المركزية الصلاحية الحاسمة للشؤون الخارجية والدفاع عن الحدود والانتاج وعوائد النفط والغاز والقضايا الاخرى ذات الطبيعة التي تخص عموم البلاد وكما تتفق عليه الاقاليم، ان صلاحياتها القانونية ستكون محصورة ومحدودة في مجالات ذات مصلحة عامة واضحة ما يتيح لبغداد ان تتحمل مسؤوليتها بفاعلية اكبر، ان النص المتعلق بالنفط بصورة خاصة سوف يقوي الحكومة المركزية لتتعدى سلطاتها الحالية، ان المبدأ المحفز وراء هذه السياسة هو ضمان تماسك العراق بالسماح لكل فئة من الفئات لان تحقق مطامحها العرقية والدينية الحقيقية.

ان الحفاظ على وحدة العراق بهذه الصورة سيكون في مصلحة جميع الاطراف وان انابيب نقل النفط الكبرى تمر عبر ارجاء البلاد شمالا وجنوبا وتبقى بغداد البؤرة الوحيدة الممكنة للاعمال في البلاد وان كل العراقيين يتشاطرون بمصلحة جامحة الا يروا اقاليمهم وبلدهم تقع فريسة للجيران الطامعين، ولو كان العراق ممزقا فسوف يكون هدفا لا يقاوم للتدخلات الخارجية اما اذا كان موحدا فسوف تتاح له فرصة البقاء ان المزيد من القادة من بين الكورد والشيعة وكذلك بصورة متزايدة من بين السنة يحبذون الاقليمية المتفاوض عليها وهم يحثون نحو الفيدرالية بدلا من الحرب الاهلية وان الدستور الحالي يتيح اقامة الفيدرالية بالسماح للمحافظات ان تتحد مع بعضها لتشكيل حكومة فيدرالية. ومع ذلك يتعين على واشنطن ان تلعب دورا محوريا في مساعدة العراقيين على ضمان هذه الاتفاقية.

ان المدن الكبرى ذات الاختلاطات السكانية الطائفية العالية مثل بغداد وكركوك والموصل تشكل مشكلة كبرى الان وسوف تظل كذلك في ظل حل فيدرالي او اي حل اخر، ولمعالجة هذه الامر يتعين على العراقيين اجراء ترتيبات امنية خاصة مثل ضمان كون قوات الشرطة في هذه المدن تتكون من منتسبي جميع الفئات الطائفية وان يدعمها بوليس دولي الا ان العامل الذي سيقرر مصير هذه المدن سيكون فيما اذا كانت الفئات الطائفية تجد التسوية السياسية الشاملة عادلة وقابلة للتطبيق، ومهما يكن الامر مؤلما فينبغي ان تقوم الولايات المتحدة بمساعدة اولئك العراقيين الذين يريدون تغيير محل اقامتهم الى اماكن اكثر امنا سواء كان ذلك بصيغة مؤقتة ام دائمية، ومن الضروري الادراك بان هذا المقترح لن يؤدي الى التطهير العرقي او تمزق البلد، ان هذه الامور الفظيعة تحدث فعلا الآن، وربما يكون نظام الاقاليم الخيار المتبقي لوقفها.

اما العنصر الثاني في هذه السياسة فيتمثل بجلب السنة ليصطفوا مع الاقاليم عن طريق عرض لا يمكن لهم رفضه، فينبغي ان تكون قطعة الجزر بالغة الحلاوة وذلك بتمكينهم من السيطرة على اقليمهم الخاص بهم لانهم كانوا يتوقعون بقناعة تامة انهم سيديرون البلاد باكملها مرة ثانية، فهم لا يزالون يرون انفسهم سادة عالمهم وانهم يريدون الابقاء على العراق كما هو كي يعاودوا السيطرة على السلطة كما فعلوا لمئات السنين، انه واضح اليوم - ماعدا غلاة السنة- وان الكورد عندهم افضل ميليشيا في البلد وان الشيعة مستعدون وقادرون على القتال لذا فان آفاق ادراة شؤونهم الخاصة ضمن اقليم سني تبدو الان اكثر جذبا الى الزعماء السنة. وان الكابوس المتبقي للسنة يتعلق بالمال ولكن يمكن معالجة هذا الامر بقطعة اخرى من الجزر وهي عوائد النفط، ان الدستور الحالي ينص على توزيع عائدات النفط والغاز بصورة عادلة تتناسب مع النسبة السكانية ولكنه لا يحدد مدى العدالة كما لا يعطي النسب السكانية وان معظم الموارد النفطية والغازية هي اما في الشمال الكوردي 20% او في الجنوب الشيعي 80% ان العلاج الذي يشفي صدور جميع السنة ما عدا الاكثر جشعا هو بتعديل الدستور بحيث يصبح انتاج النفط والغاز وعوائدهما من الصلاحيات الحصرية للحكومة المركزية والاقرار بان العائدات الحالية او المستقبلية توزع حسب النسبة السكانية وان مثل هذا الترتيب سيكون افضل بكثير للسنة من الصفقة الراهنة وافضل بمالا يقاس ما سيكسبون وهو العدم في حال انقسام البلاد الى ثلاث دويلات منفصلة.

أما العنصر الثالث في هذه السياسة فهو حماية حقوق الاقليات والنساء بربط المساعدة الاميركية الى حكومات الاقاليم لتخضع لمدى احترامها للاناس الحساسين سياسيا وثقافيا في اقاليمهم، وستكون هناك مشاكل بالنسبة للنساء وخاصة في المناطق الشيعية وكذلك بالنسبة للكورد والسنة والشيعة الذين يسكنون في غير مناطق اغلبيتهم العرقية.

رابعا يجب على العسكر الاميركان ان يعدوا خطة للانسحاب النظامي والآمن للقوات الاميركية بحيث تنفذ قبل نهاية عام 2008.

واخيرا فان وحدة اراضي العراق الاقليمية يجب ان تعزز من خلال ميثاق اقليمي بعدم الاعتداء والذي يجب تحقيقه عبر الدبلوماسية الدولية، وكخطوة اولى ينبغي عقد مؤتمر للامن الاقليمي حيث يشجع جيران العراق بضمنهم ايران على التعهد باحترام حدود العراق ونظامه الفيدرالي واقامة الضوابط اللازمة لتنفيذ خطة لعدم الاعتداء، ان لجيران العراق حوافز قوية لانجاح مثل هذه الصفقة، فبالنسبة لتركيا سيكون ذلك افضل سبيل لتحاشي تحول كوردستان الى دولة منفصلة ونقطة تجمع للاكراد الانفصاليين في تركيا، وستجد الدول ذات الاغلبيات السنية مثل السعودية والكويت العزاء في ان شيعة العراق وايران لم يسيطروا على العراق باكمله، اما بالنسبة لايران فان الاستقرار في العراق يساعدها على تحاشي جبهات جديدة وقلقة مع بلدان اخرى.

خاتمة

ان جميع الحروب قذرة وان جميع الخطط لانهائها تعتريها النواقص ولكن الحرب القذرة في العراق يمكن ان تنتشر سرطانيا وتتحول الى حرب اهلية شاملة وصراع اقليمي، ان ستراتيجية بوش لاتفعل اي شيء تقريبا لتقليص هذه المجازفات الرهيبة وهي لا تفعل شيئا سوى جر الولايات المتحدة لتغوض لاعماق اعظم في مستنقع الوحل العراقي ومع تزايد اتضاح النواقص في هذه الستراتيجية تزداد الامكانية بان يقوم الشعب الاميركي باكتساح ستراتيجية بوش لصالح مطالب غير مدروسة بالانسحاب التام والفوري وحتى اكثر الناس تفاؤلا حول الوضع في العراق لن يتقاعسوا عن مجابهة مثل هذه الاخطار المحدقة، فيجب على الاميركيين والعراقيين ان يبحثوا عن خيارات اخرى.

كان هذا هو الطرح الاولي للسيد ليزلي غيلب بشأن الفيدراليات في العراق وسوف نستعرض في الجزء القادم تصور الثنائي بايدن- غيلب الذي وجد تعبيره في الخطة التي وضعها مايكل اوهانلون باسميمها والتي كانت الاساس لقرار مجلس الشيوخ الاميركي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-20-10-2007