دروس و عـبر من الديمقراطية البلجيكية

 

محمد مسلم الحسيني

 

مفارقة : عاصمة أوروبا بلا حكومة!

تعتبر بلجيكا من بلدان أوربا الغربية البارزة، نظرا لأهميتها الإستراتيجية المنبثقة عن موقعها الجغرافي المميز في قلب أوربا، حيث تحيطها بلدان أوربية غربية مهمة، مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا ولوكسمبورك، ويفصلها بحر الشمال عن بريطانيا. هذا الموقع الإستراتيجي المهم سهل كثيرا في أن يكون هذا البلد مقرا لحلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة، وعاصمة شبه رسميّة لدول الاتحاد الأوربي من جهة أخرى. ورغم هذه الأهمية الإستراتيجية، ورغم صغر مساحة هذا البلد وقلة عدد نفوسه مقارنة بدول الاتحاد الأوربي الأخرى، إلاّ أن الظروف السياسية الداخلية فيه متأزمة ومعقدة وغير سليمة!

الأزمة السياسية المستمرة في هذا البلد نشأت منذ القدم، أي منذ نشوء بلجيكا كبلد حر ومستقل، وذلك في عام 1831. هذا النزاع السياسي الطويل بين سياسيي بلجيكا كان مبنيّا على أساس التباين اللغوي. فالشعب البلجيكي يتألف من ثلاث مجموعات عرقية رئيسية، تتكلم ثلاث لغات رسمية مختلفة، وهي اللغة الفلمنكية التي تشبه والى حد كبير اللغة الهولندية، حيث أن نسبة المتكلمين الأصليين فيها هي 59 في المائة من الشعب البلجيكي ويسمّون بـ(الفلمنكيين). واللغة الثانية هي اللغة الفرنسية، والمتكلمون الأصليون بها يشكلون نسبة 40 في المائة ويسمّون بـ(الوالونيين)، وواحد في المائة فقط يتكلم اللغة الألمانية كلغة أم. التباين اللغوي بين أبناء الشعب البلجيكي خلق الكثير من الأزمات السياسية في هذا البلد وعلى مدار تأريخ بلجيكا، رغم أن هذا السبب كان في كثير من الأحيان عذرا سياسيا يحمل بين طيّاته أسبابا أخرى معلنة في بعض الأحيان وكامنة في أحيان أخرى!

هذا النزاع السياسي المستمر بين السياسيين الفلمنكيين والوالونيين مر بأطوار ومظاهر مختلفة من حيث الدرجة والشدة. وبين الفينة والأخرى تصل حالة التأزم والتعقيد إلى درجة التفكير بالانفصال الكامل والشامل بين هاتين الكتلتين المتباينتين لغويّا، وتقسيم هذا البلد إلى دولتين مستقلتين هما: الدولة الفلمنكية والدولة الوالونية، وذلك من أجل إنهاء معاناة مخاض طويل وعسير تمتد جذوره إلى أعماق تأريخ الدولة البلجيكية.

لقد مر ما يقارب الأربعة أشهر على تأريخ الانتخابات والمملكة البلجيكية من غير حكومة! فالسيّد إيف لوتيرم الفلمنكي المتشدد والمتطرف في آرائه وشعاراته يتطلع الى إجراء تحويرات دستورية مهمة تتعلق بقوانين الانتخابات من جهة، وبإجراء إصلاحات اقتصادية اجتماعية مهمة تضع حدا للمساعدات المادية السخية التي يهبها الفلمنكيون لميزانية المؤسسات الوالونية من جهة أخرى. هذه المقترحات الثقيلة لاقت رفضا شديدا من قبل الكتل السياسية الوالونية، مما جعل طريق الحوار مسدودا أمام الجميع وصار البلد يمر في أزمة سياسية خانقة فتحت قرائح المحللين والمنظرين حول مستقبل هذا البلد ومصيره. لقد عادت الألسن الكثيرة تتحدث عن احتمالية التقسيم وعن المصاعب والمضاعفات الناتجة عن ذلك، لأن هذا البلد متداخل مع بعضه في مدنه وشعبه.

من هنا نستطيع أن نستخلص ونستنبط، ومن خلال الوضع السياسي في بلجيكا، الدروس والعبر التالية:

1- تطبيق الديمقراطية في بلدان فيها تباين اجتماعي مهم هي عملية حساسة وخطيرة للغاية، إذ قد يولج البلد غير المحضر له تحضيرا علميا صميميا وحقيقيا في متاهات ومصائب لا تحمد عقباها. لأن وجود تباينات عرقية أو لغوية أو دينية أو طائفية في المجتمع الواحد كفيل بدفع هذه البلدان في ظل ديمقراطية هشّة وغير منظمة، الى نزاعات سياسية محتدمة قد تقود إلى تقسيم البلاد أو الى أتون حروب أهلية تحرق اليابس والأخضر معا. حتى في الدول المتقدمة من العالم فتت الديمقراطية الأواصر الموجودة وقسمت البلدان، ففي ظل الديمقراطية غدت تشيكوسلوفاكيا السابقة دولتين، ويوغسلافيا السابقة دويلات والاتحاد السوفيتي السابق دولا. كما أن إقليم الباسك في إسبانيا يسعى للاستقلال على أسس عرقية عن إسبانيا وايرلندا الشمالية تتوق للانفصال عن بريطانيا لأسباب طائفية، والتقسيم على أساس اللغة في كل من بلجيكا وكندا أضحى قاب قوسين أو أدنى ما لم تنتبه الشعوب وتتحوط!

2- الشعوب المتوجهة إلى صناديق الانتخابات يجب أن تكون واعية ومنتبهة في توجهها ورؤاها، كي لا تنخدع بالشعارات الرنانة التي يرفعها بعض السياسيين المتطرفين في رؤاهم وبرامجهم، والتي قد تقود إلى كوارث سياسية تهدم حاضر البلد ومستقبله. فالتأريخ مليء بالأحداث والأخطاء التي ارتكبتها الشعوب بسبب قلة الوعي والانخداع بالشعارات النارية التي تلهب العواطف وتخدع العقول. ففي ألمانيا مثلا فاز أدولف هتلر بالانتخابات وجر بلده وبلدان العالم الأخرى الى طريق الثبور والدمار، فدفع شعبه وشعوب العالم الثمن لسوء الاختيار! وفي أمريكا فاز جورج دبليو بوش في الانتخابات أيضا وجر بلده إلى نزيف مستمر بالدم والمال نتيجة اجتياحه للعراق وأفغانستان. وأمثلة المتطرفين الذين خدعوا شعوبهم كثيرة في التأريخ، سواء كان القديم أو المعاصر.

3- رغم أن الأسباب الظاهرية للأزمات السياسية بين السياسيين تتبرقع ببرقع العرق أو اللغة أو الطائفة أو الدين، إلاّ أن الأسباب الكامنة والحقيقية وراء الحركات الانفصالية، غالبا ما تكون مادية اقتصادية بحتة. فان كانت على سبيل المثال كتلة من مجتمع ما تتمتع برخاء اقتصادي أكبر من الكتلة الأخرى الموجودة في نفس المجتمع، فسوف نرى طلبات الانفصال والتقسيم صادرة عادة من الفئة الغنية وليس الفقيرة. كما أن الفئة الفقيرة في ذلك المجتمع تكون عادة الأكثر تمسكا والأشد التصاقا بعرى التماسك والالتحام. فالفلمنكيون هم الأغنى اقتصاديا في المجتمع البلجيكي والوالونيون هم الأفقر. والفلمنكيون هم من يشتكي من عبء الوالونيين المادي عليهم، إلى درجة أن بعضهم يرنو إلى التقسيم والانفصال!

4- البلدان التي تتقسم الى مناطق أو دويلات تضعف وتفقد الكثير من قواها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية وتصبح عرضة للتفتت والانهيار في كل جانب من جوانب الحياة، ومن يدعو للتقسيم إنما يدعو للتفكك والانحدار. فالاتحاد قوة والتقسيم ضعف وانحلال مهما كثرت الدواعي وتعددت الأسباب.

5- من أجل إرساء أسس الديمقراطية الحقة في بلداننا التي لم تر نور الديمقراطية بعد! على رواد الديمقراطية ومناصريها أن ينتبهوا ويعوا ضرورة توعية شعوبهم بأسس الديمقراطية الصحيحة وأن ينشروا مبادئ ثقافة الديمقراطية، كي لا تنخدع تلك الشعوب وتقع فريسة سهلة بين براثن المتطرفين والمتشددين أو الفئويين وعشاق الذات. ولكي لا تصبح الدكتاتورية المرة العنيدة أبهى وأنسب من الديمقراطية الهشة الجديدة ، فيضيع الخيط والعصفور وتخرج الشعوب المتعبة من صحراء الدكتاتورية الجافة، لتدخل في نار الديمقراطية الحارقة، ويصح عندها المثل القائل: كالمستجير من الرمضاء بالنار..!

*أكاديمي عراقي مقيم ببروكسل

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-16-10-2007