شروط إعادة بناء الوطنية

 

د. برهان غليون

 

خلّف انهيار النظام شبه الاستعماري الذي حكم منطقتنا منذ بداية الحقبة الاستقلالية بعد الحرب العالمية الثانية، فراغاً كبيراً لا يقتصر على الناحية الاستراتيجية فحسب، ولكن يشمل الحياة السياسية أيضاً ويعني الفراغ السياسي غياب أي مشروع للعمل الجمعي، وطنياً كان أم إقليمياً، يضع القواعد والمبادئ الضرورية للسلام والاستقرار والتعاون والتبادل والإثراء المتبادل والإبداع والتجديد الضروري لاستمرار المدنية وتطور الحضارة الإنسانية.

ولا يمكن للإرهاب الذي انتشر منذ عقدين على يد بعض الجماعات المتطرفة، أن يشكل مشروعاً سياسياً بالمعنى الذي ذكرت. وبالمثل ليس بإمكان الحرب الطائفية ولا النظم الطائفية أيضاً أن تنتج مشروعاً سياسياً.

كما لا تستطيع فكرة الديمقراطية التي انتشرت في أوساط الرأي العام بكثرة أن تصبح مشروعاً بديلاً، مع استمرار سياسات الغرب الراهنة، لأنها لا يمكن أن تنشأ وتستمر، في منطقة مثل منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية من دون تعاون الغرب الذي يحتكر النفوذ والقوة فيها، أو على الأقل عدم مواجهته لها وقبوله فعلياً بحق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها.

ولا تملك القومية حظاً أفضل في توفير مثل هذا المشروع. فهي لم تعد تحرك شعوراً ولا تجمع شعباً، بعد أن حولتها النظم الفئوية إلى شعار أيديولوجي لتبرير سلطة جائرة تفتقر لكل مقومات الشرعية والنجاعة. أما الفكر الإسلامي الذي أصبح مورداً للعديد من نظريات الصراع على السلطة والحكم، فقد دخل هو نفسه في مأزق بعد أن تحول في العديد من المواقع إلى مذاهب متنابذة، وارتبط ذكره في أوساط الرأي العام بتجارب النظم التي ادعت الاستناد إلى الإسلام، أو بحركات الإرهاب والعداء المستحكم والشامل للغرب (وكل ما يرتبط به من قيم العقل والحرية الفردية والحداثة).

هذا الفراغ الفكري السياسي هو الذي يفسر بقاء النظم المفتقرة لأي مبدأ أو قانون سوى حفظ مصالح القائمين عليها وتعظيمها. وهو الذي يشكل التربة الأخصب لنمو الفساد وتفاقمه. ففي غياب أي مشروع سياسي، بل غياب الشروط التي تمكن من بناء مشروع سياسي على درجة من الشرعية والنجاعة والإقناع، تعطيه الصدقية وإمكانية التحقيق، يمكن لكل أصحاب المشاريع الشخصية والفئوية الصغيرة أن يجدوا مجالاً فسيحاً لمغامراتهم الأكثر غرابة ولا معقولية.

المشاريع الجزئية ما تحت الوطنية وما فوق الوطنية تنمو وتزدهر مع غياب المشروع العمومي (الوطني). والغرب يقضي بسياساته الخرقاء على كل القوى العمومية (الوطنية)، ويسد الطريق على أي مشروع تاريخي ممكن الظهور، بقدر ما يقضي على إمكانية وجود سياسة وطنية، وبالتالي قيادة وطنية تتماهى مع المصالح العامة وتعمل لها.

فالمستبدون الطغاة والانتهازيون والطامحون، من علمانيين وإسلاميين، يستثمرون الفراغ القائم كما يستثمرون سياسات العدوان الخارجية ليخضعوا الشعب لمشاريعهم الخاصة، أو ليجعلوا من هذه المشاريع البديل الوحيد عن الفوضى، أي ليسدوا الفراغ.

إذا لم تتغير الشروط القائمة، وفي مقدمتها علاقة المنطقة بالمنظومة الدولية، وعلاقة أطرافها فيما بينهم، ستغرق أكثر وتغوص في حقبة طويلة من التخبط والنزاع المعمم المفتوح.

أمام مخاطر الانجراف وراء المشاريع الوهمية الفارغة، ربما كان الانكفاء على المشاريع الوطنية، والعمل على بلورة استراتيجيات تهدف إلى إعادة بناء ما تهاوى منها، على أمل تحويلها إلى وطنيات مستقرة وفاعلة، هو الملجأ الوحيد للقوى الديمقراطية اليوم، في انتظار فرص أفضل للعودة إلى استراتيجيات أكثر طموحاً في إطار إطلاق ديناميكية الحداثة العميقة في الثقافة والحضارة العربيتين. لكن، في هذه الحالة، على أي أساس يمكن إعادة بناء هذه الوطنيات المحطمة؟ أي ديمقراطية وأي تسوية وطنية يمكن تصورهما للتغلب على الجراحات وتجاوز التصدعات؟ كيف يتم جمع الكسور الطائفية والمذهبية والاجتماعية والإثنية في بوتقة واحدة؟

تستدعي إعادة بناء الوطنية، فكرةً وسلوكاً، تحرير الفرد من الإمعية وغياب الهوية والذاتية، وتأكيد استقلال المجتمع عن سيطرة القوى الخارجية، وسيادته تجاه جميع القوى وشبكات المصالح الخاصة المحلية، وتوسيع دائر ة مشاركة الأفراد في بناء نظام قائم على احترام مبادئ الحق والعدل والقانون... التي لا يمكن قيام رابطة سياسية من دونها. وهو ما يجمع تحت اسم نظام الديمقراطية. والحال أن مشروع الديمقراطية لا يولد في الفراغ القيمي والسياسي والاستراتيجي. فهي جزء من مشروع تحديث شامل. والصراع مع الغرب كله يجري حول طبيعة هذا التحديث وفرصه المتاحة. فالاندماج بالعصر واستيعاب التجديدات المدنية والعلمية والتقنية والحضارية عموماً، أي إطلاق عملية التحديث العربي العميقة، والتي توقفت، هي المشروع التاريخي الوحيد الممكن في الواقع، وليس هناك أي مشروع آخر. وهذا يحتاج إلى شروط داخلية وخارجية لا تزال بعيدة عن التحقق. وبانتظار ذلك، تستمر سياسات الغرب الراهنة في دفع النواة الديمقراطية الوليدة إلى مزيد من التهميش، وتقضي على آفاق الحداثة العربية كما تزرع اليأس والشك بالمستقبل بدل تنمية الثقة والأمل. يكفي للبرهان على ذلك رؤية الدمار الذي يعم البلاد العربية، في فلسطين والعراق والسودان والصومال، والخراب الذي يلف البلاد الأخرى من دون تمييز.

كي ينفتح من جديد طريق الحداثة المادية والسياسية والمدنية، ينبغي أن يغير الغرب من سياساته الشرق أوسطية بصورة جذرية، وينتقل من مفهوم الأمن والإخماد إلى مفهوم الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعوب واحترام القانون وإتباع طريق التعاون والتفاوض في حل الخلافات، أي اعتبار الشعوب العربية شعوباً بالمعنى الكامل للكلمة، لا سكاناً يخضعون للوصاية، لا تهدف السياسات الدولية إلا إلى احتواء حركتهم بوصفهم مصدر أخطار كبيرة ومستمرة. ولا يبدو في الأفق أمل في تغيير سريع لهذه السياسات؛ لأن المصالح الآنية تعمي المستفيدين منها داخل العالم العربي وخارجه.

أما إعادة بناء المجتمعات على أسس الوطنية الجامعة، فيستدعي تغيير المناخ الثقافي والنفسي في المنطقة، ووضع حد لانتشار الطاعون الأسود والرهان الوحيد على العنف. وهذا هو عمل المثقفين والحركات المدنية. لكن سيبقى أي تغيير هشاً وقابلاً للتراجع إذا لم تنشأ الظروف التي تسمح بتزامن التحولات الفكرية والتحولات الجيواستراتيجية. فليس هناك أمل في تقدم عملية التحويل الثقافي المدني، وربما في انطلاقها، مع استمرار السياسات الغربية العدوانية التي تستثير العنف المقابل، وتشجع نمو ثقافة الانكفاء والاحتجاج والانتقام ورد الفعل. ولا بد لمثل هذه السياسات أن تعزل براعم التقدم المدني والديمقراطي وتحولها في نظر الأغلبية الخائفة والمتسمرة كليا على رد العدوان، إلى ما يشبه الأصداء للغرب.

كما لا فائدة من تغيير السياسات الغربية، سواء أحصل تحت تأثير استخدام القوة والمقاومة أو الحوار، إذا لم يحصل بموازاتها عمل ثقافي واسع يهدف إلى تحرير الشعوب من الخوف والاستلاب والنظرة الدونية للذات وإعادة ثقتها بنفسها وتعميق وعيها المدني والتاريخي، وضمان مشاركتها الفعالة في عملية التنمية والبناء.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-10-10-2007