مقارنات برلمانية: ما بين سرقة برنامج المعارضة.. وسرقة حقوق الشعب

 

عادل درويش

 

لعل أهم ما شغل فليت ستريت، شارع الصحافة البريطاني، والسلطة الرابعة في بريطانيا، هذا الاسبوع، ودفها للسخرية من رئيس الوزراء غوردون براون، هو سطوه العلني على مقترحات السياسة المالية والتعديلات الضرائبية، من برنامج حزب المحافظين المعارض، وتبنيها كسياسة لحكومته العمالية. ما دفع جورج اوزبورن، وزير مالية حكومة الظل للمحافظين، اصلا الى تقديم الاصلاحات الضرائبية لمؤتمر الحزب السنوي، هو اقتناعه، والرأي العام أيضا، بأن براون، كان سيدعو الى انتخابات عامة، الشهر القادم، متوقعا فوز العمال بأغلبية برلمانية تقارب 100 مقعد، عندما تقدمت حكومته على المعارضة بـ11% في استطلاعات الرأي التي تجريها الصحف باستمرار كممارسة معتادة في الديموقراطيات الغربية.

سوء حظ الامم الناطقة بالعربية في حرمانها، لأسباب معقدة تاريخية لا يتسع هذا المجال لدراستها، من الديموقراطية البرلمانية، دفعنى لإثارة المقارنة في اذهان القراء.

الحكومة سرقت السياسة الضرائبة للمعارضة لجودتها وتقبل الناخب لها، بعد عدول براون عن فكرة الانتخابات يوم السبت الماضي فور تقدم حزب المحافظين في استطلاعات ليساوي نسبة شعبية الحكومة.

التراجع عن الانتخابات جعل من براون اضحوكة للصحفيين، وهدفا لأسئلتهم الساخرة المستهزئة في لقائه الشهري معنا في داوننج ستريت يوم الاثنين.

وعد وزير مالية الظل، اوزبورن، باعفاء ورثة تركات تصل قيمتها مليون جنيه من ضريبة التركة، كان سبب تقدم المحافظين بنسبة افزعت الحكومة من فكرة الانتخابات.

ولاحاجة لتذكير القارئ بأن الحادثة دليل على ان الاقتصاد هو اهم عامل في حسابات المواطن في الديموقراطيات البرلمانية.

الضرائب، وبالتحديد التوازن بين الضرائب المحصلة، والخدمات المتاحة، هو ما يوجه قلم الناخب للتأشير امام حزب دون الآخر في مراكز الاقتراع ولذا فأي ديموقراطية، ستظل ناقصة لا تشكل تمثيلا نيابيا حقيقيا حتى تتوفر في المجتمع آليات لتحصيل الضرائب (وليس لوائح للتهرب منها)، وأخرى تدعمها أجهزة وممارسات تتيح لدافع هذه الضرائب محاسبة الحكومة على اوجه إنفاقها.

فلو كان الساسة الفلسطينيون من زعماء فتح وحماس، مثلا، واجهوا بعضهم في مناظرات برلمانية على طريقة مجلس العموم في جلسات مبثوثة للناخبين، تقوم الصحافة بتحليلها للقراء، وتطرح استطلاعات الرأي للمقارنة بين البرامج الاقتصادية للحزبين، وليس بين شعارات المزايدات الحماسية، او ترويج شعارات جوفاء عن «حل ديني» لكل المشاكل، وقدم الصحفيون والمعلقون لمواطنيهم تحليلات عن الفوائد او الخسائر المالية من خيارهم لبرنامج دون الآخر، او تقدير الثمن الاقتصادي لاغلاق الحدود امام الصادرات، وحرمان الآلاف من فرصة السفر للعمل وكسب الرزق، لكان اختيار الناخب قد اختلف على الأرجح، ولكان الوضع الاقتصادي في غزة يختلف عما هو عليه اليوم.

البرلمان هنا هو الحكومة وليس مجرد «ديكور» او «اكسسوار» لتزويق صورة نظام ابتلع مؤسسات الدولة وجثم على صدر الشعب بانقلاب عسكري غير شرعي، أو بمصادفة تاريخية، او بموازنة مضحكة بين الطوائف والعرقيات قدمتها القوى الكولونيالية عبر اتفاقيات توصلت اليها في مناقشات على ولائم عشاء مع زعماء عشائر وقبائل كوصفة سريعة ومؤقتة لتحقيق الاستقرار، من اجل سحب قواتها نزولا عند رغبة برلماناتها، ولم تكن تحلم ان تستمر معادلات التوزان المضحكة الى زمن لم تعد تصلح لتلبية حاجات مواطنيه.

وبدورهم، استحال على المحافظين التوصل لهذه السياسة، من دون دراسة جادة عميقة وشاملة باهظة التكاليف قام بها اقتصاديون واخصائيون ليس فقط للضرائب واستطلاع آراء الناس، وإنما لمصادر الدخل الضرائبي لوزارة المالية، لاقناع الناخب بوجود مصادر بديلة لتعويض ثلاثة مليارات ونصف من الجنيهات (سبعة مليارات دولار) تفقدها الخزانة من الاعفاء الضريبي المقترح. وبالمقارنة تجد معظم برلمانات الشرق الأوسط مجرد ديكور، اما لاحتقار الديكتاتوريات العسكرية لها واختصارها الى خاتم مطاط للتصديق على فرمانات الزعيم الأوحد، او لافلاس الفكر السياسي للحزب الحاكم، وغالبا فساده، وافلاس احزاب المعارضة بدورها.

وواقعيا لا تتحمل الأحزاب الحاكمة وحدها عبثية برلمانات المنطقة، فهناك عجز وافلاس لكتل المعارضة، حتى في برلمانات يفترض ان تكون فاعلة، عن تقديم مشروع قانون يكون ذي نفع يستحق الذكر، يحرك الحزب الحاكم لتقديم مشروع قانون مقابل، او حتى سرقة فكرته (بدلا من سرقة اموال الشعب) مثلما سرقت حكومة العمال البريطانية مشروع المعارضة الضرائبي.

وحتى تتعلم الاحزاب، الحاكمة والمعارضة، احترام الممارسات البرلمانية، ومحاسبة الحكومة لمصلحة الناخب اولا، سيزداد اتساع المحيط الذي يفصل الديموقراطيات الحقيقية عن واقع منطقة الشرق الاوسط.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-13-10-2007