التأرجُح الياباني بين "الشرق" و"الغرب"

 

حازم صاغية 

 

يجد المعترضون على ربط الديمقراطيّة الليبراليّة بالغرب حجّتهم الأقوى في اليابان وتجربتها. فهذا البلد الآسيويّ الذي اتّصل خروجه الأوّل إلى العالم بحرب 1904، حين ألحق الهزيمة بروسيا القيصريّة، لم يكتف باعتناق الرأسماليّة وحريّة السوق مذهباً اقتصاديّاً له، بل اعتنق أيضاً الديمقراطيّة نهجاً في إدارة شؤونه السياسيّة الداخليّة.

وهو إنما فعل هذا متعالياً على الحرب العالميّة الثانية وألمها الكبير الذي تُوّج بقنبلتين نوويّتين ضُربت بهما مدينتا هيروشيما وناغازاكي من قبل الدولة الرأسماليّة والديمقراطيّة الأولى.

فذاك الجرح العميق لم يحل دون تقبّل دستور الجنرال الأميركيّ "ماك آرثر"، فاتح اليابان وغازيها، الذي صدّع معظم المؤسّسات والقيم التقليديّة الراكدة التي قامت عليها حياة اليابانيّين جيلاً بعد جيل.

ولئن غدت اليابان نموذجاً تقتدي به التجارب الآسيويّة اللاحقة، كبلدان "النمور" و"التنانين"، في بناء الرأسماليّة، ثم في اعتماد الديمقراطيّة، فإنها حكماً ذهبت أبعد مما ذهبت أختها الكبرى واللدود: الصين. ذاك أن الأخيرة ما إن أنهت حقبة العزلة الماويّة وثورتها الثقافيّة، حتّى تبنّت رأسماليّة اقتصاديّة غير مصحوبة بالديمقراطيّة السياسيّة، محتفظةً بحكم الحزب الواحد وقمع الحريّات العامّة والخاصّة على السواء، فضلاً عن التمسّك بالأداة الإيديولوجيّة التي وفّرتها العدّة الشيوعيّة.

حتى روسيا، نصف الأوروبيّة نصف الآسيويّة، لم تبلغ، بعد نصف قرن على ابتداء التجربة اليابانيّة، ما بلغته اليابان. فالتحوّل عن الشيوعيّة الذي بدأ مع ميخائيل غورباتشوف، وانحطّ مع بوريس يلتسن، أُخضع، مع الرئيس الحاليّ فلاديمير بوتين، لضوابط نوعيّة وضخمة. فإلى السعي الحثيث لاستعادة الدور الإمبراطوريّ، يتّسع حجم الدولة وأجهزتها الاعتباطيّة في تسيير الحياة الحزبيّة والسياسيّة، كما في الإمساك بأجهزة الإعلام المؤثّرة، والتجاوز على الحريّات الخاصّة والعامّة، من دون التخلّي عن موقع مركزيّ في القطاعات الاقتصاديّة الأكثر استراتيجيّة كالنفط والغاز.

هذا، بطبيعة الحال، ليس شأن اليابان. بيد أن الأخيرة لم تبرئ تجربتها الرأسماليّة، وخصوصاً الديمقراطيّة، من نواقص هيكليّة تُدرجها في مرتبة أدنى من التجارب الأوروبيّة، وفي مكان وسط بين "الغرب"، مهد الديمقراطيّة، و"الشرق"، حصن التحفّظ عليها والممانعة لها.

ولمّا كان "الحزب الليبراليّ الديمقراطيّ" الحاكم منذ تأسيسه في 1955 حتى الآن، هو عمود الحياة السياسيّة اليابانيّة الفقريّ، صار تناوله شرطاً لتبيّن تلك النواقص وأوجه القصور الكثيرة.

فالمعروف أن الحزب المذكور لم ينشأ أصلاً كتعبير عن تطوّر سياسيّ طبيعيّ بقدر ما وُلد نتيجة جهد "وكالة الاستخبارات المركزيّة" (السي آي إيه) الأميركيّة، حين حملت حزبين صغيرين للمعارضة على الاندماج معاً كيما يقفا في وجه "الحزب الاشتراكيّ" القويّ. حصل هذا بعد سنوات قليلة على اندلاع الحرب الكوريّة التي يُؤرّخ بها لابتداء الحرب الباردة التي جعلت مكافحة الشيوعيّة، لاسيّما في آسيا، الهدف الأوّل للسياسة الخارجيّة الأميركيّة. ومع أن الحزب الاشتراكي، وهذا بديهيّ، لم يكن شيوعيّاً، إلاّ أن جرعة اليسار التي احتواها كانت كافية لدفع واشنطن إلى تطويقه ومعاملته كما عومل الحزبان الشيوعيّان الإيطاليّ والفرنسيّ. وللغرض هذا، ساعدت الوكالة الاستخباريّة الأميركيّة، بطرق مداورة وسريّة، على تمويل الليبراليّين الديمقراطيّين، وتالياً تعزيز قبضتهم.

لكنْ مع وصول نوبوسكي كيشي إلى قيادة الحزب ورئاسة الحكومة في 1957- 1960، وهو جدّ شينزو آبي الذي غادر قبل أشهر قليلة رئاسة الحكومة، بدأ الحزب يؤسّس مصادر داخليّة لسيطرته تحلّ محلّ الدعم الأميركيّ. وعلى نحو شبيه بما فعله آنذاك "الحزب المسيحيّ الديمقراطيّ" في إيطاليا، اختار لذلك وسيلة غريبة عن الديمقراطيّة، إن لم تكن غريبة عن الحداثة، مفادها توطيد احتكاره الحياةَ السياسيّة من خلال التنفيعات التي يحظى بها مؤيّدوه.

هكذا، غدا هؤلاء الأخيرون يحظون بمنافع وتحسينات تطال البنى التحتيّة في مدنهم ومناطقهم، فضلاً عن تسهيل عبورهم إلى وظائف القطاع العامّ واستفادتهم من حيّزات التقاطُع بينه وبين القطاع الخاصّ.

أهمّ من ذلك أن الحزب الليبراليّ الديمقراطيّ لم يكن حزباً طبيعيّاً، بمعنى التضافر حول فكرة أو مجموعة أفكار تتفرّع عنها برامج وسياسات معيّنة، بقدر ما كان منظّمة هي أشبه بالمظلّة للنخبة السياسيّة الموروثة عن العهد القديم وعلى النحو هذا رأيناه يضمّ في صفوفه الليبراليّين والقوميّين والمحافظين المتشدّدين والمؤيّدين لدرجة من تدخّل الدولة. وقد آثر هذا الخليط أن يمارس حكمه عبر بيروقراطيّة موسّعة يسيطر عليها، كما يتحكّم بتوسيعها، فيما يُوظّف النظام القرابيّ وسلالات البارونات الحزبيّين كأهمّ المصافي في اختيار الكوادر البيروقراطيّة والحزبيّة المتنفّذة.

وقد استمرّ، عاماً بعد عام، ذاك النهج المعمول به لجهة مكافأة الجماعات والمدن والمقاطعات التي توالي الليبراليّين الديمقراطيّين بمشاريع بناء ضخمة لجسور وأوتوسترادات لا تحظى بمثلها الجماعات والمناطق المعارضة. وكان ما يسهّل مهمّة كهذه أن الرأسماليّة اليابانيّة الحديثة لم تولد، هي الأخرى، كنتاج لتطوّر محليّ، بل نشأت في مناخ إشراف الدولة، عبر خطّتها المركزيّة، على عمليّة التعافي الاقتصاديّ الضخمة لما بعد الحرب العالميّة الثانية.

هكذا أرسيت الأسس التي عملت طويلاً، ولا تزال تعمل، منبّهة إلى أعطال الديمقراطيّة اليابانيّة والأسباب التي توجب القلق عليها. والحال أن القلق هذا استيقظ على نحو غير مسبوق حين استقال يوشيرو موري من رئاسة الحكومة في إبريل 2001، وهو يتمتّع، في الرأي العام، بتأييد يقلّ عن 1 في المئة.

آنذاك سرت في اليابان، وبين نُخب الحزب الأوسع إدراكاً رعشة تُلحّ على طلب الجديد الذي يحدّث الحزب بما يجعله مكافئاً لدرجة التطوّر الرأسماليّ التي أحرزها البلد. وللغرض هذا، حلّ محلّه جونيشيرو كويزومي الذي خاض انتخابات 2003 وأحرز لحزبه انتصاراً أعاده إلى الصدارة السياسيّة كذلك نجح كويزومي في البقاء خمس سنوات في سدّة رئاسة الحكومة، علماً بأن المعدّل الوسطيّ لرئاسة الحكومة، منذ الحرب العالميّة الثانية، عام ونصف العام فحسب.

وكان "الجديد" الذي يرمز كويزومي إليه هو الثمن الذي وافق بارونات الحزب على دفعه بهدف إبقاء حزبهم في السلطة. بيد أن هذا الجديد لم يُثمر إلا قليلاً ما يتعدّى الشكليّ الذي يبقي على وفاقه مع البارونات والأعيان.

فهو، مثلاً، لجأ إلى التلاعب بأجنحة الحزب وتوظيف صراعاتها مضعفاً الحرس القديم قليلاً وكان تغييره الوحيد الجديّ أن قائد الحزب صار يُنتخب انتخاباً بعد أن كان البارونات إيّاهم من يتوافقون عليه فينصّبونه قائداً.

وفي انتخابات سبتمبر 2005، فاز الحزب الحاكم بقيادته بثلثي أكثريّة الائتلاف الحاكم، ما دلّ إلى تعطّش واسع للتغيير ولو في الحدود التي أنجزها كويزومي غير أنه جاء انتصاراً سطحيّاً لا يسنده أيّ إنجاز سياسيّ حاسم أو أيّ برنامج واضح. فرئيس الحكومة كان أكثر اهتماماً بأدائه وصورته منه بالبرامج والخطط.

هكذا كان ثمن عزوفه عن إصلاح الحزب والبلد إصلاحاً راديكاليّاً مزيداً من إبطاء كلّ إصلاح، ما جلاه على أفضل نحو نهجه القوميّ المتشدّد الذي استعمله لكسب الشعبيّة السريعة من دون المرور بمحطّة البارونات، بل للمزايدة عليهم. فبينما كانت الصين توقّع اتّفاقات للتجارة الحرّة مع جيرانها الآسيويّين، أغضب كويزومي كلّ جيرانه بزياراته الطقسيّة المتكرّرة لمعبد ياسوكوني حيث يرقد "أبطال الأمّة" الذين قضوا في حروب غزوهم وإخضاعهم للبلدان المحيطة باليابان.

لقد ترك كويزومي قيادة الحزب في حال من الضياع، بلا خطّة ولا قائد بديل. بيد أن البارونات، في ظلّ فراغ كهذا، وجدوا فرصتهم تعود مجدّداً، فتوافقوا على الرمز الضعيف شينزو آبي الذي لا يملك إلا ابتسامته الحزينة وانتسابه إلى إحدى سلالات حزبهم، مدركين أنه لن يستطيع الحكم من دونهم ودون إحاطتهم به وتلقّى الحزب، في انتخابات المجلس الأعلى للبرلمان، في يوليو الفائت، أكبر صفعات تاريخه، بحيث ارتبط اسم "آبي" بما اعتبره بعض المراقبين بداية انهيار الليبراليّين الديمقراطيّين.

وقد يكون سابقاً لأوانه الحكم على ياسوو فوكودا الذي حلّ محلّه، لكنه، هو الآخر، لا يبدو قائداً حاسماً. فهو لم يُعرف بسياسات وخيارات تميّزه ما خلا توسيع الانفتاح على بلدان الجوار، وهو نهج كان اتّبعه أبوه تاكيو فوكودا، رئيس الحكومة خلال 76- 1978. ويرجّح المراقبون أن يواجه فوكودا معارضات في حزبه تحول دون تنفيذ أيّة رغبة في التجديد قد تكون لديه. فإذا صحّ توقّعهم لم يعد من المستغرب افتراض الأسوأ: أن سيطرة هذا الحزب الضعيف القناعات، العديم اللحمة، وغير المتجانس، الذي لا تجمعه إلاّ المصالح والتنفيعات والتحكّم بالمال العامّ، سوف تنهار مع فقده السلطة.

وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤالين الكبيرين: كيف يصار إلى توفيق السياسة اليابانيّة المتخلّفة مع الاقتصاد المتقدّم؟ وإلى أين سيفضي هذا التأرجح اليابانيّ بين "شرق" و"غرب"؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية -13-10-2007