الإنتخابات الأمريكية و صــانعـو المعـجــزات!

 

إيف كونانت

 

على مدى 25 عاما منح التيار الديني المتشدد أصواته للجمهوريين.

لكن الديموقراطيين بدأوا عملية تقارب، وربما تلقى دعواتهم الاستجابة

 لم يلتق ريتشارد لاند من قبل على انفراد برئيس اللجنة الوطنية للحزب الديموقراطي. فهذا الزعيم الديني من ولاية تينيسي المعروف بنفوذه القوي في مؤتمر الطائفة المعمدانية لجنوب الولايات المتحدة ينظر إلى هؤلاء الناس على أنهم خصوم إن لم نقل أعداء. وبإمكان المرء أن يتخيل مدى اندهاشه حين اقترب منه هاورد دين في أحد المؤتمرات القيادية اللاحزبية خلال عطلة رأس السنة قائلا إنه يرغب في الحديث معه على انفراد. وافق لاند على لقائه على فنجان من القهوة في أحد الفنادق وسط العاصمة واشنطن. كان ينتابه شعور بالحذر، ويعلق الآن على الأمر مازحا بقوله: "اصطحبت معي أحد الشهود".

كان دين موجودا هناك ليقوّض ولاء لاند للحزب الجمهوري، ولكن الغريب في الأمر أن لاند وجد نفسه يتقرب من هذه الشخصية الديموقراطية الليبرالية. فهو معجب بحرص دين على عدم هدر الموارد، إلى جانب أمور أخرى، مضيفا في حديثه لنيوزويك: "إنه يحمل حقيبة سفره بنفسه، كما أن فندق كابيتول هيل سويتس ليس بذلك الفندق الفخم"، مضيفا: "لقد أبهرني بالفعل".

ولكن الأهم من ذلك كله هو أن الرجلين وجدا مواضيع للحديث حولها، ودار بينهما حوار ودّي. ويقول لاند: "أخبرني دين أن الديموقراطيين يؤمنون بحق الجنين في الحياة لأنهم يرغبون في أن تصبح حالات الإجهاض نادرة الحدوث في هذه البلاد. فأجبته، «أنا متفق معك، ولكن الخلاف بيننا هو حول كيفية الوصول إلى هذا الهدف». ومع ذلك لمست من دون شك تغييرا في الخطاب".

أما بالنسبة إلى الديموقراطيين أنفسهم فهذا يعتبر تحولا في أسلوب التعامل أيضا» محاولة جريئة، إن لم تكن مغامرة، لكسب شريحة شكلت على مدى ربع قرن قاعدة قوية للجمهوريين. ويأمل دين وغيره من واضعي الاستراتيجيات في الحزب الديموقراطي في استغلال الشعور بعدم الرضا عن الحزب الجمهوري المنتشر بين بعض قطاعات التيار الديني المسيحي المتشدد. فللآن لم تُبد حركة المحافظين المسيحيين حماسا تجاه أي من المرشحين الجمهوريين الرئيسيين لانتخابات الرئاسة.

وعلى الرغم من أن موجة من الحماس ظهرت لفترة وجيزة تجاه فريد تومبسون فإن هذه الموجة بدأت على ما يبدو بالانحسار. فقد كتب جيمس دوبسون، وهو أحد أكثر قيادات التيار المسيحي نفوذا، رسالة إلكترونية شن فيها هجوما عنيفا على تومبسون، وقد حصلت وكالة أسوشييتدبرس على نسخة منها الشهر الماضي، اعترض فيها على معارضة ذلك المرشح لتعديل دستوري متعلق بالزواج، واصفا تومبسون بأنه "يفتقر إلى العاطفة والحماس".

في الوقت نفسه فإن ميت رومني يعاني بين أوساط التيار الديني المتشدد بسبب انحيازه ضد مذهب الطائفة المورمونية التي ينتمي إليها أما المرشح الأول رودي جولياني فإن أنصار التيار الديني يشعرون بالبرود تجاهه ويقول لاند، الذي اتصلت به الحملتان الانتخابيتان لكل من باراك أوباما وهيلاري كلينتون: "إذا كان الجمهوريون من الحماقة بمكان بحيث يرشحون جولياني المعروف بتأييده لحرية المرأة في الإجهاض فإن هذا سيتيح الفرصة للديموقراطيين للسعي لكسب أصوات التيار الديني. لا أدري تماما مدى النجاح الذي قد يحققونه في هذه المساعي ولكنهم سيحصلون على الأقل على تلك الفرصة".

وبالتأكيد فإن أحدا لا يتوقع المعجزات. فالمسيحيون المحافظون بدأوا بالانحياز إلى الحزب الجمهوري على اعتبار أنه كان "حزب القيم" عام 1979 حين أسس القس جيري فالويل حركة الأغلبية الأخلاقية. وقد شكل هؤلاء التكتل الأهم من الناخبين ممن كانوا وراء فوز جورج دبليو بوش عامي 2000 و 2004. لكن هذه الحركة لم تعد اليوم متجانسة كما كانت في الماضي. فالكثير من الشباب المنتمين إلى التيار الديني يشعرون بالقلق بشأن قضايا أخرى تتعدى قضايا الصراع التقليدي كالإجهاض والصلاة في المدارس و.... إذ بات هؤلاء اليوم يعبرون عن آرائهم علنا في قضايا البيئة والإيدز والفقر والإبادة الجماعية» وهي مجموعة جديدة من "القيم" التي يتعامل معها الديموقراطيون براحة أكبر.

ويرى الديموقراطيون في هذا الوضع فرصة» لا لاكتساح هذه الحركة فحسب، بل لتسخير جزء من طاقتها لخدمة أهدافهم أيضا. ويقول دين لنيوزويك: "كان ينظر إلينا في الماضي على أننا نرفض التيار الديني. لكن حزبنا بدأ يشعر بارتياح أكبر في الحديث عن قضايا الدين والقيم". وكان دين قد اجتمع بأربعة أو خمسة من أصحاب النفوذ داخل التيار الديني المتشدد إضافة إلى لاند، وكان في بعض الأحيان يزورهم في مكاتبهم للحديث معهم. ويضيف: "هل سنتخلى عن قرارات رو ضد ويد؟ كلا. ولكن هناك الكثير مما يمكن عمله لتجنب حالات الحمل بين المراهقات والإجهاض. هناك الكثير من القضايا التي نتفق عليها".

قامت اللجنة الوطنية للحزب الديموقراطي تحت قيادة دين بتعزيز مبادرتها المعروفة باسم "فيث إن آكشن"، وهي برنامج يسعى للتواصل مع الناس تم تأسيسه في أعقاب هزيمة الحزب الديموقراطي عام 2004، وقد تمكنت هذه المبادرة التي يتزعمها أحد رجال الدين من تدريب نحو 150 شخصا.

مثل هذه الجهود، إضافة إلى الشعور بعدم الرضا عن بوش ربما تكون قد أتت ثمارها. وبحسب استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في شهر فبراير الماضي فإن نسبة التأييد للمرشحين الديموقراطيين بين أتباع التيار الديني المتشدد ممن هم دون سن الـ30 قد ارتفعت من 16 بالمائة إلى 26 بالمائة في الفترة ما بين انتخابات 2004 و 2006، ويقول بعض زعماء التيار الديني اليوم إنهم قد ملّوا من النظر إليهم على أنهم مجرد تابعين للحزب الجمهوري أو أي حزب آخر. ويقول ليث أندرسون رئيس الجمعية الوطنية للمسيحيين المتشددين: "نحن نريد أن ينظر إلينا كما نحن بالفعل ــ أصحاب مذهب ــ وليس تكتل سياسي".

ولكن في المرحلة الحالية فإن الهدف الأفضل بالنسبة إلى الديموقراطيين ربما يكمن في الأمريكيين من أصول لاتينية، الذين يشكلون الشريحة الأكثر نموا من الشرائح التابعة للتيار الديني المتشدد فقد صوت هؤلاء بقوة لمصلحة بوش عام 2004، غير أن الكثير منهم يشعرون بالغضب تجاه طريقة تعاطي الحزب الجمهوري مع مسألة الهجرة. يقول لويس كورتيز رئيس شبكة إسبيرانزا في الولايات المتحدة التي تضم في عضويتها 10 آلاف كنيسة: "هل أصبحنا فجأة نشكل مشكلة أمنية؟ هل نحن تجار المخدرات الذين يدمرون هذه الأمة؟

إذا ما اختار الجمهوريون مرشحا من أصحاب المواقف السلبية إزاء الهجرة فأنا أعتقد بأننا سنشهد موجة كبيرة من الردّة". وحتى الآن فإن المرشح الجمهوري الوحيد الذي تبنى موقفا "إيجابيا" قويا بشأن الهجرة كان جون مكّين. لكن المسيحيين المحافظين يرفضونه بصفة عامة، وذلك يعود في جزء منه لسعيه إلى إصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية.

كورتيز بدأ يغازل الحزب الديموقراطي، أو على الأقل فإن الحزب يغازله. فمنذ شهر يونيو الماضي تلقى اتصالات عدة من أوباما كما التقى بكل من كلنتون وبيل ريتشاردسون. كما أن سام رودريغيز رئيس مؤتمر الزعماء المسيحيين من أصول لاتينية الذي يمثل أكثر من 17000 كنيسة، شعر هو الآخر بحصول تغيير في المزاج العام. ويقول رودريغيز إنه لو حاول المرشحون الديموقراطيون الاتصال به عام 2004 فإنه ليس واثقا من أنه كان سيجيب على اتصالاتهم، ولكن الآن "تخلى الحزب الجمهوري بالكامل عن أصوات الأمريكيين من أصول لاتينية نتيجة المشكلة المتعلقة بإصلاح نظام الهجرة... وهذه بمنزلة فرصة العمر بالنسبة إلى الحزب الديموقراطي".

كلنتون وأوباما وإدواردز جميعهم لديهم موظفون كبار مسؤولون عن التواصل مع الجماعات الدينية. ويقول بيرنز سترايدر مدير العمليات المتعلقة بالأديان لدى حملة كلنتون الانتخابية: "هناك الكثير من القواسم المشتركة مع التيار الديني فيما يتعلق بأعمال الإبادة في دارفور، ووقف الاتجار بالبشر، وضمان أن الحريات الدينية ليست مسألة مجمدة حول العالم". (في المقابل فإن الحديث إلى أتباع التيار الديني المتشدد عام 2004 كان يعتبر "مضيعة للموارد" كما تقول مارا فاندرسلايس التي عينها جون كيري قبل الانتخابات بثمانية أشهر فقط لتكون مسؤولة عن إبقاء التواصل مع أتباع الديانات).

أما جوشوا دوبوا، المدير الوطني للشؤون الدينية في حملة أوباما الانتخابية، فيقول إنه اتصل بأكثر من 75 من زعماء التيار الديني المتشدد منذ انضمامه للحملة الانتخابية في يومها الأول. وخلال حديثه أمام مؤتمر عن الإيدز رعاه الزعيم الديني ريك وارين، تحدث أوباما عن استخدام الواقي الذكري كأسلوب لمكافحة المرض، وقد حظي ذلك "بتصفيق حاد" كما يقول دوبوا كما استضافت الحملة الانتخابية أكثر من 20 منتدى حول "الدين والسياسة" في كل من ولايتي نيوهامشير و آيوا، كما تعتزم تنظيم منتديات أخرى في ولاية ساوث كارولينا.

فهل سيتمكن الديموقراطيون من أن يصبحوا حزب المؤمنين المتشددين؟ ومن خلال مغازلة الديموقراطيين فإن بعض أتباع التيار الديني المتشدد ربما كانوا يهدفون إلى حفز زعماء الحزب الجمهوري على منحهم مزيدا من الانتباه. فالمسيحيون المحافظون يعبرون باستمرار عن استيائهم من أن الحزب الجمهوري لا يتبنى أجندتهم ولكنهم في كل المناسبات تقريبا كانوا يصوتون لمصلحة الجمهوريين في نهاية المطاف. ويقول توني بيركينز الذي يرأس مجلس أبحاث الأسرة ذي المواقف المحافظة: "لا نزال عالقين بشكل أو بآخر في منطقة مبهمة مع الكثير من المرشحين الجمهوريين"، مضيفا أنه "لو صدق الديموقراطيون بتبنيهم مبادرات سياسية ذات مضمون تعكس توجهاتهم الدينية الجديدة، فقد يكون بإمكانهم إحراز التقدم، ولكن هذا يجب أن يتعدى مجرد الكلام" ولكنه بالمقابل يحذر بشكل متشائم من أن هناك دائما خيارا آخر يتمثل في "مرشح حزب ثالث لانتخابات الرئاسة" وهذه بمنزلة رسالة للحزبين مفادها: أظهروا لنا بعض الودّ....وإلا.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:نيوزويك - 13-10-2007