قضايا الهجرة على أجندة الديمقراطيين في الإنتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة

 

 

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ارتبطت قضية الهجرة بشقيها القانوني وغير القانوني بمفهوم الأمن القومي الأمريكي، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان الفصل بين القضيتين اللتين أصبحتا متلازمتين. فقد أفادت الهجرة الولايات المتحدة كقوة عمل وفي خلق أفكار جديدة، وكذلك إثراء المجتمع الأمريكي، وكانت القوة الدافعة بها إلى الساحة الدولية، وتعزيز مكانتها عالمياً، ولاسيما في المجال الاقتصادي.

وانطلاقا من تلك الأهمية، أضحت قضية الهجرة على أجندة المتنافسين للوصول إلى المكتب البيضاوي. وفي المقال السابق تناولنا مكانة تلك القضية على أجندة المتنافسين الجمهوريين، وفي هذا المقال سوف نسعى إلى كسف مكانتها على أجندة ثلاثة من المتنافسين الديمقراطيين، والذي يتوقع أن يُحسم الصراع والتنافس الانتخابي إلى أحدهم.

باراك أوباما

ينطلق "باراك أوباما"، السيناتور عن ولاية " إلينوي "، والذي صعد نجمه في الآونة الأخيرة، من أن قضية الهجرة أضحت من أحد القضايا التي تؤرق الناخب الأمريكي، والأوساط الرسمية ويقول على موقعه الإلكتروني الخاص بحملته الانتخابية، أن السياسيين نجحوا في استخدام قضية الهجرة في شرذمة الرأي العام الأمريكي، وليس من أجل البحث عن حل لتلك القضية، التي ازدادت حدتها في الآونة الأخيرة، في الوقت الذي يقيم على الأراضي الأمريكية ما يقرب من 12 مليون مهاجر غير شرعي، لا يحملون وثائق قانونية تمنحهم الإقامة القانونية.

وما يزيد من خطورة تلك القضية من وجهه نظره، أنه يدخل الولايات المتحدة الأمريكية سنوياً ما يقرب من 500 ألف إلى 800 ألف بصورة غير قانونية، فضلاً عن، مليون شخص بصورة قانونية. وأن هؤلاء المهاجرين يأتون بعائلاتهم ليعيشوا في الظل داخل أمريكا، كما أن بعض أطفالهم يولدون على الأرض الأمريكية.

ولهذا دعا أوباما إلى ضرورة الترفع عن تلك الانقسامات الداخلية؛ من أجل تعزيز الأمن القومي الأمريكي، بل والاقتصادي، حيث يعتمد الاقتصاد الأمريكي بصورة كبيرة على هؤلاء المهاجرين الذين يعملون في الظل ومن أولي الخطوات التي يُؤكد عليها "أوباما" لمواجهه تلك الظاهرة، تعزيز الحدود الأمريكية أمنياً، باعتبارها الوسيلة المثلي للتحكم ولمعرفة من يدخل ويخرج من الأراضي الأمريكية، والتي ترتبط بصورة قوية بمبدأ السيادة الوطنية الأمريكية.

 ولذلك فقد دعم قانون تشييد سياج أمني على الحدود الأمريكية (Secure Fence Act 2006)، والذي بمقتضاه خصص الكونجرس 1.1 مليار دولار لتشييد ما يقرب من 700 ميل سياج أمني على الحدود الأمريكية - المكسيكية. ويؤيد أيضاً زيادة عدد أفراد خفر الحدود، وتزويدهم بكافة الوسائل التكنولوجية الحديثة، وكذلك تطوير أبنيتها التحتية؛ لتحسين عملية الإشراف والمراقبة الحدودية.

وعلي الرغم من زيادة عدد أفراد حراسة (خفر) الحدود بمعدل الثلاثة أضعاف ما بين عامي 1990 و 2005، إلا أنه في الوقت ذاته ازداد عدد المهاجرين غير الشرعيين بمعدل الضعف، وثلاثة أضعاف بالنسبة للمتوفين خلال عبور الصحراء الأمريكية، وذلك حسب تقديرات مركز التقدم الأمريكي (Center For American Progress).

ويدعو لنظام صارم للعمالة بالولايات المتحدة، انطلاقاً من رؤيته من عدم وجود مثل هذا النظام، والذي يحدد من يحق له العمل بصورة قانونية، وكذلك فرض عقوبات صارمة على أصحاب العمل الذي يسمحون بعمل المهاجرين غير الشرعيين؛ لانخفاض أجورهم وعدم مطالبتهم بحقوقهم.

وبمساندة عدد من زملائه بمجلس الشيوخ، أمثال السيناتور الجمهوري عن ولاية "أيوا" " تشارلز جراسلي " "Charles Grassley"، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية "ماساتشوستس" "تيد كينيدي" "Ted Kennedy"، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية "مونتانا" "ماكس بوكوس" "Max Baucus"، قدم مشروع قانون لمجلس الشيوخ لفرض المزيد من العقوبات والقيود على أصحاب العمل؛ للتأكد من أنهم يعينون من يملكون الحق القانوني للعمل بالولايات المتحدة.

وفي إطار السعي لتأكيد تمتع بعض المهاجرين بالحماية الاجتماعية، صوت "أوباما" بالموافقة على "قانون التنمية والإغاثة والتعليم للمهاجرين القصر" "Development, Relief and Education For Alien Minors Act"، والذي يعطي المهاجرين غير الشرعيين بالولايات المتحدة الحق في التعليم العالي، وكذلك إعطاء الحق لوزير الأمن الداخلي لمنح حق الإقامة القانونية للمهاجرين الطلاب الذين جاءوا إلى واشنطن بطرق غير قانونية.

هيلاري كلينتون

تُعتبر "هيلاري كلينتون"، من أشد منافسي أوباما على تسمية الحزب الديمقراطي للمنافسة على المكتب البيضاوي، وفيما يتعلق بقضية الهجرة، تري "هيلاري" أنه بعد الأحداث الإرهابية التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك، ظهر إخفاق السلطات الأمريكية في تحديد من دخل وخرج من الولايات المتحدة خلال تلك الفترة.

ولمواجهة تنامي عدد المهاجرين غير الشرعيين، أكدت على أهمية معالجة تلك القضية من كافة جوانبها، التي ترتبط بصورة أساسية بتأمين الحدود الأمريكية، ولاسيما المشتركة مع المكسيك باعتبار أن الأخيرة هي المصدر الأساسي للمهاجرين غير الشرعيين.

ولهذا فقد صوتت بالموافقة علي قانون السياج الأمني لعام 2006، وكذلك على قانون الإصلاح الشامل للهجرة لعام 2006 أيضاً "Comprehensive Immigration Reform Act 2006"، والذي يدعو إلى أن يكون هناك برنامج عمل للعاملين الزائرين "Guest Workers Program"، والذي يُعد الطريق لتمتع المهاجر الذي قضي ما يقرب من خمس سنوات عمل بالولايات المتحدة بحقوق المواطنة.

وتدعو أيضا إلى صياغة تشريع لحل قضية الهجرة هذا العام؛ لأنه في حال عدم النجاح في صياغته هذا العام، فإنه سوف يؤجل إلى عام 2009 نظراً لانشغال الكونجرس بعدد من القضايا الحيوية، والتي لا تقل أهمية عن قضية الانسحاب الأمريكي من العراق في ظل التأزم الأمريكي هناك. وأن العام القادم (2008) سوف يكون عام انتخابي تنافسي بين المرشحين للبيت الأبيض.

وفي 26 ابريل الماضي صوتت "هيلاري" بالموافقة على قانون تحسين الأحوال الصحية لأطفال المهاجرين الشرعيين "Legal Immigration Children's Health Improvement Act "، والذي يعمل على التأكيد على ضرورة الاستفادة من الخدمات الصحية خلال فترات الانتظار للحصول على حقوق المواطنة الأمريكية، والتي تصل في بعض الأوقات إلى خمس سنوات. وضرورة استفادة المهاجرين من نظام الأمن الاجتماعي المعمول به في الولايات المتحدة.

ولمواجهة تزوير وثائق الإقامة والهجرة، دعت "هيلاري" إلى فرض عقوبات وإجراءات صارمة على من يمنحون المهاجرين غير الشرعيين وثائق مزورة؛ للإقامة بالولايات المتحدة الأمريكية. وتدعو أيضاً إلى بذل المزيد من الجهود لإنجاح تعامل المجتمع مع تحديات تلك الظاهرة، التي أصبحت منتشرة في المجتمع الأمريكي، والتعامل مع هؤلاء كمسلمة قائمة، تفرض العديد من التحديات، والذين وصل عددهم على أقل تقدير إلى 12 مليون مهاجر غير شرعي.

بيل ريتشاردسون

يتميز "بيل ريتشاردسون"، حاكم ولاية "نيو مكسيكو"، عن باقي المتنافسين الديمقراطيين، بأنه قد تعامل مع قضية الهجرة بصورة عملية وواقعية خلال فترة عمله كحاكم لولاية "نيو مكسيكو" المتاخمة للحدود المكسيكية.

ولذا يقول على موقعه الانتخابي الالكتروني، أنه الأجدر بالتعامل مع تلك القضية، وأنه ليس في حاجة إلى تعلم كيف يتعامل مع القضايا الحيوية التي تؤرق الناخب الأمريكي؛ لأنه تعامل معها أثناء فترة حكمه للولاية. ويضيف أنه سيسعى للبحث عن حل شامل لقضية الهجرة والعمل على صياغة سياسة لحلها على درجة عالية من الكفاءة والفاعلية، آخذة بعين الاعتبار البعد الإنساني في تلك القضية ويري أن تشيد سياج أمني ليس الحل الأمثل لقضية الهجرة، ولذلك عارض قانون السياج الأمني المزمع إنشائه على الحدود الأمريكية - المكسيكية.

ويُطالب بتوعية أصحاب العمل بمخاطر العمالة التي لا تحمل أوراقاً قانونية، وفرض عقوبات صارمة على من يسمح بتشغيل العاملين غير القانونيين، وهو ما أكد عليه منافسه "أوباما"، وصياغة تشريع صارم للتعامل مع كافة أوجه الظاهرة كما دعت "هيلاري".

وعلى الرغم من معارضته للسياج الأمني إلا أنه يدعو إلى زيادة عدد أفراد حرس الحدود الأمريكية، وتزويدهم بأحدث الأجهزة والتكنولوجيا الحديثة في مجال المراقبة والإشراف.

فضلاً عن، الفحوصات الطبية ومراجعة خلفيات المهاجرين الراغبين في العمل قبل السماح لهم بالإقامة بالولايات المتحدة، وأن تكون مدة العمل ثلاث سنوات والتي يمكن مدها إلى ثلاثة أخري. وإذا لم يجد العامل عملاً في غضون 45 يوماً يتوجب عليه العودة إلى وطنه الأصلي، وأن عدد العاملين الزائرين المسموح بهم يتحدد وفقا لاحتياجات الاقتصاد الأمريكي، وأن يتم تشغيلهم في الوظائف التي لا يرغب فيها الأمريكيون.

ويُطالب بالعمل مع المكسيك ودول أمريكا اللاتينية من خلال منظمة الدول الأمريكية "Organization Of American States "؛ للبحث عن الأسباب الكامنة وراء تصدير تلك الدول للمهاجرين غير الشرعيين، وهو ما أكد علية "جون مكين" "John McCain" المنافس الجمهوري في السابق الانتخابي. ويري "ريتشاردسون" أن المكسيك قد تعاونت معه في وقف تجار المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين إلى ولاية "نيو مكسيكو" التي يحكمها.

في التحليل الأخير نخلص إلي، أنه رغم السياسة التي تتبعها الإدارة الحالية التي أدت إلى تراجع المكانة الأمريكية دولياً، وتزايد الغضب الشعبي العربي والغربي بل والعالمي لواشنطن، إلا أنها ستظل مصدراً لجذب المهاجرين.

ولذا أصبحت تلك القضية على أولويات الأجندة الانتخابية للمتنافسين على المنصب الرئاسي في ظل ارتباطها بقضية الأمن القومي الأمريكي، والاتفاق بين المتنافسين الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، على أهمية تعزيز الحدود الأمريكية، والعمل على صهر المهاجرين في البوتقة الأمريكية، من خلال تعليمهم اللغة الإنجليزية، والثقافة والتاريخ الأمريكيين؛ لتجنب مشاكل الأقليات التي تعاني منها الدول الأوربية. فإصدار قانون جديد للهجرة يُعتبر واحداً من الركائز الأساسية في السياسة الداخلية لأي رئيس أمريكي بصرف النظر عن انتمائه الحزبي.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد129