قضايا الهجرة بين المرشحين الجمهوريين في الإنتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة

 

 

يتسم المجتمع الأمريكي بالتنوع الثقافي والحضاري؛ لضمه أقليات ومهاجرين من كافة دول العالم، والتي ساهمت بصورة كبيرة في التقدم الأمريكي. وعلي الرغم من تراجع صورة الولايات المتحدة الأمريكية في معظم دول العالم ( الغربي والعربي )؛ للسياسة التي تتبعها الإدارة الحالية، والتي تقوم علي التفرد بالسياسة الدولية، وشن حروب فاشلة ومكلفة، ولاسيما الحرب الأمريكية في العراق منذ مارس 2003 .

فاستطلاعات الرأي والدراسات الأكاديمية، تؤكد علي أنه رغم تراجع المكانة الأمريكية عالمياً، إلا أن واشنطن مازالت هي الدول الأولي للهجرة، لآي مواطن عربي أو أفريقي., حيث أن هناك انفصال بين النظر إلي السياسة الخارجية الأمريكية ونتائجها، وبين التقدم والرقي الأمريكي على كافة الأصعدة، الدافعين للهجرة، التي تتنوع بين شرعية وعير شرعية للولايات المتحدة.

ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، ارتبطت قضية الهجرة بالأمن القومي الأمريكي، فأصبحت مناقشة قضايا الأخيرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأولي؛ بعد أن أظهرت التحقيقات في تلك الأحداث الإرهابية، أن مرتكبيها كانوا يقيمون علي الأراضي الأمريكية. وتتزايد خطورة تلك القضية لتزايد عدد المهاجرين أو المقيمين بالولايات المتحدة بصورة غير شرعية، فيقدرون بحوالي 12 مليون شخص، حسب إحصاءات العديد من المؤسسات الأمريكية، معظمهم من المكسيك وأمريكا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية والأسيوية وكذلك الأوربية. وقد تضاعف هذا العدد خلال السنوات العشرة الماضية، ويمثل هؤلاء المقيمون بصورة غير قانونية علي الأراضي الأمريكية نسبة كبيرة من الأيدي العاملة، ولاسيما في قطاع الزراعة والنظافة والبناء والتشييد.

ولخطورة تلك القضية وارتباطها بقضية الأمن القومي الأمريكي، أضحت قضية الهجرة غير الشرعية، وإصلاح السياسات الأمريكية في هذا الصدد من القضايا الرئيسية في الانتخابات الرئاسية القادمة (2008) بين المتنافسين للوصول إلي البيت الأبيض. إذ تثير تلك القضية قلق الناخب الأمريكي بشكل كبير. فلا تجد خطاب أو مناظرة أو حوار للمتنافسين علي المنصب الرئاسي يخلو من الحديث عن رؤيتهم لقضايا الهجرة، وكيف سيتعاملون معها في حال وصولهم إلي المكتب البيضاوي، بل أنها أصبحت تُنافس قضايا جوهرية علي الأجندة الرئاسية، بداية من القضية العراقية والإخفاق الأمريكي وتصاعد الخسائر الأمريكية هناك، وكيفية استعادة مكانة الولايات المتحدة دولياً مرة ثانية بعد تراجعها؛ لسياسات الإدارة الحالية، وقضايا الإجهاض، وحقوق المثليين، والرعاية الصحية والضرائب. وغيرها من القضايا.

فإصدار قانون جديد للهجرة يُعتبر واحداً من الركائز الأساسية في السياسة الداخلية للرئيس الأمريكي، ولذا سعي المتنافسون إلي إصلاح نظام الهجرة؛ لضمان كونه قانونياً ومأموناً ومنهجياً وإنسانياً.والمقال التالي يسعى إلي الوقوف علي رؤية أربعة من المرشحين عن الحزب الجمهوري لقضية الهجرة، وكيفية إصلاح السياسات الأمريكية المتبعة في هذا الصدد.

رودي جولياني

أنتقد "رودي جولياني"، عمدة ولاية نيويورك السابق خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، الإجراءات والسياسات الأمريكية؛ المتبعة للتعامل مع قضية الهجرة غير الشرعية، والتي يري أنها بلا هدف. وشكك في قدرة الحكومة الفيدرالية على مواجهة تلك القضية، التي تؤرق الأمريكيين؛ ولذا فقد طرح آليات تعمل على الحد من سلبيات تلك قضية.

فدعا إلي أن تكون هناك قاعدة بيانات حكومية، تضم من دخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خرج منها، ولماذا هم في الولايات المتحدة؛ للتأكد من أنهم لا يهدفون إلي الإضرار بالأمن والمصلحة القومية الأمريكية.

وظهرت أهمية وجود قاعدة بيانات بعد أحداث سبتمبر 2001، فعندما أرادت السلطات معرفة من دخل الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة، اتخذت أسابيع لمعرفة من لهم الحق في الإقامة ومن ليس لهم الحق ويري "جولياني" أن السلطات الأمريكية قادرة على أن يكون لديها قاعدة بيانات بشأن المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، بالمقارنة بشركات الائتمان التي تصدر كروت الائتمان التي تهتم بمعلومات أكثر من تلك التي ينادي بها.

وتشير سارة ويتون (Sarah Wheaton) في تقرير لها بعنوان "جولياني علي خط حدود الهجرة" "Giuliani On The Immigration Borderline"، بصحيفة نيويورك تايمز، في الأول من مايو الماضي، إلي قناعة جولياني التي عبر عنها خلال "المؤتمر الاقتصادي للتحالف اللاتيني للأعمال الصغيرة" (Latino Coalition’s Small Business Economic Conference) من أن المهاجرين غير الشرعيين قد يشكلون بيئة مواتية لتخفي العناصر الإرهابية، وتجار المخدرات بينهم؛ ولذلك فهو يدعو إلي قاعدة بيانات للمهاجرين. فأمريكا ترحل حالياً 14% من 300.000 مهاجر يرتكب جرائم بالولايات المتحدة.

ولضمان الإقامة والعمل بصورة قانونية، دعا "جولياني" إلي أن يكون لكل مهاجر بطاقة هوية "Tamper-Proof Biometric ID Card"، تمكنه من التنقل وممارسة عمله بالولايات الأمريكية وللحفاظ على وحدة المجتمع الأمريكي، ولمنع تكوين جيوب أو (كاتونات)، للمهاجرين كما هو الحال في العديد من المجتمعات الأوروبية؛ دعا إلى (أمركة) المهاجرين، وصهرهم في البوتقة الأمريكية. فحث علي أن يكون المهاجرين قادرين علي القراءة والتحدث باللغة الانجليزية. ويجب أن يتعلموا الثقافة الأمريكية حتى تكون هناك ثقافة واحدة ولغة واحدة؛ للحماية من مشاكل الأقليات الرافضة للاندماج في المجتمع الجديد.

وفي الوقت الذي لم تنفذ فيه الحكومة الفيدرالية السياج الأمن علي الحدود مع المكسيك، الذي أقره الكونجرس في 2006، الذي خصص 1.1 مليار دولار لتشييد 700 ميل سياج أمني على الحدود مع المكسيك، أعلن "جولياني" أنه في حالة وصوله إلي البيت الأبيض فإنه سيعمل علي استكمال بناء هذا السياج، وزيادة عدد قوات حرس الحدود إلي حوالي 20 إلف جندي، للعمل علي وضع حد للهجرة غير الشرعية. وفي المقابل حماية وتوسيع الهجرة الشرعية.

جون ماكين

يُعد جون ماكين (John McCain)، المرشح الجمهوري الذي أخذ خط وسط في قضية الهجرة، ما بين تعزيز الحدود الأمريكية وتمتع بعض المهاجرين غير الشرعيين ببعض الحقوق والواجبات. ويرى أن السلطات الفيدرالية أخفقت في تأمين الحدود الأمريكية، ويرفض الحفاظ علي الوضع القائم (Status Quo)، ويدعو إلي ضرورة إيجاد حل لحوالي 12 مليون مهاجر غير شرعي يقيم علي الأراضي الأمريكية ويربط بين قضية الهجرة غير الشرعية والآمن القومي الأمريكي. فيري أن القضيتين متلازمتين، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض .

وانطلاقاً من حاجة الولايات المتحدة إلي العمالة الوافدة التي تُساهم في التقدم الأمريكي، دعا إلي أن يكون هناك برنامج خاص "بالعامل الزائر"، ويتم إعطائه فيزا مؤقتة متى توافر أن العمل لا يقوم به مواطن أمريكي. ودعم قانون "التنمية والإغاثة والتعليم للمهاجرين القصر" ((DREAM Development, Relief and Education for Alien) Minors Act)، والذي يعطي المهاجرين غير الشرعيين بالولايات المتحدة الحق في التعليم العالي، وكذلك إعطاء الحق لوزير الأمن الداخلي لمنح حق الإقامة القانونية للمهاجرين الطلاب، الذين جاءوا إلي واشنطن بطريقة غير قانونية.

وأيد "ماكين" قانون الهجرة الذي أصدره مجلس الشيوخ في عام 2006 (Comprehensive Immigration Reform Act)، والذي هدف إلى إنشاء برنامج للعاملين الزائرين، فضلاً عن، منح بعض الحقوق التي يتمتع بها المواطن الأمريكي للمهاجرين غير الشرعيين، وصوت بالموافقة على قانون تشيد سياج أمني بمسافة 700 ميل على الحدود الأمريكية ـ المكسيكية، وتزويد قوات مراقبة الحدود بأحدث التقنيات والتكنولوجيا؛ لتسهيل مهام المراقبة، والتي ستكون على أولويات أجندته في حال وصله إلى المكتب البيضاوي. ويدعو إلى صياغة تشريع يعمل على حل القضية بصورة متكاملة, فيري أنه في حال عدم إقراره هذا العام، فإنه سوف يُؤجل لعام 2009؛ نظراً لأن الأجندة الأمريكية بها قضايا حيوية، لا تقل أهمية عن القضية العراقية التي ستشغل الفصل التشريعي الحالي للكونجرس.

ويعلن أنه سيعمل علي استعادة ثقة المواطن الأمريكي في حكومته، انطلاقاً من أن تأمين الحدود يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي الأمريكي، وتأمين الحدود لا يعني من وجهه نظره، تأمين منافذ الدخول والخروج الخاصة بالأفراد فقط، ولكن أيضا الحمولات والشاحنات والمواني, وأي منفذ لدخول السلع والبضائع.

ويتفرد "ماكين" عن باقي منافسيه في أنه ذهب لحل الأسباب الكامنة وراء تزايد الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فقد دعا إلى إقامة حكومات صديقة في المكسيك ودول أمريكا اللاتينية لكي تتعاون مع واشنطن في مكافحة الهجرة غير الشرعية ويطرح أيضاً مساعدة تلك الدول ولاسيما دول أمريكا اللاتينية؛ للقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية لتعزيز الحريات والديمقراطية، وأن تمتلك اقتصاداً قوياً يوفر فرص عمل لمواطنيها، واقتصاداً حراً يقوم على المنافسة. ويتفق مع "جولياني" في العمل علي صهر هؤلاء المهاجرين في البوتقة الأمريكية؛ بتعليمهم اللغة الانجليزية والثقافة والتاريخ الأمريكي.

ميت روميني

يأخذ ميت روميني (Mitt Romney)، حاكم ولاية ماساشوستيس السابق (2003-2007)، موقفا متشدداً في قضية الهجرة، ويُعارض الحلول التي تطرحها مشروعات القوانين التي عُرضت على مجلس الشيوخ، ولاسيما مشروع القانون الذي عُرض في يونيو الماضي، والذي يدعو إلى الإعفاء عن المهاجرين غير الشرعيين.

ويدعو "روميني" إلى ضرورة تعزيز قوات الولايات للقبض علي المهاجرين غير الشرعيين ويذكر أنه وقع مع السلطات الفيدرالية في ديسمبر 2006 اتفاقية، تسمح لقوات من ولاية ماساتشوستس للبحث والقبض على المهاجرين غير الشرعيين ويتفق مع "جولياني" في ضرورة وجود بطاقات هوية لهؤلاء؛ لمعرفة من دخل الولايات المتحدة، وما سبب وجودهم، والتي تضمن كافة المعلومات عنهم، والتي لا يحصل عليها المهاجرين غير الشرعيين.

ويُعارض خطة بوش بشأن خطة عمل للمهاجرين، والتي يري أنها ستعمل على زيادة حدة المشكلة في المستقبل، ودعا إلى نظام خاص بالعاملين في الولايات المتحدة؛ للحد من العمالة غير القانونية.

ويُعارض أن يتمتع هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين بما يتمتع به غير الأمريكيين، الذين جاءوا ويقيمون بالولايات المتحدة بصورة شرعية. إلا أنه في الوقت ذاته، وافق على مشروع القانون الذي يسمح للمهاجرين الشرعيين، بأن يتمتعوا بفرص التعليم في كافة المراحل. هذا، ويؤكد على أهمية تعزيز الحدود الأمريكية المكسيكية.

فرد تومسون

لا يختلف فرد تومسون (Frep Thompson)، السيناتور السابق في مجلس الشيوخ عن ولاية "تينسي" من عام 1994 إلى 2003 والممثل المشهور، عن باقي مرشحي الحزب الجمهوري في اتخاذ موقف معارض للهجرة غير الشرعية. فيقول على موقعه الالكتروني الخاص بحملته الانتخابية، إن الولايات المتحدة الأمريكية بلد جاذب للهجرة، وأن الهجرة القانونية أفادتها كقوة عمل، وفي خلق أفكار جديدة، وتعزيز دورها عالمياً، وكذلك إثراء التنوع الثقافي الأمريكي، وهو ما يجب التركز عليه من وجهة نظره.

ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حسب فريد، جعلت تلك القضية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقضية الأمن القومي الأمريكي، بحيث أصبح من الصعوبة بمكان الفصل بينهما، وأن تلك الأحداث أظهرت أيضا العجز الأمريكي لتأمين الحدود الأمريكية, وتحديد من يحق له أن يدخل الولايات المحتدة ومن لا يحق له.

ولهذا فقد أكد على ضرورة تعزيز الحدود الأمريكية، ولاسيما الحدود الأمريكية ـ المكسيكية، حيث أغلب المهاجرين غير الشرعيين يأتون من المكسيك. وتجديد قوانين الهجرة، بحيث تكون أكثر صارمة؛ لضمان وحماية الأمن والمصلحة القومية الأمريكية. والترحيب بالمهاجرين الشرعيين الراغبين في تعلم اللغة الانجليزية، والثقافة والتاريخ الأمريكي، والاندماج في المجتمع الأمريكي، وأن يصبح المهاجر مواطن فعال ومنتج ومضيف للتقدم الأمريكي.

ويُعارض أيضاً العفو بأي شكل من الأشكال عن المهاجرين غير الشرعيين، ويقول أن هناك ما يقرب من 12 إلى 20 مليون شخص، يدخلون الولايات المتحدة بصورة غير قانونية في ظل غياب الرقابة الأمريكية للحدود.

وفي النهاية، يتفق مرشحي الحزب الجمهوري على أن قضية الهجرة، وتحسين السياسات المتبعة لحل تلك القضية، ستكون على أجندتهم في حال ووصلهم إلى البيت الأبيض، وأنهم يتفقون على أهمية تعزيز الحدود الأمريكية ـ المكسيكية؛ باعتبار أن الأخيرة هي المصدر الأول للمهاجرين غير الشرعيين ولتجنب ما تشهده العديد من المجتمعات الأوروبية من مشاكل الأقليات، الرافضة للاندماج والانصهار في المجتمع الأوروبي، يتفق المرشحون على أهمية "أمركة" المهاجرين، والعمل على صهرهم في ( البوتقة الأمريكية )، من خلال تعليمهم الثقافة الأمريكية، واللغة الإنجليزية. وقد نجحت الولايات المتحدة في الاستفادة من هؤلاء المهاجرين، ليكونوا القوة الدافعة بها على كافة الأصعدة، وهو ما يُميزها عن غيرها من الدول الأوروبية، التي تعاني من مشكلات المهاجرين والأقليات.

ولهذا فلا يمكن التقليل من أهمية ومكانة قضية الهجرة في الأجندة الانتخابية للمرشحين بالتوازي مع قضايا أخري ذات أهمية والتي تتنوع بين الانسحاب الأمريكي من العراق، العلاقات الأمريكية ـ الشرق أوسطية، الإجهاض، الرعاية الصحية وكذلك العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية والدعم الأمريكي لإسرائيل.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:تقرير واشنطن-العدد129