مفهوم الديمقراطية و اشكالياتها

 

زعيم النصار

 

ما هي الديمقراطية، ولماذا نحن مضطرون لطرح مفهومها وتحليل نظامها الفكري وأسسها وآلياتها العملية، ولماذا يجب أن نعلن موقفنا النظري والديني والثقافي والسياسي منها، وما هي الاشكالات النظرية والعملية المحيطة بقضية الديمقراطية في عالمنا الاسلامي والعربي. الإجابة على هذه الأسئلة بدءاً من مفهوم الديمقراطية وانتهاء بطرح الاشكاليات التي نناقشها على صعيد الفكر والتطبيق. هي ليست واحدة فهناك العديد من الإجابات على أي من هذه الأسئلة وإن اتفق الجميع في اتخاذ موقف منها سواء بالإيجاب أو السلب أو النقد.

استناداً إلى بعض التعاريف الديمقراطية هي النظام السياسي الاجتماعي الذي يقيم العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة وفق مبدأ المساواة بين المواطنين ومشاركتهم الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة.أما اشتقاق الكلمة أو المصطلح فيعود إلى لفظ يوناني يعني حرفياً حكم الشعب تمييزاً للحكم القائم على قاعدة حكم الأكثرية عن أنظمة الحكم الأخرى. الحكم الفردي الاحتكاري وأنظمة حكم الأقلية.

 وقد تطور مفهوم الديمقراطية عبر المراحل التاريخية والأدوار المختلفة ليصبح نظاماً سياسياً واجتماعياً يرصد له المفكرون السياسيون خصائص أساسية، منها: وجود سلطة مرجعية عليا للدولة المتمثلة في الدستور والقانون الأساسي. و حرية الرأي والتعبـير و التعددية السياسية ومبدأ تداول السلطة.

ورغم تحقق هذه الخصائص في العديد من أنظمة الحكم الغربية إلا ن النظام الاقتصادي الرأسمـــــالي لم يستطع إلغاء المعضلات الديمقراطية التي تنشب عن امتلاك القلة الغنية لوسائل الإعلام والتأثير على الرأي العــام وعلى المقترعــــين وبالتالي على صنع القرارات بمختـــلف الوجوه والوسائل.

تسمية المجتمع الديمقراطي

اذن من أين نبدأ في سبر أغوار هذه الجذور وعلل التخلف؟ أمن أعماق أفكارنا وثقافتنا أم من أعماق تاريخنا الديني وغير الديني؟ أم من عوامل أحاطت بنا في تاريخنا المعاصر وما زالت تحيط بنا، أهمها التعرض لفترة طويلة للاستعمار العسكري ومن ثم الاستعمار الاقتصادي وصولاً إلى تحديات العولمة دون أن نستطيع أن نتغلب على الأمية والفقر كأهم معضلتين في طريق التقدم والتنمية حتى بعد عقود من الاستقلال. وفي هذا المجال كتب فريد حداد: كثير هو الحديث عن الديمقراطية. فهو للمطالبة بها من قِبل المقهورين، ولوصفها وتعداد محاسنها من قِبل النظريين، ولمديحها  والأطناب في وصف عظمة ممارستها وحُسن ادائها،أعراس ديمقراطية، من قِبل المستبدين، وللوعد بها على انها رسالة الخلاص القادمة عبر المحيط  من قِبل  أكلة لحوم البشر الجديدين.تعددت تعاريف هذا المصطلح، فمنهم من قال بأنها "حكم الشعب للشعب" ومنهم من قال بأنها "حكم الأغلبية" ومنهم من قال بأنها حكم ممثلي الشعب المُنتخَبين وغيرها.

كما تعددت صفاتها بحسب واصفها ومصلحته، من "الديمقراطية الشعبية" الى" الديمقراطية البورجوازية" الى " الديمقراطية البرلمانية" الى" الديمقراطية الثورية" وبغض النظر عن التعريف الأكاديمي للديمقراطية، فاني أراها بأنها، العلاقة السياسية أو الأجتماعية أو الأقتصادية القائمة بين طرفين أو أكثر، والتي تتصف باحترام كل طرف فيها وأخذه بعين الأعتبارلمصالح الأطراف الأخرى، ذلك الأحترام والمراعاة لمصالح الآخر، المفروض بفضل توازن القوى القائم بين أطراف تلك العلاقة.

التعامل مع الديمقراطية بإخلاص

كتب الدكتور أحمد النجفي مبيناً: لا يهمّنا سواء أكانت كلمة؟ الديمقراطيّة حديثة العهد أم قديمة، أم إذا كانت كلمة مأخوذة عن لغة ساميّة أو غيرها؛ ما يهمنا هو ما تعنيه هذه الكلمة، أو بمعنى أدّق، ما أراده واضعوها منها ومهما يكن من أمر، فإنّ مُعظم الأدباء والسياسيين وغيرهم ممّن تمّسهم هذه الكلمة من قريب أو بعيد، يتفقون على أنّه ليس في مفهوم الديمقراطيّة ما يُعاب، إذا ما تعاملنا معه كما يجب.

أمّا المقصود من عبارة (كما يجب) فهو التعامل مع الديمقراطية بإخلاص، لأنّ مفهومها هو سلاح ذو حدّيْن - كما يُقال، إذ بإمكان أيّ حاكم طاغية أو ديكتاتور مثلا، توظيفه ذلك المفهوم (إن صحّ التعبير)، أو إدخال بعض التعديلات المناسبة - بنظره - عليه ليتناسب وأهواءه ورغباته، مع بقاء العنوان الرئيسيّ لورقة عمله، وهو الديمقراطية، وبذلك ينجو من لوم اللائمين، بل ولن تكون - بزعمه طبعاً - هناك أيّة حجّة بيد مُعارضيه يُمكنهم من خلالها الإعتراض على تصرّفاته أو مُقاضاته بها.

وهذا بالفعل ما حصل في السابق، وما زال يحصل حتى في عصرنا الحاضر، عصر التطوّر والتكنولوجيا والإبداعات وغير ذلك من العناوين الطويلة والعريضة ولأنّ مفهوم الديمقراطية أصبح شائعاً هذه الأيام، وقلـّما نجد من يجهلها بحقّ، فمن الأهميّة بمكان ملاحظة بعض الأسس التي تساعد على ولادة الديمقراطية ونموّها وتطوّرها وبلوغها سنّ الرّشد، ثم تسليم الأمور - العائدة لها أصلاً - بيدها، لتتصرّف بحريّة، بعيداً عن أيّة قيود أو حدود، ولكن ضمن إطار المنطق والعُرف. 

فالديمقراطية بدون الحريّة تصبح لفظاً لا معنى له، بل إنّ مَن يؤمن بذلك فإنّما يريد به السخرية والإستهزاء بالآخرين، وتضليلهم، والازدراء بعقولهم وآرائهم، وإذا اضطررنا إلى التخفيف من تلك الألفاظ والمُراعاة قليلاً، فسنكتفي بالخداع والسذاجة  والتطوّر الحضاريّ ومن ثمّ العقليّ للبشر هما من بين الأسس التي تتوق إليها الديمقراطية لتكون بيئة مناسبة لها. فالحضارة معناها بيئة صحيّة تعمل وتساعد على ولادة الديمقراطية، فهي (أي الحضارة) بمثابة رَحم تنمو داخله الديمقراطية وهي ما زالت جنيناً.

العقل في اختلافه وتباينه

إلا أنّ هذا الجنين لن يلبث أن يموت ما لم تؤمن الأمّ التي تحمله داخل رحمها بأنّ عليها تسليم زمام الأمور لولدها عند بلوغه، وأنّ ذلك التسليم إنّما هو حقّ مسلـّم لذلك المولود. إضافة إلى ذلك، على الأمّ أن تؤمن بقوّة أنّ بقاءها مرهون ببقاء ولدها، بمعنى أنّ الحضارة لا تعني بناء القصور وتشييد الصروح وتجييش الجيوش، وإزالة هذا والإبقاء على ذاك، دون وجه حقّ.

هذا من جهة، أمّا من الجهة الأخرى، فإنّ كلاً من الحضارة والديمقراطية تستلزمان بدورهما وجود أرضيّة قويّة وصلبة وتربة خصبة لتترعرعا فيهما دون أيّة مشاكل. وما الأرضيّة القويّة إلا العقل البشريّ الذي يطمح للكمال، وما التربة الخصبة إلا صاحب العقل البشري ذاك.

وببساطة، فهما الناس وعقولهم، على اختلافها وتباينها. فهل يمكن مثلاً إقامة حضارة أو إرساء ديمقراطية في مجتمع جاهل ساذج لا يعرف أبسط حقوقه، أو يرفض أبسط معايير العيش كبشر مسالم، إلى جانب مجتمع أو مجتمعات أخرى؟ أو، هل يحقّ لنا حرمان مجتمع متعلـّم مُدرك يتوق إلى مَنحه أبسط حقوقه ليتمكن من العيش كبشر مسالم إلى جانب مجتمع أو مجتمعات أخرى؟ لا هذا ولا ذاك طبعاً؛ فالحضارة والديمقراطية ملازمتان للثقافة والإدراك، لكنّ الجهل والظلمة لا يعيشان إلا في الغاب.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-2-10-2007