معوقات عمل منظمات المجتمع المدني في العراق

 

 

يعد عدم توفر البيئة الدستورية والتشريعية القانونية والسياسية الملائمة لعمل منظمات المجتمع المدني عاملا مهما من عوامل انحسار دور هذه المنظمات.فضلا عن النقص الواضح في الملاكات البشرية الكفوءة التي تتمتع بقدرات مهنية احترافية وضعف قدرتها على وضع السترا تيجيات وخطط العمل المناسبة على أساس مبدأ المشاركة والتشاور وذلك بسبب الحداثة في تجربة العمل المدني في العراق ، وبروز الفردية في الإدارة عبر منطق الهيمنة الشخصية البعيد عن العقل المؤسساتي والعمل المشترك.

لايمكن اغفال النقص في الموارد المالية وشحتها  فالدولة لا تقدم أي تمويل مع وجود الحاجة الى ملاكات بشرية متفرغة تقوم بإدارتها ومتابعة العمل الميداني الخاص بها.والابتعاد عن روح المشاركة والعمل المؤسساتي ويجعل المؤسسة فريسة سهلة لأنانيات فردية انتهازية تسخر عمل المؤسسة لشخصها .ويؤكد بعض الناشطين في منظمات المجتمع المدني ، ان العنف والارهاب وغياب دولة القانون والمؤسسات ادى الى تنامي عوامل كثيرة تقف في الضد من عمل منظمات المجتمع المدني.

هذه المعوقات وغيرها ادت الى انحسارها ولاجل الوقوف على معوقات عمل منظمات المجتمع المدني كانت لنا هذه اللقاءات من مجموعة من الناشطين في مجال المجتمع المدني.

إغفال أهمية الدور

يقول المحامي عبير الهنداوي:بدأت منظمات المجتمع المدني من اقصى المركزية الى اقصى الحرية والانفتاح التي يمكن ان نقول عنها انها وصلت الى مستوى الفوضى ،بعد التغيير 2003 ،لهذا نستطيع ان نقول ان بدايات التأسيس كانت مشوهة،اذ لم يكن في عهد النظام السابق أية مؤسسات مجتمع مدني بالمعنى الحقيقي، وان كانت هناك بعض اطرها واشكالها فهي كانت منظمات شكلية كرسها النظام  لخدمة اهدافه وتوجهاته السياسية لهذا نستطيع القول ان العهد السابق لم يشهد ولادة منظمات مجتمع حقيقية كما هو معروف في العالم وخصوصا الديمقراطي، بحكم طبيعة النظام الاستبدادي الدكتاتوري.

واضاف : ولهذا شاهدنا  ان سقوط النظام كان سقوطا للدولة،ولم تسقط او تنهار السلطة فحسب بل انهارت وتساقطت كل المؤسسات،لانه لم تكن هناك مؤسسات دولة بالاصل لان النظام كان قد حول كل شيء بما فيها المجتمع الى توابع له، فحين سقط انهار كل شيء، ولو كان هناك منظمات مجتمع مدني لما كان هذا الانهيار المدوي ،ولحل المجتمع المدني ومنظماته محل الحكومة المنهارة ولحافظ على  ماموجود من بقايا الدولة.ومن المشاكل التي واجهت منظمات المجتمع المدني، انها اعتمدت على جهات مانحة وعدم جدية بعض هذه الجهات ووجود منظمات جادة قليلة ، اذ اصبح تساقط الكثير منها حتميا لانها  لم تكن جدية وحقيقية لانها بقيت جامدة في اساليبها واهدافها في العمل ولم تتجه لتجديد نفسها،فاختفت الكثير من التسميات.

والهنداوي ينظر الى كثرة منظمات المجتمع المدني على انه ليس شيئا سلبيا ،اذ يقول : وليس غريبا  او شيئا سلبيا كثرة المنظمات، حيث نرى في الدول المتقدمة آلاف المنظمات وكل منظمة لها هدفها ودورها ووسائلها والفئات التي تستهدفها. ومن هنا نقول ان التمويل له الدور الكبير في فاعلية أية منظمة، اذ لابد للدولة من ان تأخذ دورها وتتحمل مسؤوليتها في عملية تمويل منظمات المجتمع المدني،من  اجل تعزيز دورها.

وبشأن دور الحكومة يضيف الهنداوي: لدينا مكتب مساعدة منظمات المجتمع المدني، هذا المكتب هو الجهة المسؤولة عن هذا الشأن فعليه ان يعرف اهدافه ومسؤولياته في متابعة ومراقبة عمل منظمات المجتمع المدني وتوثيق حياتها الداخلية والتنظيمية واطارها القانوني/، وتقديم المشورة والمساعدة لان هناك كماً هائلاً من المنظمات تحتاج الى من يمد لها يد العون المادي والمعنوي .

وعن العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني يرى الهنداوي : من الممكن ان تلعب منظمات المجتمع المدني دورا كبيرا باعتبارها رديفاً للحكومة وتستطيع ان تقدم الكثير من الدعم والعون لها ، ويمكن ان نقول ان هناك احزاباً كبرى بدأت كمنظات مجتمع مدني ويقف على راس هذه الاحزاب حزبا لعمال البريطاني الذي كانت بداياته نقابات عمال ومن المشاكل التي ظهرت على السطح الاجتماعي هي ظاهرة المد والجزر في عمل منظمات المجتمع المدني وهي ظاهرة طبيعية في أي عمل سواء كان سياسياً او اجتماعياً او مهنياً لان هذا الامر يخضع لظروف كثيرة. ويمكن ان تلعب منظمت المجتمع المدني دورا مهما في عملية الاندماج الاجتماعي واعادة ترميم اللحمة الوطنية والمجتمعية وتحقق انجازا كبيرا في عملية تقديم الاسناد لمشاريع الدولة في كل المجالات.

وطبيعة عمل منظمات المجتمع المدني وحداثة تجربتها في العراق تحتم اقامة الكثير من الدورات والورش لتصحيح مسارات عمل هذه المظمات،وتطوير العمل والاليات لايتم بين ليلة وضحاها بل يحتاج لجهد كبير وزمن طويل،فالسنوات مابعد التغيير القصيرة من عمر البناء الثقافي والسياسي غير كافية لاقامة تقاليد صحيحة وواضحة.

وعن الفساد المالي والاداري الذي يشوب عمل بعض منظمات المجتمع المدني يقول :من هنا نقول ان الوجود الكبير لمنظمات المجتمع المدني كان وجود غير حقيقي لانه ارتبط بأهداف لاعلاقة لها بعمل منظمات المجتمع المدني، بل ارتبط بظاهرة الفساد الاداري والمالي، وتحقيق المكاسب المادية للبعض،ولهذا نرى اختفاء وانحسار وجود الكثير منها، فهم حين ذهبت الجهات المانحة ذهبوا معها اذ هم موجودون حيث توجد المنح ويوجد التمويل ولاننا نعلم ان اهم شروط وجود منظمات المجتمع المدني شرط الطوعية،لان العمل في منظمات المجتمع المدني طوعي ،الا ان هذه المنظمات لم تبدأ بداية صحيحة، لهذا اختفوا من الساحة.

وفي اشارة الى العنف واثره على عمل منظمات المجتمع المدني ،اضاف الهنداوي :اما الظروف الاخرى التي ادت الى انحسار او توقف انشطة بعض المنظمات فهي الظروف الامنية،لان أية منظمة لاتستطيع ان تقيم نشاطا في ظل ظروف امنية متردية، لهذا لايمكن اغفال الوضع الامني وانعكاساته على عمل منظمات المجتمع المدني،ولكن تبقى هناك فسحة من  الامل ومساحة من الفضاء  للعمل،استثمرتها بعض المنظمات الجادة رغم كل الظروف ،عن طريق المثابرة وتطويع الوسائل المتاحة لمواجهة شتى الظروف والتلاؤم معها.

فهناك بعض المنظمات وبكل تواضع وثقة نراهم في اصعب الظروف يقيمون الورش والمحاضرات التتثقيفية والندوات ولديهم النية الصادقة في تحقيق اهدافهم. فالقول ان منظمات المجتمع المدني بدأت بداية قوية هو قول غير دقيق ،بل كانت  سحابة صيف مالبثت ان انقشعت.

فضاء اجتماعي يشغله العنف

واشار محمد حسن السلامي(ناشط في مجال حقوق الانسان) الى اهمية دور منظمات المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي قائلا: اعتقد ان موضوعة منظمات المجتمع وان كانت متسعة الآن الا انها مازالت حديثة على الواقع العراقي، فهي مرفق مهم من مرافق اية عملية تغيير،فاي مجتمع ديمقراطي او يشهد تحولات ديمقراطية لابد ان يكون احد مفاصل هذا التحول الجانب الشعبي والذي يتمثل بالمجتمع المدني،اضافة الى السلطة الرابعة الصحافة.

وعن الاوضاع الامنية وانعكاساتها على أداء منظمات المجتمع المدني ،اشار السلامي : التحول الذي شهده العراق منذ 2003 كان تحولا عسكريا بمعنى من المعاني ،ان هذا التحول رافقته الكثير من احداث العنف التي مارستها قوات الاحتلال او القوى المسلحة الاخرى( المليشيات ) كل هذا ادى بالمجتمع الى فقدان الامن والاستقرار وبالتالي التأثير على عمل منظمات المجتمع المدني،فمثلا قبل سنتين كانت منظمات المجتمع المدني تنزل الى الشارع وتقود المظاهرات الجماهيرية لطرح مطاليبها ،الا ان الوضع الامني ادى الى انحسار الكثير من هذه الانشطة وامثالها، فضلا عن انقطاع التواصل والاتصال بين بعض مناطق بغداد ووجود التهجير القسري لاسباب طائفية ،كل هذا ادى الى ان بعض نشطاء المجتمع المدني اما ان يقتلون او يهجرون او يقعدون في بيوتهم خوفا من تردي الوضع الامني.ولكن مع هذا بقيَّ البعض يتحدى كل هذه الظروف الشاذة ويعمل. ولكن مع هذا بقت هذه الاعمال مقتصرة على النخب وداخل القاعات وبعيدة عن الفضاء المجتمعي.

فمثلا منظمات حقوق الانسان  تقع عليها مهام ومسؤوليات كبيرة لان هناك الكثير من الانتهاكات لحقوق الانسان لابد من متابعتها، ولكنها عاجزة عن متابعة هذا الامر ،ليس عجزا منها او اهمالا لواجبها بل لاسباب تتعلق بالوضع الامني،او انها غير قادرة على تغطية نفقات انشطتها لعدم وجود تمويل.

 غياب الأطر القانونية

وعن غياب الاطر القانونية التي تنظم عمل منظمات المجتمع المدني قال فارس شاكر( اعلامي وناشط في مجال المجتمع المدني ): ثقافة المجتمع المدني ثقافة حديثة على العراقيين، فضلا عن ان العراق في دوامة من العنف منذ التغيير وحتى الان سببها الاول عدم وجود وعي لثقافة التغيير، فضلا عن ضغط الموروث الثقافي والاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني كغيرها من انشطة المجتمع الاخرى تاثرت بهذه الظروف ،فهناك منظمات نظرت الى الامر على اساس ظرفي وليس بمنظار بعيد المدى وذلك للحصول على مكاسب مادية انية ومناصب، فحصلت على منح من مؤسسات داخلية وخارجية وحتى من احزاب.

وعن اهمية دعم وتمويل انشطة منظمات المجتمع المدني أشار : ولكن مع هذا نقول لايصح الا الصحيح فهناك منظمات تحملت المسؤولية وعملت باخلاص وقدمت التضحيات واستمرت في عملها وفاعليتها داخل المجتمع.

واعتقد ان من اجل تنظيم دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني والتي نعتبر دورها ونشاطها ظاهرة حضارية وتأثيرها كبير على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي  لابد من دعمها ومراقية عملها ووضع الاطر الثانوية لتنظيم علاقتها بالدولة وبغيرها من المؤسسات، من اجل الاستفادة من طاقاتها وخبراتها .

فنقول سواء كانت هناك وزارة لشؤون المجتمع المدني او لم تكن لابد من تنظيم وتشريع عملية دعم وتمويل منظمات المجتمع المدني.ولابد لمنظمات المجتمع ان تعمل على شكل ائتلافات وتشبيكات حتى تكون مؤثرة في عملها ومن اجل نبذ الطارئين من صفوفها.

ومن الجوانب التي اشار لها فارس شاكر ،الفساد في العمل المدني ،اذ قال : والظروف الطارئة والاستثنائية التي يعيشها العراق وخصوصا في جوانبها الامنية. تعد هذه الظروف من حصة الطارئين والباحثين عن المكاسب الشخصية وهذا ماصعد من ظاهرة الفساد في كثير من جوانب الحياة،الا ان النفس الوطني يبقى موجودا اذ هناك الكثير من الفاعلين والناشطين الشرفاء الذين يعملون بكل جد واخلاص .

محاولات الاحتواء والتسييس

وفي هذا الشان اكدت اسماء القيسي(ناشطة نسائية): ان من اهم المشاكل التي تواجه عمل منظمات المجتمع المدني وتحد من انشطته ،الاوضاع الامنية التي تزداد ترديا يوما بعد اخر وخصوصا في بغداد ، فضلا عن عدم وجود دعم وتشجيع لعمل هذه المنظمات من قبل الدولة ، وعن دور المجتمع السياسي في تفعيل العمل المدني او تأخيره ،قالت القيسي : ونحن نعتقد ان المؤسسة السياسية حتى الان لم تعط اهمية لهذا الموضوع لانها لاتعرف اهمية الدور الذي يمكن ان تقوم به منظمات المجتمع المدني.

وهذا الجهل او التجاهل لمظمات المجتمع المدني ادى الى اهمالها من قبل الفاعلين السياسيين. وبشأن غياب الاطر القانونية قالت القيسي : وحتى السطة التشريعية لم تعر اهتماما لهذه المنظمات ، فنراها ناقشت الكثير من مشاريع القوانين الا انها اهملت اصدار قانون ينظم عمل منظمات المجتمع المدني ،على الرغم من ان منظمات المجتمع المدني ومن خلال مؤتمراتها قدمت اكثر من مسودة قانون الى مجلس النواب، الا ان الحال في عمل منظمات المجتمع المدني بقيَّ بدون اطر قانونية تنظم علاقة منظمات المجتمع بالدولة والحكومة وتنظم حياة المنظمات المدنية ،وهذا كان له اثار كبيرة على عمل منظمات المجتمع المدني.

وعن عملية الاحتواء التي تتعرض لها منظمات المجتمع المدني من قبل بعض القوى السياسية ، اكدت القيسي: ومن المشاكل الاخرى التي عانت منها منظمات المجتمع المدني ومازالت تعاني هو عملية تسييس بعض المنظمات ، اذ جرى في هذا الباب عملية احتواء لمنظمات المجتمع المدني والهيمنة عليها، وهذا من اشد الاخطار التي تواجه عمل منظمات المجتمع لمدني لانها تفقدها اهم صفاتها الا وهو الاستقلالية وبالتالي تجعلها محط ريبة وشك من قبل المواطن مما يؤدي الى فقدان ثقته بهـذه المنظمات ممـا يفشل عملها ويشـل حركتهـا.

وفي هـذا المجـال لايمكـن اغفـال حقـيقـة دائمـا نكرر الحديث عنها وهـي ان هنـاك بعـض منظمات المجتمع المدنـي الوهميـة، اذ يهدف اصحابها والقائمون عليها الى تحقيق اربـاح ومنافع شخصية،وهـذا يشكل انحرافا في اهداف المجتمع المدني واساءة كبيرة لرسالتـه الانسانيـة ، وهـو فـي الوقت نفسـه اسـاءة للمنظمـات الحقيقية والنزيهـة والهادفـة لخدمة المجتمع.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-2-10-2007