أولويات البيت الأبيض في مرحلة ما بعد بوش

 

روجر كوهين 

 

لقد دفع عدم شعبية الرئيس بوش الكثيرين للاعتقاد بأن مشاعر الكراهية العالمية لأميركا سرعان ما ستنحسر عقب مغادرته لمنصبه، وهو اعتقاد خطير بالطبع. ومكمن الخطر فيه أن ميل أميركا لاستخدام القوة سيظل قادراً على إثارة مشاعر السخط العالمي على كل من يتولى تصريف شؤون الرئاسة في البيت الأبيض. كما يكمن الخطر أيضاً في اختلاف مفهوم أميركا للمهدد الأمني الإرهابي عن فهم حلفائها الأوروبيين والآسيويين له.

وبما أن اهتمامات الآسيويين تتركز على النمو الاقتصادي، في حين يولي الأوروبيون اهتماماً أكبر للاندماج والوحدة الأوروبية، فإن من الطبيعي أن يؤدي هذا التغاير في الأولويات والمصالح بين أميركا وآسيا وأوروبا إلى نوع من التوتر والاحتكاك وللحقيقة فإن ما ألحقته حرب العراق من دمار بسمعة الولايات المتحدة الأميركية لهو من الفداحة بحيث يتعذر زواله بتلك السهولة والسرعة. ثم إن فقدان الغرب بأسره لقدرته على التأثير على مسار الأحداث في المسرح الدولي، يعني ضعف قدرة من سيخلف بوش في البيت الأبيض على تشكيل الأحداث وممارسة نفوذه عليها لكن وعلى رغم ذلك فإن من المتوقع أن يكون حظ خلف بوش أكثر وفرة منه فيما يتصل بالشعبية والحصول على الدعم العالمي. ولكي يتسع مدى هذا الحظ فإنه يلزم الرئيس القادم اتخاذ جملة من الخطوات في مقدمتها وأكثرها أهمية: الانتقال من سياسات القلق إلى سياسات بناء جسور الثقة مع الآخرين.

وهنا لابد من القول إن كلاً من بوش ونائبه ديك تشيني لم يتمكنا من الخروج من إسار 11 سبتمبر مطلقاً. وقد أفضى سلوك كليهما الهجومي والعدواني على الآخرين، إلى إقصاء عدد كبير من الحلفاء والأصدقاء عن إدارتهما. وهذا ما يجب على من سيخلف بوش في منصبه أن يتعلمه. فلابد للغة الخطاب الرئاسي من أن تختلف بحيث يكون مضمونها العام معبراً عن فكرة "إنني واحدٌ منكم" بدلاً من تلك اللغة الهجومية التي لا تثمر إلا خوفاً وشعوراً بالاغتراب عند الآخر.

ثم إن من بين أكبر الكوارث التي ألمّت بالولايات المتحدة في ظل هذه الإدارة، امتناع واشنطن عن قيادة الحوار الأخضر حول التغير المناخي، وهي القضية التي تشغل بال العالم كله اليوم. ولهذا فإنه يتعين على خلف الرئيس بوش مواجهة هذا التحدي المحوري أمام قرننا الحادي والعشرين كله: الانتقال إلى اقتصاد عالمي تنخفض فيه انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وهناك من الدول النامية -لاسيما الصين- من تعتقد أننا نحن من أحدث هذه الفوضى البيئية، وأن علينا ترتيبها وإزالتها ومهما يكن فإنه في وسع الولايات المتحدة الأميركية وحدها، استقطاب كل من الصين والهند للدفع باتجاه مرحلة ما بعد معاهدة "كيوتو" للتغير المناخي، أي العمل من أجل هواء أنقى ونمو اقتصادي لا يتراجع.

ومثلما هو المناخ العالمي، فإن هناك ظواهر أخرى تشبهه مثل اللامساواة. ومع ذلك فلا وجود للمؤسسات الدولية القادرة على التصدي لها، بما فيها مجلس الأمن الدولي والدول الثماني الكبرى، اللذين عفا عليهما الزمن. وكما قال "ديفيد ميليباند" وزير الخارجية البريطاني: "فقد صممت المؤسسات الدولية القائمة للعالم كما كان عليه من قبل، وليس كما هو كائن الآن".

وهذا ما يقتضي من الرئيس الأميركي القادم، رقم 44، أن يدفع باتجاه تحديث هذه المؤسسات الدولية بما يعكس وزن القوى الدولية والإقليمية الجديدة مثل الصين والهند والبرازيل، إلى جانب عكسها للتقدم الاقتصادي الذي تشهده دول إفريقية عديدة. كما يلزم القول أيضاً إن مجرد اقتراح انضمام اليابان إلى العضوية الدائمة بمجلس الأمن الدولي ليس كافياً لتحقيق غرض تحديث هذه المؤسسات الدولية.

ولما كنا قد تعرضنا آنفاً لحرب أميركا على الإرهاب الدولي، فإنه يجب وصف عبارة "الحرب على الإرهاب" نفسها بأنها أصبحت خلافية ومثيرة للانقسام بين صفوف الأصدقاء والحلفاء. وعلى الرغم من أن هذه الحرب قد أثمرت تحصين أميركا ضد المزيد من الهجمات الإرهابية عليها، إلا أنها ساعدت في الوقت ذاته في توحيد صفوف الإرهابيين العاقدين العزم على إلحاق الخراب والدمار بالحضارة الغربية بأسرها، بينما دفعت أعداداً أكبر من المسلمين إلى النظر إلى أميركا باعتبارها عدواً لهم ولديانتهم.

وفي وسع الرئيس القادم أن يتجاوز مرحلة الاستقطاب السياسي الحاد هذه بين الغرب والعالم الإسلامي، وذلك بتبنيه لخطاب "مكافحة الإرهاب" وليس الحروب الدولية على الإرهاب، إلى جانب تسليط جهوده على الإعلان عن قيام دولة فلسطينية مستقلة، تتعايش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، فضلاً عن دفع الاتحاد الأوروبي نحو القبول بانضمام تركيا إليه.

وفي المنحى ذاته، فإن الخروج بنتائج لائقة -على المدى المتوسط- لحرب العراق هذه، يتطلب تبني الرئيس الأميركي المقبل لسياسة الدبلوماسية الإقليمية النشطة، التي تتضمن مشاركة كل الفاعلين الإقليميين المؤثرين.

أما في حالة إيران تحديداً، فلا حل سوى أن تسود سياساتها قناعة نهج عدم الانتشار النووي، على النحو الذي ساد فيه من قبل في كل من جنوب إفريقيا وليبيا وأميركا الجنوبية، وينبغي لهذا النهج أن يفعل فعله الإيجابي في إيران أيضاً وما لم يحدث هذا فإن البديل الوحيد المتوقع لترك الحبل النووي على الغارب لطهران كي تفعل كما تشاء، هو انطلاق سباق نووي شرق أوسطي جامح ولا حدود له.

ولنذكر أن لأوروبا نفوذها المؤثر على طهران، متمثلاً في ثلاث شخصيات قيادية أوروبية لا صلة لها مطلقاً بكارثة الحرب على العراق: نيكولا ساركوزي وجوردون براون وأنجيلا ميركل. وإذا ما أراد الرئيس الأميركي المرتقب، رقم 44، كبح هذا الجماح الإيراني، فإن عليه التعاون مع هؤلاء القادة في تعامله مع تداعيات، وبما يؤدي إلى نشر قيم التعددية وسيادة القانون وحرية واستقلالية الصحافة، فضلاً عن نشر قيم اقتصاد السوق فيها.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي االكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"-2-10-2007