"هامش الحريات" بمصر.. في الرمق الأخير

 

 

رفض عدد من الخبراء المصريين المتخصصين في الإعلام والسياسة والقانون وشؤون البرلمان، الحملة المنظمة التي تشنّـها الحكومة ضد الصحفيين المصريين ومؤسسات المجتمع المدني، معتبرين أنها تشكِّـل ارتدادا عن هامش الحرية الذي شهدته مصر في الفترة الماضية وأنها رسالة تهديد لترويع الصحفيين والأقلام الحرّة، منددين بتوظيف القضاء لضرب حرية التعبير.

وطالب الخبراء المصريون بإجراء حوار مفتوح بين كل القوى الحية لإخراج مصر من مأزق الاعتداء على الحريات، المتجسِّـد في الحبس في قضايا النشر والذي شكّـل التفافا على وعد الرئيس بإلغاء الحبس في هذه القضايا وتنقية القانون من تِـرسانة المواد المقيّـدة للحريات، والتي تمثل تهديدا خطيرا لحرية التعبير، كما تُـسيء لسُـمعة مصر الدولية.

وفي تصريحات خاصة لسويس إنفو، اتّـفق كل من الإعلامي جمال فهمي، عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين والناشط القانوني نجاد البرعي والدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية بجامعتي القاهرة والإمارات، والنائب البرلماني الدكتور حمدي حسن، المتحدث الإعلامي باسم الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان، إضافة إلى محمد مهدي عاكف، المرشد العام لجماعة الإخوان، على أن "النظام الحاكم بمصر قد قـرر إلغاء هامش الحريات الذي كان يسمح به لقوى المعارضة"، معتبرين أنه "يتّـجه من سيِّـئ إلى أسوأ وأن أولى هذه التباشير، إحالة 5 من رؤساء تحرير أكبر الصحف الحزبية والمستقلة إلى المحاكمة خلال ثلاثة أسابيع فقط"!

أربعة أسباب

وقد اعتبر فهمي أن مفتاح فهم كل ما يجري في مصر الآن، هو معرفة حالة الضّـعف التي وصل إليها النظام الحاكم، مشيرا إلى أن الأزمة شاملة على كل الأصعدة وأنها قد انتهت إلى حالة من العَـداء المُـتبادل بين الشعب والنظام، وقد ظهر هذا واضحا في إشاعة مرض الرئيس مبارك، فقد بدا وكأن الشعب المصري يريد أن يصدِّق هذه الإشاعة.

وأرجع فهمي الأزمة بين النظام والشعب إلى أربعة أسباب: أولها، طول المدة التي قضاها الرئيس في الحكم (26 عاماً)، وثانيها، حالة الجمود والشلل التي أصابت الحياة السياسية عموما، وثالثها، انتشار الفساد ومساهمة النظام في توسيع دائرته، حتى أصبح النظام مُُـنتجا للفساد وأصبح الفساد آلية حياة في المجتمع، ورابعها، الطبيعة الأسرية للحكم والمتمثلة في أب وإبن وأم، مشيرا إلى أن هناك من يردّد أن السيدة سوزان مبارك هي صاحبة الحملة المشهرة حاليا على الصحافة في مصر.

وفي محاولة منه لوصف المشهد الحالي بمصر، يقول فهمي: "المشهد تبدو فيه أوضاع اقتصادية سيِّـئة وكراهية شديدة من المجتمع للنظام الحاكم، آخر مظاهرها اعتصام أكثر من 25 ألف من عمال الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى للمطالبة بمستحقاتهم، ثم حالة من الفساد المستشري في معظم قطاعات وهياكل المجتمع، ناهيك عن السلوك البوليسي للدولة في التعامل مع المعارضين".

ويرى فهمي أن "الصحافة الحرّة والمستقلة أثبتت وجودها في محاربة الفساد، وأن الصحفيين قد رفعوا بإصرارهم على فتح هذه الملفات، كثيرا من سقف الحريات الصحفية"، معتبرا أن "هذا السّـقف المرتفع لم يكُـن عملا خيريا من النظام، والواقع خير شاهد، فلا انتخابات حرة ولا تداول سِـلمي للسلطة ولا ....إلخ، وإنما كان النظام يغُـض الطّـرف عن هذا الهامش، لتلعب الصحف المستقلة دورا غير مباشر لخدمة النظام بإظهاره أمام الرأي العام الدولي، والغربي على وجه الخصوص، على أنه نظام ديمقراطي يقبل الرأي الآخر ويدعم الحريات".

مجرد مُسكِّـن!

ويستدرك فهمي قائلا: "لكن بعد فترة، استشعر النظام الخطر من إتاحة هذا الهامش للصحفيين، خاصة بعد تفاقُـم أزمة النظام الداخلية عقِـب انتشار إشاعة مرض الرئيس وما خلقه هذا من تصارُع داخل النظام مع قرب بلوغ الرئيس سن الثمانين"، معتبرا أن "الصحافة كانت تلعب دورا تعبَـويا لخدمة النظام، أكثر من التنفيس عن الشعب المكبُـوت في ظِـل الغلاء الطاحِـن، الذي طال كل شيء، مع تدنّـي المداخيل والمرتبات وتفشي البطالة".

ويعتقد جمال فهمي، عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين، أن "النظام قرر إلغاء هذا الهامش من الحريات وأن البداية كانت في الأسابيع الثلاثة الماضية، عندما سمح بإحالة عدد من الصحفيين ورؤساء التحرير للمحاكمة بتهم غريبة"، مشيرا إلى أن "هذه الإجراءات تكشف عن صدور قرار فعلي من النظام بالتخلّـص من البقية الباقية من المعارضة، غير أنه لن ينجح في تحقيق هدفه، بل وسيدفع الثمن غاليا".

وحول الوعد الذي أطلقه الرئيس مبارك في عام 2004 لنقيب الصحفيين بإلغاء حبس الصحفيين في قضايا النشر، قال فهمي: الوعد كان مجرد مسكِّـن للصحفيين، خاصة وأنه أطلِـق بالتزامن مع انطلاق حالة الحِـراك السياسي في الشارع المصري، كما أن النظام فرّغ كل هذه الشعارات من مضمونها وتحوّل الوضع من سيّء إلى أسوأ"، وأضاف بأنه "يعتبر نفسه في وضع الانقضاض على الشعب، ومن ثم، فهو يُـطفِـئ كل الأنوار".

واختتم جمال فهمي تصريحاته قائلا: "نعم، هناك خطر حقيقي على حرية الصحافة في مصر وهناك صحفيون قد يدخلون السِّـجن بسبب إبداء آرائهم أو انتقادهم للحكومة، لكن الأيام القادمة ستُـثبت أن النظام هو الخاسر الأوحد في هذه المعركة".

رأي عام دولي ضاغط

وحول تفسيره لإغلاق مركز حقوقي لمساعدة السجناء، قال الناشط الحقوقي نجاد البرعي: "هو ليس مركزا واحدا، وإنما مركزان. فالحكومة أغلقت - منذ شهرين - "دار الخدمات النقابية"، وهي جمعية حقوقية تُـعنى بحقوق العمال، ثم أغلقت منذ أسبوع "جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان"، وهي جمعية حقوقية تُـعنى بتقديم المساعدات لسُـجناء الرأي.

ونفى البرعي أن يكون هناك مبرر مقبول لغلق أي من المركزين، معتبرا أن ما يقال عن الوضع القانوني للمركزين، هو كلام غير صحيح، فـ "المنظمة المصرية لحقوق الإنسان" ظلّـت تعمل في الفترة ما بين 1994 – 2003، قرابة عشرين عاما بدون ترخيص أو شكل قانوني، ومع ذلك لم تُـغلق، فلماذا الآن يغلق مركزان حقوقيان بدعوى أنهما غير مرخصين؟!

ويعتقد البرعي أن "النظام قد شعر برفض الشعب وعدم رضاه وأنه قد أرجع ذلك لِـما يُـنشر في الصحف المعارضة ولتقارير المنظمات الحقوقية، فأراد أن يتخلّـص منهما ويُـريح دماغه"، مشيرا إلى أن "هذا يعني أن النظام بدأ يستشعر حالة الضّـعف التي تملكته، وكلّـما شعر النظام بضعفه، عصف بمن حوله".

ويرى نجاد البرعي أن الواجب على الجمعيات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني يتمثل في "العمل على إعلام وتعليم الرأي العام بما يحدث، والتدخل حقوقيا بالدفاع عن زملائنا وإعلان رفضنا لهذه الحرب المفتوحة ضد قوى الشعب بالنزول للشارع والتظاهر السلمي، إضافة إلى كتابة البحوث وإعداد الدراسات القانونية حول الوضع الراهن وبيان المخالفات القانونية فيه".

سقوط الأقنعة وتمهيد للتوريث

وحول ما يمكن أن تؤول إليه الأحداث، يرى البرعي أن الموضوع يتوقّـف على أمرين: الأول، مدى وجود رأي عام دولي ضاغط على النظام لإجباره على التراجع عن هذه الحرب التي يشنها على المجتمع، والثاني، مدى استجابة قِـطاعات الشعب المختلفة، وفي مقدمتها القطاعات النوعية والمثقفين والنُّـخب، من خلال وقفة جادّة وواعية للدفاع عن الحقوق والحريات".

ولاحظ البرعي أن السلطة تعمل على سد الطريق على قوى المجتمع، فخلال الأسبوع الماضي، دشنت حملة دولية مضادة، ذات محورين، تمثل الأول في إعلان الحكومة عن استعدادها لإرسال 2100 جندي مصري للمشاركة في حفظ السلام في دارفور، وتجسد الثاني في اللعب – مجددا - بورقة "حماس" للضغط على الغرب، وخاصة أمريكا، معتبرا أنه "ليس أمامنا سوى الشعب، هو الذي تُـراهن عليه قوى المعارضة".

من جهته، يرى النائب البرلماني حمدي حسن أن "النظام قد كشف عن وجهه الحقيقي، وأسقط كل الأقنِـعة الزائفة، التي كان يرتديها"، معتبرا أن "ما كان موجودا من هامِـش ديمقراطي، كان عبارة عن مساحيق يُجمـِّلُ بها النظام وجهه ويتباهى بها أمام الشعب المغلوب على أمره، وأمام العالم الخارجي".

وردّا على سؤال حول ما إذا كان يعتقِـد أن هناك حملة مُـمنهجة يقوم بها النظام للتخلّـص من البقية الباقية من المعارضة أم أنها مجرّد تصرفات عشوائية، قال حسن: "لا أعتقد أنها ارتجالية، فهي حملة منظمة معدة سلفا وبإحكام شديد، ونحن قادمون ولاشك على مرحلة أكيدة من التغيير، والنظام يمهِّـد الآن بهذه الإجراءات لسيناريو التوريث".

ويعتقد حسن أن "السيناريو المرسوم هو أن يقوم النظام الحالي بتقليل هامش الحريات، لتزداد الأمور تعقيدا والوضع احتقانا، وفي هذه الأجواء، يتم تمرير سيناريو التوريث، فإذا جاء الوريث للحُـكم وتسلّـم مقاليد البلاد، فإنه يقوم بإصدار عدّة قرارات، من شأنها تخفيف حالة الاحتقان ورفع سقف الحريات وعمل مصالحة مع قوى المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني، فيحبّـه الشعب ويقبله، متوسما فيه الخير".

نظام ضعيف

وحول تفسيره لحالة الاحتقان الموجودة في الشارع المصري، يقول حسن: هذا بسبب الضّـعف الشديد الذي أصاب النظام، فبدأ يشعر أنه مرفوض جماهيريا، ومن ثم، فإنه يرفض أن يسمح لأي قوة معارضة بما يمكن أن يظهرها على أنها قوية، وخاصة في هذا التوقيت، معتبرا أن "هذا ما يفسر رفض الحكومة السماح لجماعة الإخوان بعقد إفطارهم السنوي، ثم ممارسة الضغوط الأمنية لمنع أول حفل فطار، أعلنت عنه الكتلة البرلمانية للإخوان".

ويتفق الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسية بجامعتي القاهرة والإمارات، مع البرلماني حسن في القول بأن "النظام يُـعاني في الفترة الأخيرة من حالة من الضعف الشديد"، ويضيف قائلا: "والمعروف سياسيا، أنه عندما يشعر النظام بضعفه في حال وجود معارضة قوية، فإنه يلجأ للبطش بكل من يقول له: لا".

ويرى الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أن "النظام يريد أن يعبِّـر عن نفسه وأن يثبِـت وجوده، لكنه بهذه الطريقة، يقضي على نفسه، فالوضع مؤهَّـل للانهيار، لأنه أصبح نظاما ضعيفا، والوضع العام في انحدار، حيث حوَّل النظامُ الشرطةَ إلى أسد يُـخوِّف به الشعب".

استعداء القضاء!

وردّا على سؤال: لماذا الآن تحديدا يتِـم التصعيد من النظام ضد المعارضة، وفي هذا الوقت بالذات؟ قال د. سيف: "في حقيقة الأمر، فإن هذا الوضع مستمر منذ 3 سنوات، ولكن الجديد الآن هو إصرار النظام على إقحام القضاء طرفا في هذا الصِّـراع والخلاف السياسي ومحاولة استخدامه كأداة قانونية للبطش بالمعارضة".

ويضيف د. سيف: "على الرغم من أن هناك دوائر قضائية معروفة يمكن للنظام أن يُـحيل إليها هذه القضايا، إلا أنه لجأ لهذه الحيلة لإثارة الخلاف بين قِـطاعي القضاء والإعلام، ربما لأنهما ظلا متعاونين إبّـان أزمة القُـضاة مع النظام، حيث ظهر الصحفيون كأكبر داعم للقضاة في مِـحنتهم، وهو ما جعل النظام يستشعر خطورة التآلف بينهما مستقبلا".

فالدولة لم تعد حكَـما، وهذه مسألة خطيرة ولها آثار سيِّـئة ولا تُـحمد عُـقباها، ولهذا، فقد لجأ النظام إلى تحويل كل الملفات إلى ملفات ذات طبيعة أمنية، وأقرب مثال على ذلك: ملف بَـدو سيناء وملف العلاقة بين الأقباط والمسلمين وملف الصحفيين وملف القضاة، مشيرا إلى أن "إصرارها على التعامل مع القضايا كلها من منظور أمني، سيأتي عليها".

أجواء سبتمبر 1981

ومن جهته، أوضح مهدي عاكف، المرشد العام للأخوان المسلمين ، أن المحاكم العسكرية التي أحال إليها النظام 40 من قيادات الجماعة وإحالة 5 رؤساء تحرير خلال أسبوعين للمحاكمة ومعهم عدد من الصحفيين بتُـهم مُـلفقة وإغلاق مركز حقوقي يهتَـم بتقديم المساعدة القانونية للسجناء، لَـهُـو "أكبرُ دليل على استبداد النظام الحاكم وفساده وخروجه عن المألوف من القِـيم والمبادئ".

وقال عاكف: "للأسف، نحن نتعامل في مصر مع نظام بلا منطِـق وحكومة بلا عقل وجهاز أمني لا يحكمه لا منطق ولا قانون"، مشيرا إلى أن النظام "لا يرغب في التحاور مع المعارضة، كما أنه لا يقدم سببا واحدا لأي تصرّف يقوم به، ولا يعبأ بالمعارضة".

وأضاف مرشد الإخوان أن "القبضة الأمنية التي تتعرّض لها مصر هذه الأيام، تذكِّـرنا بأجواء سبتمبر عام 1981، حينما اعتقل النظام السابق (في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات) رموز وقيادات المجتمع، لإصرارها على رفض اتفاقية كامب ديفيد"، واصفا استبدادَ النظام بأنه "نهج أساسي منذ أن تولى سدة الحكم، حيث تم تقنين الاستبداد وتكريس الفساد".

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو-29-9-2007