العرب وسؤال الديموقراطية

 

حسين عبد العزيز

 

ليست الديموقراطية مفهوما نظريا مطلقا خارج التاريخ، بقدر ما هي مقولة تاريخية نشأت في سياق تاريخي معين واكتسبت سمات عدة مرتبطة بشروط موضوعية معينة. لذلك كان طبيعيا أن نجد اختلافات كبيرة في مفهوم الديموقراطية وغايتها بين عصر وعصر، فالديموقراطية اليونانية كما مارسها الأثينيون تختلف اختلافا كبيرا عن الديموقراطية في عهود الحداثة الأولى، والتي تختلف بدورها عن الديموقراطية في عصر ما بعد الحداثة.

وفي ضوء هذا الفهم للطبيعة التاريخية للديموقراطية يمكن القول إن طرح الديموقراطية في العالم العربي طرحا مضاعفا، ليس فقط لغياب الأسس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لها على أرض الواقع فحسب، بل أيضا لغياب أي موروث تاريخي من شأنه أن يساهم كمرجعية تاريخية في إعادة طرح الديموقراطية.

والحقيقة إن غياب الموروث السياسي جعل المجتمع العربي غير قادر على إنتاج المفاهيم السياسية، بل أصبح وعاء يحتضن المفاهيم الأجنبية المستوردة بغية الارتقاء بالواقع السياسي العربي، وغياب عملية إنتاج المفاهيم لناس معينين دليل على غيابها في مجالهم الثقافي ـ الحضاري، ودليل آخر على القطيعة الحاصلة بين الفكر ومضمونه الإيديولوجي، وإذا ما كان ثمة تحديث هنا فهو يقتصر على مستوى الخطاب فقط.

من هذا المنطلق يمكن أن نفهم عملية المقارنة التي أصبحت من أدبيات الفكر السياسي العربي بين الواقع العربي من جهة، والتجربة الغربية التي أنجزت الديموقراطية تاريخيا من جهة ثانية. وعلى الرغم من أن هذه العملية، أي عملية المقارنة يجب أن تكون لهدف أجرائي، نجد بعض المثقفين العرب قد تعاملوا مع هذه المفاهيم في صورتها المطلقة بعيدا عن تعيناتها وشروطها التاريخية، وبعضهم الآخر عمل على تقطيع أوصالها من غير وعي بماهية المفهوم وسياقه التاريخي من جهة، وبالبنى الاجتماعية العربية السائدة من جهة أخرى، ولهذا لم تكن هذه المفاهيم في كثير من الأحيان معبرة عن الواقع العربي. فالمطالبة العربية بالديموقراطية مثلا لم تكن ناجمة عن معطيات واقعية كوجود فئات اجتماعية واقتصادية ضاغطة تدفع السلطة إلى تغيير سياساتها الداخلية، بقدر ما هي رد فعل على توتاليتارية الدولة، وكذلك مفهوم المجتمع المدني ليس ناجما أيضا عن وجود معطى سياسي اجتماعي يسمح لمجموعة من الأفراد أو المؤسسات بالعمل خارج نطاق الدولة، (من حيث أن أحد الجوانب المهمة في المجتمع المدني أنه حيز مستقل يعمل كمصد ضد السلطة المركزية، ويشجع على وجود مناخات تتيح لجماعات أن تتبع مساراتها الخاصة بها دون خوف من تدخل السلطة)، وإنما جاء هذا المفهوم كرد فعل على فشل الديموقراطية من جهة، وعلى سيطرة البنى الأهلية على المجتمع من جهة ثانية، وعلى بيروقراطية الدولة ثالثا.

لكن تأكيدنا على غياب المعطى الواقعي للمطالبة بالديموقراطية والمجتمع المدني ودولة القانون على سبيل المثال لا ينفي من حيث المبدأ نفي القدرة الإنسانية على الفعل، فالذات أو إرادة الفرد تلعب دورا مهما في عملية التغيير، لكن الذات العربية هنا غير فاعلة لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية، أهمها استغراق المجتمع في الدولة استغراقا كليا، الأمر الذي خلق ثقافة سياسية اجتماعية تتماهى مع ثقافة السلطة وليس لها أي ارتباط بقيم الحداثة الإنسانية، أما النخبة المثقفة فهي مازالت في حالة من القوة لم تنتقل إلى الفعل، وبقي خطابها خطابا فوقيا أو ترفا فكريا يظل صداه عاجزا عن اختراق مكامن الفعل لدى القاعدة الاجتماعية.

في كل الأحوال إن الحديث عن الديموقراطية في العالم العربي، ليس ناجما عن وعي مبكر بالحداثة، بقدر ما هو تعبير عن أزمة، أزمة تطال الواقع العربي وخطابه السياسي في بعض الأحيان، ولهذا السبب رافقت هذه المفاهيم السياسية عملية تضخيم كبيرة جعلت من كل مفهوم مثالا مطلقا على الواقع أن يتطابق معه ولا شك أن عملية التضخيم هذه تعبر تعبيرا دقيقا عن أزمة الفكر السياسي العربي، فالرغبة المطلقة في الانتقال المباشر بالمجتمع العربي من ما قبل الحداثة إلى الحداثة، تتضمن رد فعل ليس فقط على هذه الرغبة المطلقة، وإنما أيضا على الحداثة ذاتها، التي إذا لم تأتي ضمن سياقها التاريخي فستكون سلبا لذاتها ولحاملها الاجتماعي الاقتصادي السياسي.

وإذا استعرنا منهجية الجابري، وجب القول إن عملية نقل المفهوم تكون مشروعة عندما تنجح في ملاءمة المفهوم المنقول مع الحقل المعرفي المنقول إليه وتبيئته فيه، وذلك من خلال بناء مرجعية له تمنحه المشروعية والسلطة، وهذه العملية تتطلب بطبيعة الحال الإطلاع على مرجعيته الأصلية، على ظروف تشكله ومراحل تطوره. وهذا يقودنا إلى القول إن طرح الديموقراطية في أي مجتمع من المجتمعات يجب أن يخضع لسؤال سوسيوسياسي محدد، ذلك أن الديموقراطية هي رغبة أيديولوجية ليست ناشئة من النظرية فقط، وإنما أيضا من الوضع الاجتماعي السياسي الاقتصادي على أرض الواقع، وبالتالي على كل مجتمع أن يطرح سؤاله السياسي الخاص.

فالتطور التاريخي للديموقراطية الغربية يبين أن هذه الديموقراطية طرحت أسئلة نظرية في كل مرحلة تاريخية كان عليها ذاتها الإجابة عنها واقعيا، فمرة طرحت الديموقراطية بوصفها عقدا ومرة بوصفها مجتمع مدنيا، ومرة أخرى بوصفها انتخابات برلمانية.

وهذا يعني أن الديموقراطية العربية عليها أن تسأل أسئلتها النظرية أيضا، ولكن بشروط الإمكان التاريخي كي تستطيع الإجابة عنها واقعيا، فمن الخطأ الحديث عن الديموقراطية العربية عبر البحث عن معانيها الحالية كما هي متحققة الآن في الغرب، لأن ذلك سيطرح أسئلة غربية لا تستطيع الديموقراطية العربية الإجابة عنها واقعيا ولا حتى نظريا.

وعليه فإن الحديث عن الاندماج المجتمعي والمشاركة السياسية في العالم العربي لا يتفق مع الخبرة التي يعانيها هذا المجتمع، الأمر الذي يفرض قلب المنظور: فعوضا عن الاعتقاد بأن بوسع الذات أن توجد نمطا معينا من المؤسسات السياسية والاجتماعية، ينبغي للمؤسسات أن تنشئ نمطا معينا من الشخصية يتفق ويستجيب لأبعاد الممارسة الديموقراطية مستقبلا، وهذا يعني أن المسألة تتمحور في العالم العربي حول المؤسسة والدولة، وهي مرحلة هامة للانتقال إلى الديموقراطية، على عكس المجتمع الغربي الــذي تدور المسألة فيه حول الذات باعتبارها إحدى تجليات الحداثة.

ولا يعني ذلك بأي شكل من الأشكال رفض الديموقراطية ذاتها من حيث أنها عملية سياسية واجتماعية واقتصادية، فكثير من الديموقراطية سيجلب المزيد منها، وبالتالي لا مفر منها لأي نهوض مجتمعي، لكن بالمقابل المطلوب هو مؤسسات حديثة لا أيديولوجيات حديثة، وسلطة حديثة لا غايات حديثة، ومجتمع حديث لا قيم حديثة، وإنسان حديث لا أفكار حديثة، فالمشكلة لدى البعض هي الرغبة السريعة في عملية التغيير، وما حصل في الغرب عبر قرون يسعون إلى تحقيقه عبر سنوات، مـــتناســين أن الـهوية القــــومية تقدمت في الغرب على سلطة الدولة، وانعكس مـــفهوم الأمة بثــــقــافة مشتركة أدت إلى اـــنبثاق طبقة وســطى وسوق قومي قبل أن تتشكل الدولة المعاصرة، في حين أن السلطة السياسية أو الدولة في العالم العربي جاءت قبل الأمة وقبل الهوية الثقافية القومية وقبل تطور طبقة وسطى حقيقية وسوق قومي.

إن أزمة الغرب الآن هي أزمة حداثة، بينما أزمة المجتمعات العربية هي أزمة ما قبل الحداثة أي أزمة تقليد، ومن هنا لا بد للديموقراطية العربية البحث أولا عن صيغ للديموقراطية السلبية التي تحمي البشر من تعسف السلطة، عوضا عن طرح الديموقراطية بمعناها الإيجابي القائمة على ازدياد إشراف أكثرية الناس على أسباب وجودهم.

لقد درج الخطاب السياسي العربي خلال عدة عقود على طرح بدائل حدية، فإما الديموقراطية أو الاستبداد، وإما التقدم أو التخلف، وإما المعاصرة أو الأصالة......، في حين لا يزال الواقع السياسي العربي قابعا في بناه التقليدية رغم كل الصيغ الحداثوية .

*كاتب سوري.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-25-9-2007