مراكز البحوث الأميركية والإسلام السياسي

 

غســان الكـاتب

 

أميركا والإسلام

بدأ الاهتمام الأميركي بمنطقة الشرق الأوسط  والاسلام بدايته الحقيقية بعد الحرب العالمية الثانية ، أي منذ بروزها كقوة عظمى في العالم ، وليس هذا هو السبب الوحيد ويتم الجدل بشأن هذا الموضوع على عدة مستويات مختلفة : معيارية وفلسفية وحضارية وسياسية واقتصادية ، وجغرافية سياسية ، وفي دوائر اهتمام مختلفة : الصحافة ومراكز البحث وقاعات التدريس الجامعي والسياسة .

ويبدو أن السياسة الأميركية الخارجية وبخاصة تجاه هذا الموضوع تتميز بالأهمية العملية من حيث أثرها ، وبالتعقيد من ناحية طبيعتها والعناصر التي تدخل في صياغتها ، ووجهات النظر التي تلزم لفهمها.

وفي الحقيقة أنه لم يكن من المعهود أن يعبر الرؤساء الأميركان عن آرائهم وسياساتهم نحو الإسلام في أحاديث علنية وتصريحات عامة حتى جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وبدأ العامة في الولايات المتحدة يتساءلون عن ماهية القادم الجديد ! وبدأوا يهتمون بفهم الإسلام وبالتالي كان لا بد من تحديد سياسة عامة معلنة نحو كل ما يتعلق بالإسلام .

وتطور الأمر في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وصار المسلمون في أكثر من موقف ومناسبة طرفا في قضايا عنف واضطراب ، ووجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام ضرورة صياغة سياسة معلنة تجاه الشؤون الإسلامية خصوصا في عهدي جورج بوش الاب و كلينتون ، وهذه السياسة تقوم على أن الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام إيديولوجيا موجهه ضد الغرب ، بل تحترمه وتعتبره أعظم الأديان ولكنها ترفض العنف والاضطهاد واللا تسامح وخرق حقوق الإنسان التي يتولى مسؤولية القيام بها الارهاب بغض النظر عن المظلة التي تتم تحتها سواء دينية أو عرقية أو غير ذلك .

وهذا الموقف كان واضحاً مثلا في خطاب الرئيس كلينتون أمام البرلمان الأردني عام 1994 حيث قال "بأن قوى الإرهاب والتطرف تخالف دينها باعتماد العنف ، مضيفاً بأن هذا الحال ضار بالأمة نفسها إذا سارت فيه" . ولكن يبقى أن المسألة ليست بهذه البساطة ، فالوقائع والتصريحات والتطورات السريعة التي تشهدها المنطقة أعقد من أن تبسط  نظرة الولايات المتحدة للإسلام السياسي ، ونظرة الإسلاميين للولايات المتحدة بالتالي إلى مستوى التصريحات العامة التي تتكرر في المواقف الرسمية وعند الضرورة .

لغة الإسلام السياسي

 يقدم برنارد لويس رؤية في بنية النص الإسلامي وآلياته واحتمالاته ومساراته في لغته مستخدما منهج تاريخ الأفكار ، ولويس هو من أشهر أساتذة تاريخ الإسلام في الجامعات الأميركية .

حيث يقول: انطلقت من إيران عام 1979 سلسلة من الأحداث التي أدت إلى تغييرات عميقة الجذور في الحكم والمجتمع , واعتبرها أصحابها ثورة تقدم نفسها بلغة الإسلام ، أي أنها حركة دينية بقيادة دينية توجه النقد للنظام القديم على أساس ديني وتطرح مخططات دينية لبناء المستقبل .

وإن الإسلام على علاقة سياسية وثيقة بالدولة باطنيا وظاهريا في آن واحد معا ، وهو في كل الدول ذات السيادة وذات الأغلبية الواضحة دين الدولة الرسمي إذ تتضمن معظم دساتير تلك الدول بنودا تؤكد فيها أن الإسلام مصدر رئيسي من مصادر التشريع .

ولا يزال الإسلام بالنسبة لمعظم المسلمين أكثر أسس السلطة رضا وقبولا أو الأساس الوحيد المقبول في حقيقة الأمر اثناء الأزمات ، ولا يمكن لسلطة أن تحقق هيمنة سياسية على ساحة شاسعة ولمدة طويلة جدا إلا حين تستمد السلطة الحاكمة شرعيتها من الإسلام أكثر مما تستمدها من دعاوى قومية أو وطنية أو أفكار غريبة ، فالإسلام مازال يقدم في الحياة السياسية أوسع صياغة للأفكار وأكثرها إدراكا للمعايير والتقاليد الاجتماعية .

ويوفر الإسلام منظومة رموز من أكثر المنظومات فاعلية للتعبئة السياسية كما يقول لويس , وفي لغة تستمد قوتها من النصوص القرآنية , وتلك سمة اغلب حركات الاسلام السياسي.

تعريف الإسلام السياسي في الدوائر الأميركية

يقول إدوارد دجرجيان مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في شهادة أمام الكونغرس اوائل التسعينيات من القرن الماضي : "إننا ننظر باحترام عميق إلى الإسلام بصفته تحضر في التاريخ .

فالإسلام قد أثرى حضارتنا نفسها ، وهو دين الكثير من المواطنين الأميركيين . وإننا نرفض الفكرة القائلة بأن التأكيد المتجرد على القيم التقليدية في كثير من أنحاء العالم الإسلامي لا بد أن يسفر عن نزاع مع الغرب . وعليه لا نعتبر الإسلام العقيدة القادمة التي تحل محل الشيوعية الدولية .

بل هناك مظاهر معينة لما يسميه البعض الإحياء الإسلامي التي تثير القلق . ولكننا بحاجة إلى الوضوح فيما يتعلق بطبيعة ومصدر التهديدات الممكنة للمصالح الأميركية ، وبدون ذلك نقع ضحايا مخاوف في غير موضعها أو تصورات خاطئة" .

وبعد هذا الخطاب انطلقت الرؤى البحثية الأميركية لتعريف الاسلام السياسي , حيث يرى ساتلوف ابرز الباحثين الأميركان في شؤون الاسلام السياسي أن تعريف حركات الإسلام السياسي شهد تطوراً في السياسة الخارجية الأميركية ، خاصة في مجال تشخيص العنصر المتطرف داخلها ، وقد قدّم دجرجيان تعريفا ًمبكراً للحركات الإسلامية ، حيث قال : " نرى جماعات أو حركات تبحث لإصلاح مجتمعاتها في بقاء المثل الإسلامية ، وهناك تنوع معتبر في كيفية التعبير عن هذه المثل ، ما نراه هم مؤمنون في دول مختلفة يجددون قناعاتهم بالمبادئ الإسلامية " ، وقد عرّف دجرجيان فيما بعد التطرف داخل الحركات الإسلامية بناء على الاعمال وليس على الأهداف والقيم . أما انتوني ليك فقد عرف الحركات الإسلامية المتطرفة من خلال تفريقها عن غيرها بقوله : " إن ما يميزها ليس الإرهاب وإنما سعيها للقوة السياسية "، ويرى ساتلوف أن تعريف ليك مهم لأنه يربط الأصولية بالهدف وليس بالعمل .

أما بليترو مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الادنى عام 1994 فقد قدم خطاباً عرّف فيه المتطرفين الإسلاميين بـ " أنهم جماعات تعمل خارج القانون " ، والسند القانوني هنا ضعيف لأنه بعد 3 سنوات من خطاب بليترو وُضِع حزب الله ( وهو منظمة قانونية تعمل في لبنان ) على قائمة المنظمات الإرهابية الغربية ، ما يجعل تعريف  بليترو المستند على البعد القانوني غير واف بالغرض , وفي عام 1996 قدّم بليترو مقاربة جديدة ميّز فيها بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين , فالإسلاميون المعتدلون هم من يحاولون تطبيق قيمهم الدينية في المشاكل الداخلية والسياسة الخارجية ، في حين أن الولايات المتحدة لا تعارض الإسلاميين المعتدلين ، وإنما الإسلاميين الذين يستخدمون الوعظ العنيف ويتبنون العنف والارهاب في المناطق الداخلية والخارجية ، ورأى بليترو أن المتطرفين في الشرق الأوسط  (كما في غيره من المناطق) يمكن أن يكونوا علمانيين أو دينيين . وقدم بليترو بعد ذلك نقطة مهمة في تعريف الارهاب الذي يدعي الارتباط بالاسلام عندما قال "إنهم يستخدمون كل الوسائل للوصول إلى أهدافهم ، ومن هذه الوسائل الفتاوى التي تحث على العنف وتدعو له" .

ويعلق ساتلوف الذي يعد واحدا من ابرز الباحثين والمتخصصين في الاسلام السياسي والشرق الاوسط على تعريف بليترو للمتطرفين الإسلاميين وتمييزه بينهم وبين المسالمين ، بأن القول إن المتطرفين يستخدمون كل المصادر والوسائل للوصول إلى أهدافهم بما يجعل عملية التمييز بين المعتدلين والمتطرفين صعبة ، بحيث يبرز السؤال الرئيس : فيما إذا كان الإسلاميون المعتدلون يملكون أهدافاً مشابهة لأهداف المتطرفين ؟

على سبيل المثال : السعي إلى امتلاك القوة السياسية وإقامة الشريعة الإسلامية ، ولكن بغير وسائل العنف . ويصل ساتلوف إلى القول : إنه على الرغم من التطور الإيجابي في دليل السياسة الأميركية في خطاب بليترو , فإن معرفة المعتدلين والمتطرفين من الإسلاميين الذين يملكون نفس الأهداف االستراتيجية يجعل التمييز بينهما لا معنى له .

ثم تأتي مقاربة نيومان ( المدير التنفيذي لمعهد شؤون الامن القومي ) لتعريف الإسلام السياسي والتي ناقشت وتعرضت لمعضلة السياسة الأميركية وهي الإسلام الانتخابي ، والذي يعلن قبوله بالعملية الديمقراطية . لكن هناك مخاوف أميركية أكبر من أن تكون الديمقراطية هي فقط وسيلة لوصول هذه الحركات إلى السلطة واحتفاظها بها ، وذلك بناء على فكرة : رجل واحد ، صوت واحد ، مرة واحدة . أي: إلغاء العملية الديمقراطية بعد الوصول إلى الحكم.

الإسلام السياسي في السلطة

ان جوهر معضلة أو مشكلة الإسلام المعتدل ، فيما إذا كان على الولايات المتحدة أن تدافع عن الانفتاح الديمقراطي والحريات العامة وحقوق الإنسان ، وتتخلى عن دعم النظم التسلطية في الشرق الأوسط ، وبالتالي تنسجم مع مبادئها المعلنة ، الخوف الأميركي من استغلال الحركات الإسلامية المعتدلة لهذا الانفتاح ، ووصولها إلى السلطة السياسية وإمكانية إلغاء العملية الديمقراطية وإقامة نظام أصولي معاد للغرب وللقيم الغربية ذاتها ، وهذا ما يدفع الولايات المتحدة الى دعم النظم الموجودة ، وهي نظم غير ديمقراطية ولكنها تحفظ المصالح الغربية .

أن قضية الإسلام المعتدل في السلطة قضية محورية أميركيا خصوصا في طبيعة التعامل المفترضة مع الإسلاميين والتي يرتبط بها العديد من القضايا الأخرى ذات المردود العملي على موضوعات متعددة مثل : أي نظام انتخابي يمكن أن توصي به الولايات المتحدة للأصدقاء من المسلمين الحلفاء للتعامل مع مشاكلهم المحلية والإسلاميين المتطرفين او حتى وسائل مواجهة الارهاب الدولي ؟

ومن جوهر المعضلة الى المعضلة الحقيقية التي تواجه سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع حركات الإسلام المعتدلة ، فالتعامل واقعياً مع الإسلاميين المتطرفين صعب لكنه فكريا ونظريا سهل باستخدام القوة العسكرية المفرطة في مواجهتها بما يمتلكه الغرب والولايات المتحدة من تكنولوجيا متقدمة تضمن لهم حسم المواجهة لصالحهم بأقصر مدة ممكنة كما حدث في افغانستان .

أما التعامل مع الحركات المعتدلة فهو صعب من الناحية النظرية والعملية  وعلى الرغم من أهمية بحث التعامل مع الإسلام السياسي المعتدل ، وضرورة تركيز جهد البحث فيه ، إلاّ أن الرسميين الأميركان قليلاً ما يتطرقون إلى هذا الموضوع وفي نهاية المطاف نصل الى القول إن المتغير المستقل في دراسة كل حالة في التعامل مع الإسلام السياسي من وجهة النظر الأميركية ليس قوة الحركة الإسلامية ذاتها ولكن قوة الدولة التي توجد فيها هذه الحركة ، فالحركات الإسلامية نادراً ما تكسب والأنظمة نادراً ما تخسر . فدفاع الانظمة عن نفسها كان هو عامل الحسم في الصراعات وليس تصميم الحركات ، كما هو الحال في العراق عندما واجه النظام المباد المعارضة الاسلامية بالقسوة والقوة المفرطة .

فالحركات الإسلامية اذن يمكن أن تملأ الفراغ الذي ينشأ عن ضعف او تفكك الدولة ، ولكنها تجد صعوبة بالغة بأن تتغلب هي على نظام الدول القائمة  وبالتالي فأن التأكيد على دور الدول التي تحتوي على هذه الحركات لا بد أن يكون محدداً في تعامل أميركا مع حركات الإسلام السياسي ، هذا التأكيد الذي كان غائباً عن السياسة الأميركية المعلنة قبل احداث الحادي عشر من ايلول 2001 ، وإن كانت عملياً تضمنت مساعدات اقتصادية وعسكرية ، ودعماً سياسياً وتنسيقا ًمحدودا بمكافحة الإرهاب في حينها.

الاعتدال الإسلامي وتقرير مؤسسة راند

منذ احداث ايلول 2001 اصبح الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا مسكوناً بهاجس الارهاب ، ولا تزال الكثير من مؤسسات ومراكز الأبحاث الأميركية تقوم بالعديد من الدراسات والأبحاث بشأن كيفية محاصرته وتقويضه والحد من هذا المد , الذي توظفه عن طريق ربطه بالاسلام وهو براء منه ومن افعاله , عنصراً رئيساً في تهديد المصالح الغربية حول العالم .

ويعتقد البعض أن أحد الأدوات الرئيسة لمواجهة هذا المد المتصاعد تكمن في تقوية ما أطلق عليه تيارات "الإسلام المعتدل" باعتبارها جدار الدفاع الأول في مواجهة انتشاره في العالم الإسلامي .

وتعتبر الدراسة التي أعدتها شارلي بينارد الباحثة بمؤسسة "راند" للدراسات ونشرت عام 2004 أحد العلامات البارزة في هذا المجال ، والتي صنفت فيها الإسلام السياسي إلى أشكال متعددة ، كان أهمها "الإسلام المعتدل" . وفي عام 2007  أصدرت ذات المؤسسة "راند" دراسة شاملة حول " بناء شبكات من المسلمين المعتدلين في العالم الإسلامي" شارك فيها أربعة باحثين في مقدمتهم شارلي بينارد وأنجل رابسا ولويل شوارتز وبيتر سكيل والتي تقع في 217 صفحة ، ومقسمة الى مقدمة وعشرة أجزاء . وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الصراع مع العالم الإسلامي هو بالأساس "صراع أفكار" وأن التحدي الرئيس الذي يواجه الغرب يكمن فيما إذا كان العالم الإسلامي سوف يقف في مواجهة المد الارهابي ، أم أنه سيقع ضحية له (وهذا ما يحدث فعلا خصوصا في العراق الذي يتعرض شعبه الى شتى صنوف الارهاب من مفخخات واحزمة ناسفة ...) . وقد قامت هذه الفرضية على عاملين أســاسيين , هما:

1- أنه على الرغم من ضآلة حجم الارهابيين في العالم الإسلامي ، إلا أنهم الأكثر نفوذاً وتأثيراً ووصولا لكل بقعة يسكنها الإسلام سواء في أوروبا أو أميركا الشمالية.

 2- ضعف التيارات الإسلامية المعتدلة والليبرالية والتي لا يوجد لديها شبكات واسعة حول العالم كتلك التي يملكها الارهابيون .

ويؤكد التقرير ، أن هناك حاجة للتركيز على "أطراف" العالم الإسلامي في آسيا وأوروبا ، بدلا من "المركز" ، والذي يقصد به المنطقة العربية ، بغرض دعم "الاعتدال في أطراف العالم الإسلامي" ، خصوصا في آسيا وأوروبا ، وذلك بهدف أن تخرج الأفكار الإسلامية المؤثرة على مجمل العالم الإسلامي ، من هذه الأطراف وليس من المركز الذي أصبح ينتشر فيه الارهاب ، وبحيث تصبح هذه الأطراف هي المصدرة للفكر الإسلامي المعتدل وفق معايير ورؤى جديدة ولا تخرج الأفكار من المركز .

وانطلاقاً من هذه الفرضية فإن الخيط الرئيسي في الدراسة يصب في منحى ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوفير المساندة للإسلاميين المعتدلين من خلال بناء شبكات واسعة وتقديم الدعم المادي والمعنوي لهم لبناء منظومة متكاملة تتمكن من صد هجمات الارهابيين واحتوائها وحتى الرد عليـها .

وفي هذا الإطار تضع الدراسة ما تطلق عليه "خارطة طريق" يمكن للولايات المتحدة السير عليها من أجل خلق أجيال من الإسلاميين المعتدلين يمكن من خلالهم مواجهة المجموعات الارهابية  وتوصي الدراسة بإمكانية الاستفادة في بناء هذه الشبكات من تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق طيلة النصف الأخير من القرن الماضي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-20-9-2007