الإنتخابات الرئاسية الأمريكية : منافسة على الفقراء

 

آندرو رومانو

 

أوباما يسحر النخب، ولكن كيف يمكنه كسب ود «الطبقات الدنيا من الديموقراطيين» الذين لابد من الحصول على رضاهم؟

ذات عصر من يوم جمعة مشمس في يوليو، توقف باراك أوباما في مزرعة بيفرلي فان فوسن في أديل بولاية آيوا للتحدث عن "القضايا الريفية". كان الحديث يسير بشكل طبيعي يتلاءم مع طبيعة سكان الولاية، حتى انحرف السيناتور في خطابه ليتعاطف مع المزارعين الذين تجمدت أسعار محاصيلهم. وسأل: "هل ذهب أحدكم إلى محال هول فودز للأغذية العضوية وعرف بكم يبيعون الجرجير؟".

ومن سوء الطالع أن الجرجير لا يُزرع في منطقة أديل. يقول فان فوسن، البالغ من العمر 74 عاما: "همس أحد الجالسين قربي: «ما هو الجرجير؟ إنك لا تجده في آيوا»". والشيء نفسه ينطبق على محال هول فودز. وفي ذلك المساء ذكرت نيويورك تايمز في تقريرها أن أقرب الأسواق لتلك المنطقة يقع في أوماها بولاية نبراسكا وكنساس سيتي بولاية كنساس ومنيابوليس. ويا لها من غلطة استغلها كتبة المدونات من اليمينيين! فقد وصفت مدونة Wonkette الشهيرة أوباما بـ" النخبوي الفاحش الثراء المتخرج من إحدى جامعات النخبة".

وكتب بيتر فيلد أحد موظفي مايكل دوكاكيس السابقين على موقع PowersـPoint.com أن مديره السابق ارتكب زلة مشابهة عندما ذكر أن أهالي آيوا يزرعون "الهندباء البلجيكية"، وهي الغلطة التي ظهرت تكرارا في إعلانات تهاجم دوكاكيس حملت عنوان "هذه الحياة السياسية" باللغة الفرنسية.

موقف "الجرجير" الذي مر به أوباما كان سخيفا، لكن المخاوف بشأن ترشحه ليست كذلك. فعلى مدى الـ40 عاما الماضية، وضعت المنافسات على الترشح في الحزب الديموقراطي مرشحي "مسار النبيذ" (الذين يؤيدهم الشباب الأثرياء المتخرجون من جامعات النخبة) في مواجهة "مسار البيرة" (الذين يسعون لكسب ائتلاف من الأقليات والعمال من ذوي المستويات التعليمية الأدنى).

وليست منافسات 2008 استثناء. وحسب تقرير كوك السياسي، فإن هيلاري كلنتون تقدمت بفارق 12 نقطة بين الناخبين الذين لم يتخرجوا من الجامعة مقارنة بمن تخرجوا منها. على عكس أوباما. وتتلخص مشكلته في أن 34 بالمائة فقط من الناخبين الديموقراطيين المحتملين يحملون شهادات جامعية.

يقول الخبير السكاني راي تيكسييرا: "إذا لم تنشئ قاعدة صلبة في أوساط الفئات الدنيا من الديموقراطيين، فسيكون من الصعب جدا أن تحصل على الترشيح" وما لم يتخل أوباما عن مسار النبيذ، فقد ينتهي به الأمر بأن يصبح الأسم الأحدث في قائمة طويلة من الإصلاحيين الأذكياء الذين ترشحوا لخوض الانتخابات وفشلوا مثل غاري هارت وبول تسونغاس وبيل برادلي.

وهذا بالضبط ما تريده كلنتون. باعتبارها أول امرأة مرشحة بشكل جدي إلى الرئاسة، فإنها بالكاد تكون الخيار الأفضل للديموقراطيين من العمال المحافظين اجتماعيا. ولكن لأنهم «أقل انتقادا وأقل معرفة من الناخبين الأعلى مستوى»، حسب تيكسييرا، "فإنهم أكثر ميلا إلى دعم مرشح التيار الرئيسي، خصوصا في المراحل الأولى" وتسعى كلنتون جاهدة لأن تبدأ بداية قوية في أوساط جماهير مسار البيرة من الناخبين الذين عززوا من أداء زوجها "الذي أطلقوا عليه لقب الصبي العائد" في الانتخابات الأولية في هامشير عام 1992 (وبالتالي أوصلوه للبيت الأبيض).

وهنا تجدر الإشارة إلى أن كلنتون تكرر عبارة "ولدت في أسرة من الطبقة الوسطى وسط أمريكا في أواسط القرن الماضي". تقول كاثلين هول جيميسون من جامعة بنسلفانيا ومؤلفة كتاب Packaging the Presidency (الاستعداد للرئاسة): "الهدف من هذه العبارة هو الجاذبية الطبقية. إنها تحاول الابتعاد عن صورة السيدة الأولى وخريجة الجامعات الراقية".

وعلى النقيض من ذلك، حسب جيميسون، فإن أوباما "يمكن أن يكون شاعريا وحتى مثقفا مفكرا"، ويوافق معسكر كلنتون على ذلك من دون تردد. ففي مقابلة مع نيوزويك استمرت 10 دقائق، ذكر مارك بن، المخطط الاستراتيجي في حملة كلنتون، حادثة الجرجير ثلاث مرات. وقال: "إنها ترمز إلى جاذبيته في أوساط النخب"، مضيفا أن أول إعلان انتخابي نشره أوباما في ولاية آيوا ظهر فيه أستاذ القانون في هارفارد لاري ترايب.

لكن ذلك لا يقف عائقا أمام فريق أوباما. فوضعه، وفقا لمعظم المعايير، أفضل من سابقيه ويؤهله لتجاوز لعنة مسار النبيذ. تقول الناطقة باسمه كانديس تروليفر: "لقد بدأ حياته المهنية في الجانب الجنوبي من شيكاغو.

ولا داعي لأن يدربه أحد بهذا الصدد". أما نقطة القوة عنده فهي العرق. رغم أن استطلاعات الرأي العام تشير إلى أن السود لايزالون متشككين حيال أوباما، فإنه استطاع أن يزيل شكوكا مشابهة في الانتخابات الأولية لمجلس الشيوخ في ولاية إلينوي عام 2004 قبل أن يحصد جميع أصواتهم تقريبا. يقول مارك بلومنثال الذي اقترع حينها لمصلحة خصم أوباما: "حصد في البداية أصوات النخب، ولكن السود لم يقرروا إلا في آخر أسبوع من الحملة".

يقول بلومنثال إنه إذا مالو لصالحه من جديد، قد يفوز بالترشيح بفضل تأييد أغلبية السود. وسعيا وراء مؤشرات مبكرة، يراقب المسؤولون عن حملة أوباما مجتمع ساوث كارولينا من ذوي الدخل المحدود، ومعظمهم من السود، حيث أنفقت الحملة 480000 دولار ما بين 1 أبريل وحتى 30 يونيو ــ وهو أربعة أضعاف ما أنفقته حملة كلنتون ــ و قد أنفق المبلغ على توظيف كوادر وتنظيم مهرجانات خطابية ولقاءات منزلية ونشر إعلانات في الإذاعات الدينية وإذاعات موسيقى آر آند بي. وكانت النتيجة ناخبين أكثر معرفة بأوباما واستطلاعات تشير إلى تقارب شديد في النتائج. يقول الناطق باسم الحملة في ساوث كارولينا كيفين غريفيس: "علينا بذل جهد أكبر للوصول إلى الناخبين من ذوي الدخل المحدود".

لكن إن حظي أوباما بتأييد كبير قبل الانتخابات الأولية في 29 يناير، قد تتعزز جاذبيته في أوساط مسار البيرة إذا استطاع أن يبتعد عن صورته كواحد من النخبة المرفهة.

*بمشاركة دارين بريسكو

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: نيوز ويك -17-9-2007