العراق: شخصنة المؤسسات.. عامل آخر للفشل

 

جابر حبيب جابر

 

إحدى المقولات السائدة في علم السياسة الحديث تعتبر أن الحرب بين الديمقراطيات غير ممكنة، وأحد مبررات هذا الاعتقاد هو أن الدول الديمقراطية هي دول مؤسسات تجذرت فيها العقلية المؤسساتية فضلا عن كونها بطبيعتها تميل الى الوسطية والاعتدال بسبب استناد النظام السياسي وعلاقات المؤسسات على قدر عال من المساومة والحلول الوسطى، وغالبا ما تتسم الدول الديمقراطية بتوفر آليات اجتماعية وسياسية طاردة للمتطرفين، على الأقل هذا ما تأكد حتى الآن... من جهة أخرى يصعب على دول المؤسسات ان تنقاد للمشاريع الشخصية، هي قد تتأثر بنهج آيديولوجي لحزب أو تيار معين، لكن ذلك لن يجعلها محكومة خارج سياق القواعد الموضوعة في الدستور والقوانين الأساسية.

إن دولة المؤسسات ليست مؤسسات فقط، إنها قبل ذلك نمط من التفكير والذهنية المؤسساتية التي تضع حدا فاصلا بين ما هو مؤسساتي وما هو شخصي، وهي أيضا تجل للمجتمعات التي استوعبت الحداثة وتجاوزت هيمنة الأطر ما قبل الحديثة مثل العائلة والعشيرة والطائفة والعرق. المجتمعات المتقدمة هي مجتمعات تحكمها المؤسسات، ليست هناك عشوائيات متحكمة، فكل شيء منشد الى اطر تنظيمية تقوم في الأساس على المصلحة والعقلانية والكفاءة والقدرة على المنافسة، هنالك تنافس في كل الحقول والمجالات، والأقدر على النجاح هو الذي يمكنه أن يتجاوز انغلاقات التفكير التقليدي ويتصالح مع التطور والذهنية الخلاقة التي أنتجت للبشرية كل ما أنتجته من تطور كان عصيا على التصور.

وفي بلداننا العربية، ما زلنا نتعاطى مع الحداثة بمفاهيم انتقائية ومختزلة، نستفيد من كل مظاهر التطور التكنولوجي المستوردة من الغرب بدون أن نستوعب الذهنية الحديثة القادرة على إنتاجها، وعندما نسعى لإقامة «نظم ديمقراطية» نستورد الهيكل الخارجي للبناء المؤسساتي من دون أن نتوصل الى امتلاك العقلية المؤسساتية القادرة على استثمار هذا الهيكل وإعطائه الفاعلية اللازمة. ولأننا لم نبن مؤسسات راسخة، وأحيانا لم نشرع لها، يحصل أن السياسة تغدو مشخصنة الى حد كبير، وكذلك المؤسسات القائمة، ويمكن لمصير البلد أن يرهن للمزاج الشخصي للحاكم، كما يمكن لمصير المجتمع ان يتأثر بالشخصنة المفرطة لسلوك ما نعتقد انها «مؤسسات» في بلداننا.

وفي العراق، تبرز الشخصنة المفرطة نفسها كعامل إضافي للفشل والانسدادات التي تواجه اعادة بناء البلد ومؤسساته، وكأن الاستقطابات الطائفية والقومية والجهوية غير كافية. يبدو أحيانا أن من العسير التجرد من الأجندة الشخصية عند الخوض في معترك السياسة ونشاطات الدولة المختلفة، فتبرز الصراعات الشخصية على السطح متلبسة أحيانا بثوب أوسع يغطي خجل المتصارعين تجاه الأصل الحقيقي لصراعاتهم، وتغدو المؤسسات في أحيان كثيرة رهينة التطلع الشخصي لمديريها فتفقد تدريجيا محتواها التنظيمي وتغدو جزءا من لعبة الصراع على الكراسي، هذا الصراع المستدام والمتحرك الذي يضعف قدرة المؤسسات على الرسوخ والتحرك بأفق استراتيجي.

فمن اللافت أن تجد هذا السياسي أو ذاك ينتقل بزمن قياسي من اليمين الى اليسار أو العكس متقمصا مرونة عقائدية مزيفة تخفي وراءها تصلبا مرضيا في الولاء للذات، ومشروعا شخصيا مندفعا في أولويته الى حد جعل كل شيء آخر، بما فيه مصير البلد ووحدته، أمرا ثانويا. قد تجده إسلاميا أو ليبراليا أو يساريا، وطنيا أو طائفيا، وقد يمتلك قدرة استثنائية في احتواء كل ذلك، لكنه مع مرونته العالية يغدو متطرفا في أنانيته وفي عرضه لذاته بمشروع ينطوي على «خلاص» يزداد ايهاما عندما تكون بوصلته الوحيدة حب الزعامة والتفرد الشخصي.

فيتم رهن مصير مؤسسات رئيسية في البلد الى حاجة هذا الشخص أو ذاك للبقاء خشية من ضياع الامتيازات الكبيرة أو عدم توافر الفرصة أو الصدفة «غير المنطقية» التي سمحت لبعض هؤلاء بان يكونوا قادة او زعماء أو مديرين.

نعرف جميعا ان الفوضى العراقية وتفكك بنى الدولة سمحت لبعض الطارئين وبنَفَس المغامر المفلس ان يمسكوا دفة مؤسسات مهمة، وربما وزارات ومحافظات بأكملها، من دون ان يمتلكوا نصف الموهبة أو المؤهل المطلوب، من دون ان يكون صعودهم نتاج تنافس شريف يقوم على المهنية والدراية، فصاروا يتشبثون بالوهم الذي هم اول من يدرك حقيقته، ويعيشون كذبة «الجدارة» التي ألقيت في آذانهم بغفلة عن الزمن والمنطق. كابوس الرحيل يثقل أعباء فاقدي الجدارة، لأن الكراسي الكبيرة والمكاتب العريضة والرفاه وسكرة السلطة صنعتهم وأدمنوها الى الحد الذي ما عادوا معه قادرين على تخيل أنفسهم مجردين عنها ، وعن ما تخلقه من صورة تغطي الركام المخبوء من عقد النقص والإحساس بالضعف، فصار بعضهم يساوم حتى بأصل وجود المؤسسة من اجل كرسي يبقيه على رأسها.

لذلك تحولت بعض مؤسساتنا التي يفترض ان تنهض بأعباء البناء وتوفير الخدمات وترسيخ القانون وحفظ الأمن، الى ساحات صراعات غير مسؤولة لا تجعل مصلحة الوطن والمواطن سقفا لها، فتصبح كل الوسائل مشروعة ومشرعة في الوقت الذي يغدو بسطاء الشعب خلف جدران المؤسسة رقما غير محسوب، وحيث تختزل الأشياء الى رؤية متعجرفة للمصلحة الذاتية التي لا تنظر خارج عدسات الأنا التي تقود الهرم، دون ان تكون جزءا منه .

لقد أسهمت الشخصنة وغياب الرؤية المؤسساتية كثيرا في شل بعض المؤسسات التي توقفت عن العطاء بانتظار أن يحسم الرؤوس صراعاتهم أو أن يأتي رأس جديد يفهم أنه ليس المؤسسة، والمؤسسة ليست هو، انه مجرد اكبر موظف فيها، ولن يكون أبدا آخر أكبر موظف فيها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الشرق الأوسط اللندنية-16-9-2007