إصلاح سياسة نشر الديمقراطية

 

توماس كاروثرز

 

تعاني اليوم سياسة نشر الديمقراطية التي تتبعها الولايات المتحدة من حالة متردية للغاية، ذلك أن ارتباطها بحرب العراق أزال مصداقيتها في الداخل والخارج؛ فتضررت سمعة ومكانة الولايات المتحدة - باعتبارها رمزا عالميا للديمقراطية وحقوق الإنسان- بشكل بالغ بسبب الانتهاكات الأميركية الكثيرة لحكم القانون في الحرب على الإرهاب. كما أن الهوة الكبيرة والواضحة بين خطاب الرئيس الأميركي ''جورج بوش'' حول أجندة الحرية، وجهود إدارته الكثيرة -من أجل تأمين فوائد اقتصادية وأمنية من دول حليفة وسلطوية عبر العالم- ضاعفت أجواء التشكك والحيرة، وأوجدت حالة إرباك واضطراب خطيرين.

أثناء توضيحهم لرؤاهم بخصوص السياسية الخارجية، تناول المرشحون الرئاسيون الأميركيون موضوع نشر الديمقراطية، ولكنهم لم يغوصوا في عمق ما يعتزمون فعله من أجل إعادته إلى طريقه. واللافت والجيد - في آن واحد- أن لا أحد منهم دعا إلى تراجع وانعزال الولايات المتحدة، غير أن مجرد التأكيد على العزم على تجديد التزام أميركا بالدفع بالديمقراطية لا يكفي؛ ذلك أنه إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع -ومن واجبها- أن تكون قوة للديمقراطية في العالم، فإن إصلاح الضرر واسترجاع هذا الدور سيتطلب تغييرات كبيرة وعميقة.

من أول هذه التغييرات التي على أميركا انتهاجها، الربط بين نشر الديمقراطية، والتدخلات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة، وسياسات تغيير الأنظمة بالقوة. فإذا ما احتاجت أميركا إلى استخدام القوة العسكرية للدفاع عن أمنها القومي في المستقبل، فعليها أن تقوم بذلك وفق هذه الشروط. كما سيكون لزاما عليها أن تغير سلوكها على صعيد احترام حكم القانون في الحرب على الإرهاب، كإنهاء التعذيب وانتهاك حقوق المعتقلين وإغلاق معتقل جوانتانامو وإلغاء عمليات ترحيل المعتقلين إلى وكالات استخباراتية أجنبية تمارس التعذيب وغيرها من الأمور؛ فأي محاولة لإعادة إطلاق جهود نشر الديمقراطية فيما بعد من دون استرجاع المثال الأميركي لقوته الإيجابية سيكون مصيرها الفشل.

إلى ذلك، يجب انتهاج نهج واحد في تطبيق سياسات الديمقراطية، ذلك أن أميركا تستطيع أن تُظهر للعالم أنها تأخذ هذه القيمة على محمل الجد إن أظهرت رغبة في تطبيق ضغط حقيقي من أجل تغير ديمقراطي، ليس تجاه الأنظمة المعادية فحسب، وإنما تجاه بعض الأصدقاء المستبدين أيضا.

وكذلك لابد من إعادة النظر في موقع نشر الديمقراطية ضمن الحرب على الإرهاب، إن الديمقراطية ليست ''إكسيرا'' مضادا للإرهاب، فصحيح أنها تقوي المعتدلين السياسيين أمام الراديكاليين أحيانا، ولكن يمكنها أن تُحدث تأثيرا مضادا أيضا أحيانا أخرى كما حدث في العراق الذي ابتلي بالإرهاب رغم وجود حكومة منتخَبة.

علاوة على ذلك، فإن تقديم الحرب على الإرهاب باعتبارها حملة عالمية من أجل الديمقراطية له مفعول سلبي في المجتمعات الإسلامية، حيث يسود الارتياب والتشكك في السياسات التدخلية الأميركية.

وأخيرا، يجب أن تكون سياسة الولايات المتحدة لنشر الديمقراطية أقل تمركزا حول نفسها، على اعتبار أن الكثير من الديمقراطيات والمنظمات الدولية منخرطة في دعم الديمقراطية عبر العالم.

ولذلك، فعندما يتحدث الساسة الأميركيون حول نشر الديمقراطية، فعليهم أن يدركوا هذه الحقيقة، وألا يصوروا الولايات المتحدة باعتبارها النسر الوحيد الذي ينشر الديمقراطية في العالم.

لذلك، يتعين أن تولي الدبلوماسية والمساعدات التي ترمي إلى نشر الديمقراطية اهتماما أكبر للعمل الجماعي مع الشركاء، لأنه يصبح أكثر فاعلية كلما نظر إليه كجهد عالمي واسع.

إن استرجاع مصداقية نشر الديمقراطية لن يكون أمرا سهلا أو سريعا، فإذا كان تضرر سمعة السياسة الخارجية للولايات المتحدة يتطلب وقتا قصيرا، فإن إصلاحه يتطلب سنوات، فالديمقراطية ليست سوى واحدة من دوامة معقدة ومتشعبة من المصالح، غير أن أميركا تستفيد بشكل أو بآخر عندما تتقدم الديمقراطية في العالم. ولذلك، فعلى المرشحين الرئاسيين أن يشعروا بالطابع الملح لتجاوز الشعارات والانتقال إلى المخططات في هذا المجال، وأن عليه أو عليها حين الوصول للبيت الأبيض الانتقال من الخطاب المُرضي إلى الأفعال ذات المعنى.

*نائب الرئيس المكلف بالدراسات في مؤسسة ''كارنيجي'' للسلام الدولي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست''-16-9-2007