خارطة طريق لبناء العراق

 

 

اليوم وقد وصلت العملية السياسية الى ما هي عليه من تفكك كامل لابد لنا من اعادة التأكيد ان لاسبيل الى الخروج من الحالة المأساوية التي تعيشها البلاد الا بالعمل الجاد والمدروس لتحقيق المصالحة الوطنية بين جميع الاطراف والقوى العراقية..خصوصاً وان الامور قد وصلت الى مرحلة الانفجار الحقيقي، بعد ان شهدت العملية السياسية الجارية تطورات اضافت الى خطأ انطلاقها من حيث الاساس على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية ؛ ظواهر جديدة في مقدمتها حصول انسحابات من بعض الكتل والقوى السياسية من الحكومة، وكذلك تفكك القوى الرئيسة من داخلها وظهور كتل جديدة خارج الاطار السابق الذي جمعها في مرحلة الانتخابات ومابعدها، وذلك ما أوصل العملية السياسية برمتها وفي مقدمتها مشروع المصالحة الوطنية، الى منعطف يتطلب بالنتيجة وقفة من قبل القوى السياسية لتدارك الامور قبل فوات الاوان وان المصالحة الوطنية ستبقى الهدف الاول والاساس في مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة من جهة، وفي تحقيق الامن والاستقرار من جهة اخرى، لذلك فان أي مشروع وطني لانقاذ البلاد لابد وان يبدأ من تفعيل مشروع المصالحة الوطنية وارسائه على اسس جديدة تستفيد من الجوانب السلبية التي شابت العملية سابقاً لتلافيها، والبدء بعمل جدي ومخلص للمصالحة الوطنية يؤمن اخراج البلاد من مأزقها الحالي ويضعها على طريق البناء السليم.

خارطة طريق لإنقاذ العراق

هل من الممكن الآن ان يتم تكثيف الجهود في مشروع بناء الدولة العراقية الديمقراطية الدستورية وترشيد أداء الحكومة والبرلمان لتقديم إنجازات أمنية خدمية اقتصادية عمرانية ديمقراطية ملموسة للشعب تنعش الأمل وتبعث التفاؤل وتقبر الإحباط واليأس، فالخصم يراهن في فصل الشعب عن الحكومة للإنقلاب الكامل، فكلما ازداد الإنجاز وتجسد فسوف يتراجع الإرهاب. ومن الخطوات المهمة الآن هي : التوافق على إعادة إنتشار القوات المتعددة الجنسية، جدولة الانسحاب، تسليم الملف الأمني العسكري الى الدولة العراقية بشكل كلي، وتفرغ تلك القوات للسيطرة الكاملة على الحدود العراقية.

ومنها: استكمال السيادة العراقية وتنجيز الاستقلال وتجسيد ذلك ميدانياً وتسويقه، وفي ذلك يتراجع الإرهاب، ويتم سحب ذرائعه، وتتوقف المزايدات على الوطنية للتسلق الى السلطة ويؤسس لبناء علاقات استراتيجية ودية مستقرة مستدامة بين العراق ودول تلك القوات وعلى أساس المنفعه المتبادلة والمصالح المشتركة ويمهد للشيء نفسه مع جيران العراق واشقائه.

وإقرار البرلمان العراقي لقانون جديد للأحزاب يلزمها بشفافية التمويل وبدمقرطة نفسها بنفسها داخلياً وتحولها الى أحزاب برامجية، ويضمن تمويل البرلمان للأحزاب الديمقراطية البرامجية والتوافق على إلغاء المحاصصة والطائفية، وتفعيل المحكمة الدستورية، وتعجيل بناء السلطة القضائية المستقلة، وتأجيل تطبيق البند الخاص بكركوك في الدستور لمراجعة آليات و جدولة التطبيق.

وإعادة النظر في قانون الإنتخابات وإجراءاتها بما يخدم إلغاء الطائفية والمحاصصة والتوافق ويشجع على توسيع المشاركة السياسية ويمنع من التكلس الديمقراطي والنخبوية والشلل في الحكومة والمعارضة معا، ويضيق فرص الترشيح والفوز للأحزاب والكتل التي لا تلتزم في قيادة أحزابها داخلياً بالطرق والآليات الديمقراطية والبرامجية. والاتفاق على تكريس الفيدرالية الديمقراطية الإدارية التي تستند على اللامركزية والتعددية القومية والعرقية والطائفية والدينية .

والتريث في إقرار مشروع قانون النفط والغاز العراقي لإتاحة الفرصة الكافية لمراجعته ودراسته والتوافق عليه ومعالجة ثغراته لأنه في صورته الحالية يمهد للمزايدات والتطبيق المشوه ويخلق صراعات داخلية جديدة إضافة الى صراعات واختلافات طويلة عريضة بين العراق والشركات الأجنبية التي ستستثمر في القطاع المذكور وبالتالي مع الدول والحكومات ذات العلاقة بتلك الشركات أضف الى ذلك ان العقود حتى لو وقعت فان باب الطعن فيها يبقى مفتوحا لأنها عقدت في ظروف غير طبيعية طبقا للقانون الدولي أو ما في رتبته. أما التيار العقلاني المبدئي الواقعي في العراق بمكوناته وأنصاره وأصدقائه فيجب أن يضع خارطة طريق لإنقاذ الديمقراطية الدستورية من الإنسداد ورص الصف وتوزيع الأدوار والشراكة المتكافئة بالأدوات الديمقراطية والعمل الإعلامي المكثف المتناغم المتآزر مع العمل الدبلوماسي الفعال في المحيط المحلي والإقليمي والدولي وبعيداً عن الإرتجال والإنفعال، فالعمل الإعلامي لوحده لا يحقق إنجازاً سياسياً وكما هو العمل السياسي لوحده، وكما هو العمل الدبلوماسي لوحده، وكما هو العمل الدبلوماسي الذي لا أوراق في يده، وكما هو حال الدبلوماسي مكشوف الظهر، فالعلاقة بين الإعلام والدبلوماسي في دائرة الإنجاز السياسي علاقة تكاملية، الأول يضغط ويوصل الحقيقة الى الجمهور و الرأي العام ويرسل الإشارات والرسائل الى صناع القرار كي يعبد الطريق الى الحصاد للثاني بتشبيك المصالح وتبادل الأوراق بمساعدة جماعات الضغط وأصحاب المصالح .  دور وأهمية الإعلام وجماعات الضغط وأصحاب المصالح في منظومة الإنجاز السياسي بالنسبة للعمل الدبلوماسي ونجاحه يشبه الى حد كبير دور القوة الجوية بالنسبة لتقدم القوة البرية في منظومة العمل العسكري حيث ان القوات البرية لا يمكنها ان تتقدم قبل إقدام القوة الجوية بضرب الدفاعات والمواقع الحساسة للعدو كما انها لا تتقدم إلا مع الغطاء الجوي الذي توفره القوة الجوية اثناء تقدمها كما تظل تراقب درجة أمان القوات البرية بعد تقدمها تمهيداً لخطوة التقدم اللاحقة..

المواطنة مبدأ الدولة الحديثة

وهناك رؤية عميقة يطرحها ويؤكد عليها الباحث حسين درويش العادلي، حيث يقول في حوار معه: المواطنة أرقى من أن تكون مفهوما، هي بالحقيقة مبدأ الدولة الحديثة ومرتكزها بل عمودها الفقري في النشوء والاستمرارية، في التكوين والبقاء، هناك إشكالية بنيوية في بناء الدولة العراقية، ولعل هذا المثل يصدق على العديد من الدول التي بنيت في مراحل تاريخية على غرار بناء الدولة العراقية، المفروض بها أن تكون دولة نوعية مختلفة عن العراق التاريخي، وهذا هو الواقع، نعم العراق الفعلي هو وارث العراق التاريخي، لكنه لا يطابقه لا في المناهج البنيوية ولا في تركيبته الديموغرافية، هذا الاستحقاق الذي ثبت على أرض الواقع، أو برز على أرض الواقع بعد سنة 1921 هذا الاستحقاق يقول أن هناك دولة وطنية قد أنشئت وقامت وفق حدود معينة وتركيبة سكانية ومنظومة قيم وثقافة، هذه الحقيقة لم يعمل لها، حيث أن المدارس أو المناهج التي تعاملت مع الدولة العراقية وفي العمق منها موضوع المواطنة، كانت بنيويا في تضاد مع تشكيل الدولة العراقية، إذا ربطنا الحديث بالسؤال إن ما يسمى بالاستبداد وما أنتجه من استعباد هو في الحقيقة ثمرة أو نتيجة لخطأ المدارس العراقية التي تصدت للتعاطي مع مشروع بناء الدولة العراقية، المدارس العراقية الثلاث، هي المدرسة الإسلامية التقليدية والمدرسة القومية التقليدية والمدرسة الماركسية التقليدية، هذه المدارس الثلاث هي التي حكمت العراق، وعندما نقول حكمت العراق بمعنى بناء السلطة بمفهومها الشامل وليس فقط من يمارس الحكم هو مالك السلطة، الثقافة سلطة، والفكر سلطة، والقيم سلطة، الإسلاميون لم يصلوا إلى السلطة، لكنهم كانوا أيضا يشكلون سلطة هي سلطة الثقافة، صياغة رد الفعل، صياغة العقل والنفس، الشيوعيون وصلوا إلى تخوم السلطة في العهد القاسمي، والبقية احتكرها الاتجاه القومي، هذه المدارس الثلاث للأسف تعاطت مع مشروع قيام الدولة الوطنية، في تصوري، تعاطيا أخذ اتجاها تهدميا.

جزء من تعطيل مشروع  البناء إقصاء مؤسسات المجتمع المدني

أما الباحث فؤاد الصادق فقال: ان الإعتراف الكامل بالبُنى التقليدية المتجذرة، وغير التقليدية الفتية لـمـؤسـسـات المجتمع المدني العراقي، بـما يـشمل الأحـزاب السياسية و النقابات المهنية  والأحزاب الدينية التي لا ترفض قواعد المجتمع المدني، و كبُنى متفاعلة تتقاسم الأدوار و يـُكـِّمل بعضها الأخر، لأنه لا تناقض بين البُنى التقليدية و بين الدولة الحديثة، أو بين الأخيرة  وبين الإسلام، أو بين الاسلام وبين مؤسسات المجتمع المدني بالمفهوم الأعم، أو بين المسلمين وبين تلك المؤسسات كلما وجدوا  حرية الى تأســيــسـها وتطويرها كما يسجل التاريخ ذلك، نعم الشواهد التاريخية تفيد بأنَّ حكام المسلمين من جهة والمجتمع المدني من جهة أخرى كانا متمانعين في الأغلب، ولأسباب سياسية ورؤى شمولية لاعلاقة لها بالإسلام، وقد أسقط َ البعض قصوراً أو تقصيراً سلوك الحاكم على المحكوم، أو على الإسلام، أو كليهما.

والحياد في التعاطي والرعاية المستدامة المتكافئة للقسمين من البُنى المذكورة، والجدية في تطويرها وتفعيلها وتكريس عقلانيتها بصورة متوازية، مع الحرص على إشراكها ومشاركتها في بناء الدولة الحديثة بعد الكف عن السياسات القسرية الملتوية لإحلال البُنى غير التقليدية الفتية محل البُنى التقليدية الموجودة أوالعكس، وذلك لما تقدم، ولتمكين الدولة من لعب دور الوسيط العادل، و دفع المجتمع المدني كي يتصرَّف على نحوٍ مسؤول يكفل "المدنية"، وكخطوة للعمل على تحرير المؤسسات والقوانين لشمول المجتمع المدني في عملية المشاركة.

وفي الواقع الجزء الأكبر من العامل الداخلي للأزمة القائمة في العراق يعود الى التعريف الضيق الإقصائي لمؤسسات المجتمع المدني، والذي تتمسك به بعض البُنى التقليدية، وغير التقليدية، كاللبرالوية العلمانوية المؤدلجة في بعدها اللاديني التي مازالت تجاهــد ( بتطميع خارجي ) مراهنة على وصفتها التغريبية المعروفة للعراق، والتي ستدفع بالعراق الى أحضان الإستبداد مرة أخرى.

مفاتيح الأزمة العراقية الراهنة بيد البرلمان

وقال مازن مكية امين عام منظمة انصار الدعوة في العراق: ان القوى السياسية أخفقت في مشروع بناء الدولة وفشلت في تفعيل عوامل الانتماء الوطني لترفع بها من مستويات التجرد  الى درجة تمكنها من التوحد والاصطفاف لتأدية هذا الواجب المقدس. واعرب في الوقت نفسه عن اعتقاده بان" المتتبع لحركة القوى السياسية وتوجهاتها واسلوب ادائها سيفقد الامل في قدرتها على عبور الازمة اذا كانت تتعامل معها بهذه الطريقة.

وقال  "ان مشروع بناء الدولة العراقية الجديدة كان ميدانا حقيقيا لاختبار قدرة القوى السياسية على النهوض بهذه المهمة حيث اتاح سقوط النظام المباد فرصة لبنائها على اسس سليمة ورصينة بعد ان انهارت وتفككت عُــراها ودمرت مؤسساتها وبـُناها واستلمت تلك القوى ساحة تساوت فيها معالم الدولة بالارض وكان هناك مجاا رحب لمزاولة التغيير بما ينسجم وطموحات العراقيين ويحقق احلامهم ويوفر مرونة عالية في اختيار شكل الدولة ومضمونها بما تتطلبه عملية النهوض الى مستوى استحقاقات العراق وامته بين دول العالم.

واوضح:  ولا نقصد بقدرة القوى السياسية امكاناتها التنظيمية وانما قدرتها على استيعاب مهمتها في بناء الدولة ومستوى وعيها بخطورة الدور الذي تفرضه هذه المهمة ومساحة تأثيره في المشروع الوطني وكذلك قدرتها على ضبط حركتها تجاه هدف موضوعي لا يسمح بانحراف مسارات الاداء عند منزلقات المصالح الخاصة والمكاسب المحدودة.

واكد مكية: مازال هناك من يعمل تحت الطاولة وضمن الكتلة الواحده لتحقيق مكسب على حساب من تحالف معهم. وان عروضا يتقدم بها البعض وراء الكواليس الى جهات التأثير لتشكيل حكومة مستقلة كما يدعي شريطة ان يترأسها هو ويعلن زهده في ذلك.

ودعا مكية البرلمان العراقي الى القيام بواجبه وقال: ان على البرلمان ان يقوم بواجبه الوطني بما يحقق الاستقرار العام  وبما يراه مناسبا لتغيير الواقع بعيدا عن المجاملة والتوافقات وتلك مهمته الاولى في هذه المرحلة وان كفاءته تتجلى في هذا الاختبار. مشيرا الى انه:  يعتقد ان مفاتيح الازمة العراقية الراهنة بيد البرلمان لا في اجتماعات ومباحثات هنا وهناك.

وان على البرلمان ان يتجاوز اليوم اشكالاته الداخلية لحساب ازمة العراق والعراقيين وان لايجعل من تلك الاشكلات ازمة يعطل بها عجلة الدولة ويزيد من ضعفها او ان يتخذ من مشكلة مهما عظمت فانها  تصغر على اعتاب محنة الوطن وسيلة للمناورات السياسية.  وليعلم ممثلو الشعب انهم الان تحت سمعه وبصره وانه يتطلع لوفاء ابنائه.

لم يستطع الإرهاب التأثير أبدا

أما الباحث أحمد الجدوع فكتب قائلا: ما نعرفه أن مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة، الديمقراطية والحرة، لم يستطع الارهابيون التأثير عليه، ولا تعطيله، والسر هنا لايكمن في شجاعة العراقيين بل في قناعتهم أن الارهاب لايملك لهم بديلا افضل، الى جانب أن هذا الارهاب بات يمثل لهم نوعا من أنواع القهر لفرض إرادات  مستوردة من ايديولوجيات حمدوا الله أنهم تخلصوا منها، وهي ايديولوجيات تشرع الاستبداد بمسمى الاصولية القومية والدينية في آن معا.

العراقيون الآن ليسوا شيئا آخر غير هويتهم الاصلية، وبموجب هذه العودة الصريحة لم يعودوا يخجلون من مشاعرهم، او يترددون في محاربة العروبة المتوحشة، ويطاردون العرب غير العراقيين المتواجدين في بلادهم، ويجاهرون برفض وجودهم ويطالبونهم بالرحيل ردود الفعل هذه, برغم شوفينيتها وتعصبها، الا أنها في الجوهر موجهة ضد الارهاب الآتي اليهم من هؤلاء العرب الاشرار، او من هؤلاء الاصوليين الاشرار.

 يريد الارهاب إخراج قوات التحالف المحتلة، التي لا يراها العراقيون عدوا بل حليفا ضروريا من اجل إقامة هياكل الدولة وتعزيز قدراتها الذاتية.

الارهابيون في هذه المرحلة ماعادوا يمثلون في العراق سوى العدم، او لنقل أحد أشكال الانتقام التي يسعى اليها بقايا البعث، والقوى المتضررة، والخائفة من مجاورة العراق الجديد.

وفي هكذا وضع يائس ومأزوم، لن ينتهي الارهابيون نهاية سعيدة، وكل ما سيأخذونه في خاتمة المطاف، هو لعنات الشعب العراقي، وذاكرة الألم منهم، والتي لن يدركها النسيان بسهولة. لا بأس..

لتشتد الأزمة في العراق, لان اشتدادها هو المؤشر على الانفراج القريب. وكما انتهى الارهاب في مصر، وفي الجزائر، وفي المغرب، واندحر في السعودية وفي الكويت وقطر، سيندحر وينتهي في العراق، مشيعا بلعنات العراقيين الذين سيلاحقون رجاله بمطالب الثأر، وسيلاحقون أبناءهم وذراريهم الى نهاية الدهر. في سباق الموت مع الحياة لا أمل للموت بالفوز، ولا مجال للعدم كي ينتصر.

هل تبقى نافذة الأمل مفتوحة؟

ويرى الباحث سعد مطر عبود  أن أوضاع هذا البلد بلغت حدّاً من التعقيد يصعب معه الخروج منه. فالتجاذبات السياسية وتضارب المصالح والاصطفافات العشائرية والإثنية والطائفية، شكلت عائقاً جدياً أمام أي اتفاق على خريطة للحلول واضحة ومقبولة من الجميع. والانفلات الأمني والفوضى اللذان سببهما الاحتلال قد ولّدا جواً متوتراً وواقعاً محبطاً.

إن عملية الانتقال من الحالة العبثية الراهنة إلى واقع جديد يفتح أفقاً للتقدم، وبناء وطن للعراقيين جميعهم لن يكون سهلاً، وستحكمه قدرة القوى السياسية العراقية على التوافق على قواسم مشتركة، وقدرتها على تقديم الحاجات والمصالح الوطنية على تشابكات الحسابات الإقليمية، وستكون مسألة نقل السلطة الفعلية إلى الحكومة العراقية، والتزام المحتلين بجدول زمني لسحب قواتهم متأثرين بتموجات الوضع الدولي وتشابكات مصالح القوى النافذة فيه، وبقدرة الأمم المتحدة والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ودول جوار العراق على تقديم دعمها لإنجاز عملية الانتقال هذه.

وبقي العراقيون حتى الآن بانتظار ان تتوصل القوى السياسية  إلى صيغ عملية للمشاركة السياسية، ووضع برنامج جديد يتفق عليه موضع التنفيذ، وتنحية الحسابات الضيقة والتجاذبات والاتهامات والتصرفات "الثأرية" أو المعطلة للتنفيذ، وإعطاء الأوّلية لمشروع بناء الدولة العراقية واستبعاد  مصالح القوى الغازية أو المجهدة لتمريرها بطريقة غير مباشرة.

إن إخفاق مشروع الإدارة الأميركي في الحرب على العراق الذي كبدها خسائر في الأرواح والمعدات والأموال، وأضر بسمعتها الدولية وأجبر عدداً من موظفي البيت الأبيض على الاستقالة، وأضر بشعبية الرئيس الأميركي التي تدنت إلى حد كبير، إن ذلك كله لا يؤدي إلى نجاح مشروع بناء الدولة العراقية أوتوماتيكياً، لأن عقيدة المحافظين الجدد القائمة على سياسة القوة والغزو قد تدفع إلى مغامرات جديدة تصرف الأنظار عن لوحة الإخفاق الماثلة، وتعيد الأمور إلى المربع الأول، وتزيد معاناة الشعب العراقي، وتبقي المنطقة كلها في دائرة التوتر وانعدام الاستقرار.

ونعتقد أن فرصة قد سنحت الآن كي يعمل العراقيون معاً، قوى وأحزاباً ومرجعيات وشخصيات سياسية وثقافية، في سبيل أن يستمر الحوار ويتسع تمثيل الطيف السياسي، وكي تبقى نافذة الأمل مفتوحة.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-4-9-2007