المجتـمـع المدنــي ركيـزة مهــمـة من ركائز الديمقراطيـة في العراق

 

سيف الدين كاطع

 

تطرح اشكالية بروز معوقات نجاح الديمقراطية وفشلها في المجتمعات النامية الحديثة في الوقت الراهن، تساؤلات عدة ربما تفضي الى اجابات من شأنها ان تولي قدرا من الاهتمام لمعرفة حجم المشكلات التي تعترض سير هذه التجارب الفتية وامكانية وضع البرامج والخطط التي تتجه نوعيا الى رسم خطوط المؤازرة والدعم للجهات التي تتبنى نشر الثقافة الديمقراطية وتقوية اسسها الفكرية والاجتماعية والتربوية وصولا الى صياغات جادة ومعمقة للاسهام في بناء المجتمع المدني، هذا الحقل الذي لابد ان يعلب دورا طليعيا في تنمية الحياة الديمقراطية في المجتمع العراقي الجديد.

لابد ان نعي وندرك الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في اشاعة الديمقراطية، وان نسعى الى توفير اجواء العمل الحقيقية لانضاج هذا الاتجاه في ظل تفاعل صادق وحيوي معطاء.

ويقينا لابد لنا ان نعي هذا الدور وان نسعى الى توفير اجواء العمل الحقيقية في ظل تفاعل حيوي ومعطاء، ذلك ان العلاقة التي تربط بين نشوء وتطور المجتمع المدني والممارسة الديمقراطية تجعل من الصعب الكلام عن اولوية احدها على الاخر، فليس هناك ممارسة للديمقراطية من دون حد ادنى من القدرة على الانتظام حول افكار ومصالح وغايات محددة.

كما يمكن القول بان نشوء وتكوين مجتمع مدني عراقي في ظل غياب الحريات الاساسية ومنها حرية التعبير والتجمع والانتقال والانتظام، هو امر غير ممكن فمنظمات المجتمع العراقي يمكنها لعب دور محوري متميز يسهم في تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة في عراق اليوم، كما ان واجبها العمل على اشاعة ثقافة التواصل لتكون بديلا من ثقافة التهميش والالغاء والاقصاء، والاسهام في تنمية ثقافة التنوع والتعددية ونشرها كي تكون البديل الراسخ عن ثقافة اللون الاحادي الجامد التي سادت في العقود المنصرمة في اقل تقدير.

في الوقت الذي لابد فيه لمنظمات المجتمع المدني ان تولي وتنمي في اطار فلسفتها وعملها ترسيخ منهج الحوار العقلاني وتوسيع فكرة قبول الرأي والرأي الاخر، فضلا عن فسح المجال للقوى والاصوات التي تعبر عن ذواتها وآرائها حتى وان كانت تختلف مع الخطاب السائد، ذلك لان الجميع من حقهم التعبير عن آرائهم والدفاع عن قناعاتهم بصورة متساوية من الفرص والعدالة في شغل المكان المناسب والصحيح، وقد يكون من الواجب علينا في هذه الاثناء تكرار محاولة الاصرار والتركيز على الفهم والتعريف بامكانية الدور الذي يلعبه في عملية التحول الديمقراطي في العراق، ذلك الدور الذي يتمثل في جزء منه على العمل في ايجاد مجتمع يمكن فيه للفرد من التعبير بحرية عن آرائه وخياراته من جهة، ومن جهة اخرى لعب دور المراقب لاداء الحكومة ومؤسساتها التنفيذية ولا سيما منها ذات الصلة بالخدمات في محاولة لرصد اي انتهاك لحقوق المواطن او تقييد لحريته واختياراته لان ذلك يسهم في عملية نشر الوعي بين ابناء المجتمع العراقي وجعله في مستويات الادراك المسؤول عن دوره بأهمية المشاركة في انجاج عملية البناء والتأهيل الحضاري والتي لابد ان يكون احدى مقدماتها هو السعي الحثيث لتأثيث التحول الديمقراطي المطلوب، الذي سيكون بلا ادنى شك ومواربة المستقبل الضامن لحصول الجميع على حقوقهم كاملة وكذلك تمتعهم بالحرية في مجتمع يجاهد لكي يصل الى حدود الرفاه والحياة المستقرة الآمنة ولكن ليس كل ما تحلم به، يبدو واقع حال في نهاية المطاف، ان الكلام المعسول الحالم المنمق لا يمكننا ان نراه بيننا حتى ولو بعد حين.

ان ما يصعب مهمة منظمات المجتمع المدني واحيانا الاحزاب والتجمعات الطليعية هو امكانية نشر وبلورة الوعي السليم والمستخلص من فلسفة وثقافة الديمقراطية في مجتمعنا وقد يلعب بالتحديد امر انخفاض الوعي والمعرفة والممارسة الحياتية السليمة في هذا المجتمع العامل الاكثر خطورة في بروز المعوق الكبير في وجه هذا التطور ولا سيما في ظل الظروف الانية، حيث العنف باعلى درجاته واقساها، ناهيك عن البطالة المخيفة وانعكاساتها الاجتماعية والامنية والنفسية على الافراد والجماعات وهذا الامر ليس باعتقادي من السهولة التغلب عليه، الى ذلك يمكن التنويه الى حجم المشكلات المتراكم التي خلفتها الظروف الضاغطة على مستويات الحياة المعيشية وصعوباتها في ظل الحروب والحصار واهدار للموارد الطبيعية والتفريط بالطاقات على مر العقود والسنين اضافة الى عدم وجود اسس ثابتة وآليات عمل واضحة لمنظمات المجتمع المدني يمكنها ان تؤدي عملها على وفق البرامج الصحيحة، فضلا عن عدم تقبل المواطن العراقي بسبب السلوك النفعي لبعض هذه المنظمات ما افقد المواطن الثقة بها.

ان العمل على ايجاد اسس ثابتة وآليات عمل واضحة وصادقة وجدية من شأنه ان يضع هذه المنظمات في الاتجاه الصحيح وان يطور اداءها ويقوي عملها ليجعله مؤثرا في المجتمع لتكون علامة فاعلة في تاريخية عملية التحول الديقراطية المرجو في العراق.

وفي اطار هذا الواقع الذي اصبحت ملامحه في التشكيل والنشوء والتواصل لابد ان نرى بوضوح تام روح وجدية الاصرار والمضي حتى تحقيق المشروع الذي سيسهم في عملية التحول الديمقراطي.

ان العمل الذي يراد لمنظمات المجتمع المدني هو السعي لترسيخ الارادة الوطنية بالمصلحلة العليا، وهي بناء الثقافة الديمقراطية وتكريس الجهد على اتساعها ونشرها، ومن ثم الاسهام في توافر الرغبة الحقيقية لدى القوى السياسية لانجاح هذا التحول، اضافة الى صياغة برامج التغيير نحو الديمقراطية ونشر حلقات الوعي والبرامج بضرورات التحول الديمقراطي الذي هو عماد تطور المجتمع واستمراريته وحيث يمكن لمنظمات المجتمع المدني اخذ دورها عبر تطبيق وتنفيذ البرامج التي تتعلق بتعريف المجتمع بمزايا الخيار الديمقراطي والدفاع عن الديمقراطية كمفهوم واتجاه وسلوك، بفعل العلاقة التأثيرية المتبادلة بين الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني وكذلك بين البيئة الطبيعية لوجودها والمؤاتية لترسيخها وتطورها، اضافة الى عملية التثقيف الدائرة بشأن القواعد الحاكمة والراعية للممارسة الديمقراطية فضلا عن قيمة التفاعل والتأثير في معطيات السلوك والعلاقات الاجتماعية في اطار سيادة القانون واقامة دولة المؤسسات والتعريف بمبادئ حقوق الانسان وضرورة احترامها والدفاع عنها ونشر ثقافة الحوار البناء والتفاوض لحل المشكلات والازمات واختيار هذا الاسلوب سبيلا لفض النزاعات والقبول بالرأي الاخر وثقافة النسيج الوطني الموحد وتوحيد الولاءات القبلية والعشائرية تحت راية الولاء للوطن والعمل على فضح الممارسات الخاطئة في مؤسسات الدولة بما فيها الفساد الادري والمالي والتعريف باهمية المحافظة على المكتسبات التي تحققت والعمل على تصويب الاخطاء التي رافقتها.

في هذا الاطار المسؤول عن حجم التحديات التي تواجه مجتمعنا يمكن القول ان مجتمعنا بمنظماته وجمعياته واحزابه وقواه الوطنية ومؤسساته لابد ان يحافظ على مكتسباته الوطنية ويستطيع خوض غمار كل السبل الممكنة المؤدية الى قيام مجتمع مدني حضاري بعيدا عن مخططات النظم الديكتاتورية والتدخلات الاقليمية وبذلك يكون مجتمعنا العراقي قد ادى قسطه الموضوعي في العراق من التردي المستمر.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-4-9-2007